إيران: إعادة تشكيل السلطة الأمنية

إيران: إعادة تشكيل السلطة الأمنية

اياد العناز

جاءت التطورات الداخلية في أروقة النظام السياسي الإيراني لتؤكد حقيقة التغييرات التي أعلنتها الرئاسة الإيرانية في 10آب 2026 بإصدار المرشد الأعلى مجتبى خامنئي عدة مراسيم تضمنت تعيين اللواء الطيار علي عبد اللهي رئيساً لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة وتكليف العميد كيومرث حيدري بمنصب نائباً له، فيما حافظ اللواء، أحمد وحيدي على موقعه قائدًا عامًا للحرس الثوري الإيراني، وأصبح اللواء مصطفى ايزدي نائباً له، وكلف الادميرال علي عظمائي بقيادة القوة البحرية، واعطيت رئاسة منظمة تعبئة الباسيج لحجة الإسلام حسين طائب، وأصبح محسن رضائي امينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، وتأتي التعيينات الجديدة بعد لقاء الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان للمرشد مجتبى امتد لسبع ساعات، والذي تحدث عنه قائلًا (أن من أهم الهواجس، هي أوضاع طرحت خلال اللقاء تتعلق بمعيشة الشعب والتوظيف والإسكان والمشكلات الناجمة عن العقوبات وكيفية صمود الحكومة والشعب ومواكبة الشعب والوحدة والتماسك بين أبناء البلاد).
تمثل القرارات الجديده انتقالة سياسية وعسكرية ميدانية من مرحلة إدارة الحرب إلى مرحلة بناء الردع والتأسيس عليه في مرحلة مهمة ما بعد انتهاء المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية وبناء منظومة قيادية لها والقدرة والامكانية على إدارة الدولة واعادة بنائها وحماية مؤسساتها، والأهم أن التغيير لم يتسم بتبديل أشخاص وإنما بدأ يمتد ليشكل إعادة هندسة مركز القرار الأمني والعسكري الإيراني بتعينات واسعة شملت قيادات عسكرية وأمنية، وأهمها اناطة أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي ليكون محسن رضائي مسؤولًا عنها وعلى رأس قيادتها، وهو الذي سبق له وأن عمل قائدًا سابقًا للحرس الثوري، في مسار لانتقال إيران من مبدئية ( الدولة الثورية) إلى ركائز وملامح ( الدولة الأمنية) التي تكونت مراحلها الأولية بعد 28 شباط 2026 بداية الضربات الجوية والصاروخية الأمريكية الإسرائيلية التي طالت العمق الإيراني، ويمكن النظر لهذا الانتقال من عدة زوايا متوازية ومتوازنة مع بعضها في العمل من إدارة العمليات العسكرية ونطاق امتدادها الى إدارة الأوضاع الداخلية بعد أن اُقر تجميع الشخصيات المتمرسة في واجباتها العسكرية والأمنية في قمة القرار السيادي لمنظومة الحكم الإيراني، وهذا يعني أن الأولوية لم تعد في كيفية الرد على الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإنما الهدف الأساسي كيفية الحفاظ على تماسك النظام وضبط الأوضاع الداخلية ومنع أي انتقال لاثار الحرب وتحويلها لازمة سياسية داخلية ومنع أي توسع لتداعيات الصراع القائم بين واشنطن وطهران وتأثيره في السلوك الشعبي الإيراني، كما أن عودة رجل الاستخبارات والمهام الخاصة ( محسن رضائي) إلى مركز القرار السياسي يأتي في وقت حساس، فهو ليس مجرد شخصية عسكرية، بل يمثل الرؤية الأمنية التي ترتكز عليها مدرسة الحرس الثوري ووجوده في رئاسة المجلس الأعلى للأمن القومي يعني ( أن المؤسسة العسكرية تريد أن يكون لها وزن أكبر في صياغة العلاقة بين الأمن والتفاوض والردع).
ثوابت العقيدة السياسية الأمنية الإيرانية قائمة على عدم التخلي عن الردع الخارجي، ولكنها باجراءاتها الأخيرة تعيد ترتيب أولوياتها بحيث يصبح بقاء النظام وتماسكه داخلياً شرط لاستمرار الردع وإعادة بناء منظومة القيادة بعد الضربات التي أصابت المؤسسة الأمنية و أدت إلى إضعاف أجزاء مهمة منها باغتيال قيادات عليا في هيئات الاستخبارات والحرس والباسيج.
إيران بهذا التحول الميداني الذي فرضته أجواء المواجهة بدأت تنتقل من أولوية الردع المباشر إلى أولوية إدارة الصراع وفي مقدمتها إدارة الداخل والابقاء على الردع الخارجي كأداة تفاوض وضغط، وبهذا تكون مهمة الردع باقية ولم تنتهي ولكن وظيفتها بدأت بالتغيير من ردع الخصم الخارجي إلى استخدام القوة والتهديد بها لحماية مركز النظام ووحدة القرار واستقرار الجبهة الداخلية.
وهنا تبرز لنا نقطة حيوية علينا الانتباه عليها ومتابعتها بدقة واهتمام، وهي هل أن الحرس الثوري والمؤسسات العسكرية والأمنية لم تعد مجرد أدوات لحماية النظام، إنما بدأت تصبح الإطار الذي تدار من خلاله الدولة بكل كياناتها في مرحلة ما بعد الحرب، وأن مركز الثقل في إدارة الدولة بدأ يتحرك باتجاه المؤسسة الأمنية العسكرية بعد تعيين محسن رضائي الذي كان قائدًا في تشكيلات الحرس الثوري ليصبح أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي بالتزامن مع إعادة تشكيل مواقع عسكرية عليا يحمل دلالات أخرى تتجاوز سد الشواغر.
القيادات العليا الإيرانية عملت على اختيار المسار الأمني في تحديد سياقات الحكم لأنه يضمن لها بقاء النظام في مرحلة تتراجع فيها أدوات الشرعية السياسية وتزداد مخاطر الاختراق والصراع الداخلي، والاختيار قائم على مرتكزات يحققها الاختيار الأمني من الضبط والسيطرة على حركة ونشاط الفعاليات الشعبية والاحتجاجات الجماهيرية والتمكين من الحصول على المعلومات الإستخبارية الدقيقة وتعزيز منظومة الاتصالات وتوسيع دائرة الصلاحيات الخاصة بالمهام الموكلة للأجهزة الأمنية التي تحقق وحدة القرار وتقلل من مساحة التباين بين القيادة السياسية والعسكرية في اوقات الحرب والأزمات الداخلية.
أجهزة الأمن تتعامل مع نشاط المعارضة وانتشارها عبر أنشطة الاختراق الإستخباري وتصاعد حدة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وحالة المواجهة والردع الخارجي باعتبارها حلقات مترابطة تشكل تهديدًاواحدًا، وضمان بقاء النظام قبل ضمان كفاءة الدولة، وهذا هو التحول الحقيقي بحيث تصبح أولوية الدولة الاستقرار السياسي للنظام، وليس الاهتمام المباشر بالاصلاح والتغيير والانفتاح السياسي.
الدولة إذا رسمت ملامح ديمومتها بقدرتها على إنقاذ النظام في إجراءاتها ورؤيتها الميدانية، لكنها قد تكون أقل قدرة على معالجة الأسباب أزماته في المدى البعيد، فتوسيع صلاحية ونفوذ وهيمنة الأجهزة الأمنية قد تحقق استقرارًا سياسيًا ولكنه سيكون نسبيًا ولا يمكن له أن يوجد حلولًا منطقية وتكاملية للأزمات الاقتصادية وقد يبدأ بتهديد شرعية الدولة بزيادة التوتر الاجتماعي والصراع السياسي بين مراكز القوة واتساع المشاكل بين الحرس الثوري ومؤسسات الدولة إذا لم تحسن وضع آليات لها تحدد مهامها وتمنع أي حالة خلاف تؤدي إلى إضعاف مؤسسة الحكم.
أن الدولة الأمنية تحتاج لمركز قيادة، وجاءت التعيينات الأخيرة لتعزيز من تأثير وفعالية الحرس الثوري الإيراني في صناعة القرار الأمني، ولكنها قد تشكل حالة تصاعدية في ممارسة السلطة السياسية لا تتعلق بشخص مسعود بزشكيان وإنما بطبيعة موقع الرئاسة داخل منظومة تتجه نحو تحديد الأمن كمسار ثابت يبدأ بالتضيق في المجال السياسي أمام بزشكيان الذي لديه القدرة على إدارة شؤون الوزارة الحكومية وشؤون البلد الاقتصادية وتعزيز الخدمات، لكنه لا يمتلك قاعدة قوية مستقلة موازية للحرس الثوري لمحدودية قاعدته السياسية وقدرته على تحدي مراكز القوة الأعلى منه.
أن اعتماد التعيين على شخصيات أمنية وعسكرية ستضعف عمل المؤسسات الحكومية واستقلالية القرار السياسي الإيراني، والمسألة سوف لا تتعلق بشخص الرئيس مسعود بزشكيان وقدرته على إدارة الدولة، وإنما بطبيعة موقع الرئاسة داخل منظومة تتجه نحو الإطار والمسار الأمني في تعاملها مع الأحداث وصياغة أوضاع وقرارات الدولة الإيرانية.
