هندسة المنظومة الأمنية الخليجية: من بناء الأمن إلى صناعة الدور الإقليمي.(13).

هندسة المنظومة الأمنية الخليجية: من بناء الأمن إلى صناعة الدور الإقليمي.(13).

احتدام المواجهة الأمريكية الإيرانية في الأيام الأخيرة القت بظلالها على طبيعة وسياق الأحداث في منطقة الخليج العربي وأخذت ابعادها باستمرار الضربات الجوية والصاروخية على أهداف عسكرية واقتصادية ضمن مناطق معينة شملت (مدن بندر عباس وسيريك وكنارك وتشابهار في مناطق سيستان وبلوشستان وهرمزغان) وجزيرة قشم ومحافظتي فارس وإيلام داخل عمق الأراضي الإيرانية، استهدفت (رادارات المراقبة ومنظومات الدفاع الجوي ومنصات الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة)، وجاء الرد الإيراني باستهداف بعض من عواصم ومدن اقطار الخليج العربي والمملكة الأردنية الهاشمية في تصعيد بالغ الخطورة لزيادة تكلفة المواجهة اقتصاديًا والتأثير على هندسة الأمن الخليجي العربي وامتداداته والتوسع في مساحة الرقعة الجغرافية للعمليات العسكرية.
أحدثت الضربات الأمريكية وردود الافعال الإيرانية تباينًا ملحوظًا وتصاعدًا ميدانيًا أعاد المواجهة إلى بدايتها في التأثير على الممرات البحرية والمضايق المائية والتجارة العالمية والطاقة العالمية وامتداداتها وتأثيراتها على المصالح الدولية والإقليمية.
استعادة الوساطة القطرية والباكستانية دورها وجهودهما المشتركة لإحياء المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، عبر صيغة مشتركة ومقترح هدنة لإنهاء المواجهات العسكرية واستئناف المفاوضات المتعثرة امدها عشرة أيام، تدعو إلى وقف الأعمال القتالية لإتاحة الفرصة لمعالجة أزمة الشحن والملاحة، وإعادة فتح ممري الملاحة في المضيق بشكل كامل بحيث يخلو الممر الجنوبي من الهجمات الإيرانية، ويخلو الممر الشمالي من الحصار البحري الأمريكي.
تسعى الوساطة الحالية إلى العودة لمسار المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها بناءًا على مذكرة تفاهم المشتركة التي وقعت في العاصمة الباكستانية (إسلام آباد) في حزيران 2026، وحظي الدور الباكستاني القطري بدعم قوى إقليمية ودولية حيث أعلنت الصين وتركيا دعمهما الكامل للوساطة الدبلوماسية لضمان استقرار حركة التجارة العالمية عبر الممرات المائية.
يأتي الدور السياسي الخليجي المتمثل بالتحرك القطري في وقف الضربات الأمريكية التي أن سارت بشكلها الإيجابي فإنها تحقق هدفًا تكتيكيًا في احتواء التصعيد وفتح نافذة للحوار السياسي والتفاوض الدبلوماسي، ولكنها قد تدفع لاحتمالية مواجهات اخرى لعدم اتخاذ الإجراءات الفاعلة باعتماد مبدأ تفكيك البرنامج النووي الإيراني وأنشطة وفعاليات الوكلاء والفصائل المرتبطة بقيادات الحرس الثوري وهندسة أمن ممرات الملاحة البحرية وآليات الردع المقابل، وهو ما يعرض أي هدنة مؤقتة أو اتفاق هش إلى تصعيد جديد.
التهديد والتصعيد الإيراني يرسم تحديات ميدانية تؤدي إلى استمرار حالة عدم اليقين الاستراتيجي بين إيران والولايات المتحدة، مما يفرض على اقطار مجلس التعاون الخليجي العربي اهتمام بإدارة الأزمات القائمة بدلًا من التركيز على بناء منظومة أمنية طويلة الأمد وتأخير في الانتقال من مفهوم الردع المؤقت إلى الأمن الجماعي والذي يتطلب استقرارًا سياسيًا واقتصاديًا إقليميًا والابقاء الاعتماد على الضمانات والتعهدات الخارجية بشكل ملحوظ، وهو ما يؤخر بناء منظومة خليجية أكثر تكاملاً واستقلالًا، وأي توتر وتصعيد يسارع في مشاريع التكامل الدفاعي وتوحيد الانذار المبكر وأدوات الدفاع الجوي والصاروخي والأمن البحري شرط توفر الإرادة السياسية المشتركة.
إن نجاح الوساطة الخليجية في وقف الضربات لا يعني انتهاء أسبابها، بل يمنح دول الخليج العربي فرصة ثمينة لبناء منظومة أمنية متكاملة قبل أن تفرض حولة تصعيد جديدة.
أن الدور السياسي الإقليمي الخليجي يختلف في مكوناته عن البناء الأمني، الوساطة الميدانية تتطلب توافر عناصر من القوة والاقناع وثقلًا سياسيًا موحدًا ونفوذًا اقتصاديًا وأدوات تأثير دبلوماسية وقبولًا دوليًا واقليميًا، وأما المنظومة الأمنية فهي أكثر واقعية لأنها تنطلق من أهداف وغايات تتعلق بحماية المجال الخليجي العربي قبل السعي لتشكيل النظام الإقليمي الأوسع، وأولى مراحلها هندسة الأمن وليس الدور الميداني كون المنطقة لا زالت تواجه عدة معوقات باستمرار التهديدات عبر الوكلاء والفصائل المسلحة وتباين أولويات اقطار الخليج في التعامل مع بعض الملفات واستمرار الارتباط بالمظلة الأمريكية وتنامي الشراكات مع بعض من الدول الاوربية والآسيوية وتصاعد الأخطار في البيئة الإقليمية الممتدة من العراق إلى البحر الأحمر والخليج العربي.
أن اقطار مجلس التعاون الخليجي تمتلك القدرة والامكانية في التعامل مع منظومة أمنية متماسكة بوجود الإرادة السياسية عبر اقتصاد مؤثر يكون موازيًا لتكامل أمني وادراك لمصادر التهديد وخبرة متراكمة في إدارة الأزمات ومستويات عالية من التنسيق الأمني والعسكري.
أن المرحلة الراهنة لا تهيئ دول الخليج العربي لقيادة دور إقليمي شامل، لكنها تمتلك القدرة لبناء منظومة أمنية تكون أساسًا لأي دور إقليمي قادم.
أن اكتمال هندسة المنظومة الأمنية الخليجية سيكون هو المتغير الذي يصنع الدور الخليجي، فالدور الإقليمي يبنى على قاعدة راسخة وبيئة أمنية متماسكة قائمة على اليقين المطلق، وهو نتاج لتراكم عناصر القوة والمنظمة الأمنية أهم عناصره لأنها تمنح المجموعة الإقليمية القدرة على حماية مصالحها ثم التأثير على محيطها.
إن هندسة المنظومة الأمنية الخليجية ليست غاية بحد ذاتها وإنما هي وسيلة استراتيجية لإنتاج دور إقليمي فاعل تكون اقطار الخليج العربي شريكة في رسم معادلة الاستقرار الإقليمي لا مجرد متلقية لتداعياتها.
تبرز أهمية الدور الإقليمي الخليجي في تكامل القدرات الدفاعية والأمنية وحماية الممرات البحرية والبنية التحتية للطاقة وتوظيف الإمكانية الاقتصادية لتحقيق الأمن والاستقرار للأقليم بما يحفظ المصالح العليا الخليجية ويمنحها وزنًا ودورًا رياديًا في أي ترتيبات قادمة في منطقة الشرق الأوسط.
وتكون أهداف المنظومة الأمنية متجهة نحو حماية الأمن الوطني المشترك لاقطار مجلس التعاون وصيانة استقرارها وحماية الممرات البحرية وأمن الطاقة ضمن إطار المصالح العليا للاقتصاد العالمي، ليصبح الأمن ركيزة مستدامة لنمو اقتصادي كبير واستثمار مالي دائم.
إن هندسة المنظومة الأمنية الخليجية لا تستهدف انتاج مشروع هيمنة وإنما تحقق إطار للأمن الجماعي والاستقرار الإقليمي وبناء توازن يحمي مصالح اقطار الخليج العربي ويعزز استقرار المنطقة.

وحدة الدراسات الإيرانية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتجية