تركيا ٢٠١٦م… الشعب يتصدى للانقلاب

تركيا ٢٠١٦م… الشعب يتصدى للانقلاب

 معمر فيصل خولي

قبل أيام ، أحيت الدولة التركية الذكرى العاشرة لمحاولة الانقلاب العسكري على حكم الرئيس رجب طيب أردوغان الذي وقع في ليلة 15 تموز/يوليو 2016م. وعلى الرغم من الدور الذي مارسته السلطتان التنفيذية والتشريعية والأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية في التصدي للانقلاب وإفشاله، إلا أنه من الصعوبة بمكان إغفال دور الأحزاب السياسية بأطيافها الفكرية المتنوعة والشعب التركي في إفشاله أيضًا. فالأحزاب عبرت في حينها عن موقفها الرافض للانقلاب، بينما خرجت الجماهير التركية إلى الشوارع والميادين التركية، كرد فعل طبيعي من أجل  التصدي للانقلاب وإفشاله أيضًا.

لاشك أن موقف الأحزاب والجماهير كان موقفًا سليمًا مستندًا على وعي عميق، مفاده بأن الدولة التركية في مرحلة ما بعد عام 2002م، ليس كما كانت قبل ذلك العام، فهي ترفض الانقلابات العسكرية التي عانت منها الدولة التركية لعقود طويلة،  وهما بهذا الرفض، يرفضان أيضًا الوصاية العسكرية على النظام السياسي في تركيا، وأن هذا الأمر أصبح شيئا من الماضي، وإنها أي الدولة التركية لن تحكم إلا وفق آليات الحكم الديمقراطي عبر صناديق الاقتراع التي تمثل جوهر الإرادة الشعبية.

رسخت الانقلابات العسكرية في تركيا، منذ أول انقلاب فيها عام ١٩٦٠ بقيادة جمال كورسيل، الانقلاب الذي اتخذ حماية علمانية الدولة سببا من  والذي كان من نتائجه المباشر إعدام رئيس الوزراء الأسبق عدنان مندريس” ١٩٥٠- ١٩٦٠” وهنا تجدر الإشارة هذا الرئيس هو الذي سمح بعودة رفع الآذان باللغة العربية.

وبعد هذا الانقلاب أصبحت المؤسسة العسكرية هي صاحبة الوصاية على النظام السياسي ، واعطت لنفسها الحق أن تراقب أداء هذا النظام، وأي حكومة تركية تخرج عن هذا المسار، ترى هذه المؤسسة من حقها إزاحتها عن الحكم ، وهذا ما حدث بالفعل في انقلاب عام ١٩٧٢م، وانقلاب عام ١٩٨٠م، وانقلاب ما سمي ما بعد الحداثة عام ١٩٩٧م.

هذه الانقلابات بمجموعها مهدت إلى نظام سياسي هش وحكومات ائتلافية  سرعان ما تنهار، هذا النوع من الحكومات عمق من أزمات المجتمع التركي الاقتصادية والصحية  واستشراء الفساد المالي والإداري  واصبحت الليرة التركية عملة لا قيمة لها.

لكن هذا الأمر لم يستمر مع مجيء حزب العدالة والتنمية الذي جاء إلى حكم تركيا في عام ٢٠٠٢ م، وفي جعبته برنامج شامل للدولة التركية، ومن ضمن هذا البرنامج إصلاح المؤسسة العسكرية وتقييد دورها في الحياة السياسية التركية من وصي على النظام السياسي إلى حماية الدولة التركية ، وهذا هو الأساس في نشأة تلك المؤسسة.

فالحزب  عبر الحكومات التي شكلها حتى موعد الانقلاب الفاشل في ١٥ تموز عام ٢٠١٦ م، حقق إنجازات عديدة في مختلف المجالات، والأهم أن تلك الإنجازات وصلت إلى منزل كل مواطن تركي، ومع حزب العدالة والتنمية ادرك المواطن التركي أهمية صوته الانتخابي، لذلك لم يكن مستغربا في ليلة الانقلاب العسكري أن يخرج المواطنين الأتراك للتصدي للانقلاب العسكري  ويرفضون العودة إلى زمان لا قيمة للمواطن ،وعبرت الأحزاب عن رفضها العودة لزمن لم يكن للأحزاب أي تأثير حقيقي يذكر في المجتمع التركي. لذلك فشل الانقلاب. وهذا الأمر في جوهره درس التركي في التعامل مع الانقلابات العسكرية .. الشعب هو الوصي الحقيقي والمدافع الحقيقي عن اي نظام سياسي.