سنرى أن العمل سيتجه نحو تضيق المجال السياسي وعدم السماح للرئيس بزشكيان بالتحرك بالحرية التي تمكنه من تحقيق أهدافه وتطبيق أفكاره، وإنما سيكون حبيس القرارات العسكرية والتوجهات الأمنية التي عليه العمل بموجبها والالتزام بها كونها صادرة من قيادات تحظى بدعم وإسناد من المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، رغم قدرة بزشكيان على إدارة حكومته وتعزيز رؤيته الاقتصادية في معالجة الأزمات التي يعاني منها المجتمع الإيراني ورؤيته حول التعامل الإيجابي في اعتماد المرونة السياسية للوصول إلى غاياته في رفع العقوبات الأميركية وإطلاق الأموال المجمدة لتخفيف المعاناة الشعبية وإطلاق الخدمات الاجتماعية للمواطنين، ولكنه يفتقد لقوة موازية لهيمنة ونفوذ الحرس الثوري الإيراني وقياداته الميدانية.
الخطورة الأكثر حضورًا في المشهد السياسي الإيراني هو انتقال الملفات المهمة والرئيسية التي تعنى بالأمن القومي وقرارات الحرب والتفاوض السياسي والحوار الدبلوماسي ومآلات الأحداث المتواترة في مضيق هرمز وطبيعة التعامل الأمني والاستخباري مع جميع هذه الملفات الحساسة الى شخصيات ذات خلفية أمنية وعسكرية تجعل من المناورة السياسية ومساحتها أمام أي تحرك للرئيس مسعود بزشكيان أكثر ضيقًا وأصعب اجراءًا، كما وأن القيادات الفاعلة في الحرس الثوري ترى من مصلحتها التمسك بالرئيس بزشكيان وعدم ازاحته من المشهد السياسي كونه يمثل الواجهة الدستورية والمدنية لإيران، بينما تستمر المؤسسات الأمنية في إدارة الملفات التي تعتبرها القيادة ذات أبعاد سيادية تهم المصالح العليا للنظام، وبالتالي ستكون إدارة الدولة من قبل الرئيس الإيراني ولكن من يحدد البعد الاستراتيجي لمتطلبات وأهداف الدولة هو الحرس الثوري وقياداته الفاعلة المهيمنة على الداخل الإيراني.
الهيمنة العسكرية والأمنية للحرس تتجه نحو تحقيق مسار يبدأ من مؤسسة الحكم السياسي باتجاه الشرعية الدستورية والتنفيذية يكون مقابله وموازي له مسار قيادات ومؤسسة الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية التي تمثل القوة الفعلية في صناعة القرار الاستراتيجي، وستكون ازدواجية واضحة ولكنها ليست جديدة في إيران لكنها ستكون أكثر خطورة عندما تكون طهران في حالة مواجهة عسكرية وأزمة اقتصادية وضغط شعبية داخلية.
وجود الرئيس مسعود بزشكيان في هذه المرحلة المهمة من تاريخ النظام الإيراني تمثل قاعدة أساسية في القيام بوظيفة سياسية بالحفاظ على الشكل الدستوري والمؤسساتي للدولة وإدارة الملفات التنفيذية والاقتصادية والاجتماعية، بينما تكون الملفات الأكثر حساسية بيد دوائر الأمن القومي والعسكري التي ستدار من قبل الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي ( محسن رضائي).
الغاية التي تعمل جاهدة عليها قيادات الحرس الثوري توزيع القوة داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية لتكون صاحبة التأثير الأكبر في القرارات السيادية وهو ما ستكون لديه انعكاسات على طبيعة المسار التفاوضي وإدارة الصراع مع الولايات المتحدة الأمريكية، لأن الذي سيدير ملف الحوار السياسي والتفاوض الدبلوماسي مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب هو (مجلس الأمن القومي الإيراني) بقياداته الجديدة، وهذا ما يعني احراجًا للرئيس بزشكيان عندما تصبح القرارات السياسية رهينة بقوة فاعلة خارج نطاق عمل الرئاسة وتوجهاتها، لأن شعار النظام في هذه المرحلة سيكون (كلما ازدادت قوة الدولة الأمنية ازدادت قدرة النظام على البقاء قصير الآمد)، وكلما تراجعت مساحة الدولة السياسية ازدادت احتمالات الصراع داخل مراكز القوة نفسها.

وحدة الدراسات الإيرانية

مركز الروابط والبحوث والدراسات الاستراتيجة