العراق… من اقتصاد النفط إلى اقتصاد الأرض: رؤية استراتيجية لبناء قطاع زراعي وحيواني يقود التنمية المستدامة

العراق… من اقتصاد النفط إلى اقتصاد الأرض: رؤية استراتيجية لبناء قطاع زراعي وحيواني يقود التنمية المستدامة

الباحثة شذا خليل*

لماذا تعد الزراعة أول خطوة في التنمية الاقتصادية؟

لم تبدأ أي دولة حققت نهضة اقتصادية شاملة من الصناعة أو التكنولوجيا وحدهما، بل انطلقت أولاً من بناء قطاع زراعي قوي قادر على توفير الغذاء، وتحريك الاقتصاد الريفي، وخلق فرص العمل، وتوفير المواد الخام للصناعات المختلفة. فالزراعة ليست مجرد نشاط لإنتاج المحاصيل، وإنما تمثل قاعدة الإنتاج الحقيقي التي تنطلق منها بقية القطاعات الاقتصادية. ولهذا، فإن الدول التي نجحت في تحقيق التنمية المستدامة، مثل الصين، أولت اهتماماً كبيراً بتطوير الزراعة وربطها بالصناعة والتجارة والبحث العلمي، لأن قوة الاقتصاد تبدأ من قوة الإنتاج المحلي.

وفي العراق، يمكن أن يكون تطوير القطاع الزراعي نقطة الانطلاق الحقيقية لبناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستقراراً، خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية وتقلباتها. فالاستثمار في الزراعة لا يعني فقط زيادة إنتاج الغذاء، وإنما يعني تحريك سلسلة واسعة من الأنشطة الاقتصادية التي تمتد من المزرعة إلى المصنع ثم إلى الأسواق المحلية والخارجية.

أولى النتائج المباشرة لتطوير الزراعة تتمثل في خلق فرص عمل واسعة النطاق. فالقطاع الزراعي قادر على استيعاب أعداد كبيرة من المزارعين، كما يوفر فرصاً للشباب والخريجين والنساء في المناطق الريفية، سواء في الإنتاج الزراعي أو في الصناعات المرتبطة به. ومع توسع النشاط الزراعي تنشأ الحاجة إلى مهندسين زراعيين، وأطباء بيطريين، وفنيين، وعمال تشغيل، وخبراء في التسويق والإدارة، مما يساهم في الحد من البطالة وتحقيق تنمية اجتماعية واقتصادية متوازنة.

ولا تتوقف أهمية الزراعة عند حدود الإنتاج الزراعي، بل تمتد إلى تحفيز الصناعات الغذائية التي تعتمد على المنتجات الزراعية والحيوانية كمادة أولية. فعندما يزداد إنتاج الحليب، تتوسع مصانع الألبان والأجبان واللبن. وعندما يرتفع إنتاج الثروة الحيوانية، تنشط صناعات اللحوم والتعليب والجلود والصوف. كما يؤدي التوسع في إنتاج الحبوب والتمور والخضراوات إلى نمو مصانع الطحين والزيوت النباتية، ومعامل تعليب الأغذية، ومصانع الأعلاف. وبهذا تتحول الزراعة من نشاط أولي إلى محرك رئيسي للصناعة الوطنية، مما يزيد من القيمة المضافة للمنتجات المحلية ويرفع مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي الإجمالي.

ومن أهم الآثار الاقتصادية لتطوير الزراعة تقليل الاعتماد على استيراد الغذاء. فالعراق ينفق سنوياً مليارات الدولارات لاستيراد القمح والخضراوات والفواكه واللحوم ومنتجات الألبان، وهو ما يمثل استنزافاً مستمراً للعملة الأجنبية. وعندما يزداد الإنتاج المحلي ويغطي نسبة أكبر من احتياجات السوق، تنخفض فاتورة الاستيراد، وتبقى الأموال داخل الاقتصاد الوطني، مما يدعم استقرار الميزان التجاري ويعزز الأمن الاقتصادي للدولة.

كما أن الزراعة توفر المواد الخام اللازمة للقطاع الصناعي، وهو جانب غالباً ما يتم تجاهله عند الحديث عن التنمية. فالمصانع لا تستطيع العمل دون مدخلات إنتاج محلية مستقرة. فالتمور تستخدم في الصناعات الغذائية، والقطن يدخل في صناعة المنسوجات، والحبوب تشكل أساس الصناعات الغذائية، بينما تعتمد صناعات الألبان واللحوم على الإنتاج الحيواني المحلي. وكلما ازداد توفر هذه المواد داخل العراق، انخفضت كلفة الإنتاج الصناعي، وازدادت قدرة المصانع على المنافسة في الأسواق المحلية والخارجية.

ويؤدي ازدهار الزراعة أيضاً إلى رفع مستوى الدخل في المناطق الريفية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على تحسين مستوى المعيشة وتقليل معدلات الفقر. فحين يحصل المزارع على دخل مستقر ومجزٍ من أرضه، تتزايد قدرته على الإنفاق على التعليم والصحة والسكن، كما تزداد حركة التجارة والخدمات داخل القرى والأقضية. وهذا يحد من ظاهرة الهجرة المستمرة نحو المدن الكبرى، والتي تشكل ضغطاً على الخدمات والبنية التحتية في بغداد والمحافظات الرئيسة.

ومن الجوانب المهمة كذلك أن تطوير الإنتاج الزراعي يساهم في تعزيز الأمن الغذائي واستقرار الأسعار. فالاعتماد المفرط على الأسواق الخارجية يجعل الدولة عرضة لتقلبات الأسعار العالمية والأزمات السياسية والكوارث الطبيعية التي قد تعطل سلاسل الإمداد. أما عندما تمتلك الدولة قاعدة إنتاج محلية قوية، فإنها تصبح أكثر قدرة على تلبية احتياجات السكان والحفاظ على استقرار أسعار السلع الأساسية، حتى في أوقات الأزمات العالمية.

ولا يقتصر أثر التنمية الزراعية على المزرعة أو المصنع، بل يمتد إلى تنشيط قطاعات النقل والتخزين والتسويق والخدمات البيطرية واللوجستية. فكل طن من المحاصيل يحتاج إلى وسائل نقل، ومخازن مبردة، ومراكز فرز وتعبئة، وأسواق جملة، وشركات توزيع، وخدمات فحص الجودة والسلامة الغذائية. كما تتطلب الثروة الحيوانية خدمات بيطرية متطورة ومختبرات تشخيص ومصانع أعلاف ومسالخ حديثة. وبالتالي فإن تطوير الزراعة يحرك سلسلة طويلة من الأنشطة الاقتصادية التي تخلق آلاف فرص العمل خارج المزرعة نفسها.

وأخيراً، فإن الاستثمار في الزراعة يساهم في تحقيق تنمية إقليمية متوازنة بين المحافظات. فالاقتصاد العراقي ما زال يتركز بصورة كبيرة في بغداد وبعض المدن الرئيسة، بينما تمتلك المحافظات الأخرى موارد زراعية واسعة غير مستغلة بالشكل الأمثل. وعندما يتم إنشاء مشاريع زراعية وصناعات غذائية في نينوى والأنبار وديالى وواسط والبصرة وذي قار والمثنى وغيرها، فإن ذلك يؤدي إلى توزيع النشاط الاقتصادي على مختلف أنحاء البلاد، ويقلل الفجوة التنموية بين المحافظات، ويعزز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

وانطلاقاً من ذلك، فإن النظر إلى الزراعة باعتبارها مجرد عملية لزراعة الأرض وحصاد المحاصيل لم يعد يتناسب مع متطلبات التنمية الحديثة. فالزراعة اليوم تمثل منظومة اقتصادية متكاملة تبدأ بالبحث العلمي وتطوير البذور والسلالات، مروراً بالإنتاج والإرشاد الزراعي، ثم التصنيع والتعبئة والتخزين والنقل والتسويق، وصولاً إلى التصدير. ولهذا، فإن بناء قطاع زراعي حديث ينبغي أن يكون أحد الركائز الأساسية لأي استراتيجية وطنية تهدف إلى تنويع الاقتصاد العراقي، وتقليل الاعتماد على النفط، وبناء قاعدة إنتاجية قادرة على تحقيق النمو المستدام وخلق فرص العمل وتعزيز الأمن الغذائي.

الوحدة الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية