اياد العناز
بدأت الولايات المتحدة الأمريكية منذ الحادي عشر من تموز 2026 ضربات جوية وصاروخية نحو العمق الإيراني استهدفت فيها عقد النقل الاستراتيجي
( الجسور والطرق الرئيسية والسكك الحديدية) مع قطع خطوط الإمدادات اللوجستية وتحييد منظومات الدفاع الجوي وفعل الرادارات وتدمير المنصات البحرية والقواعد الجوية واستهداف منصات الصواريخ وإطلاق الطائرات المسيرة ومخازن حمايتها في مناطق عديدة داخل العمق الإيراني.
أن التوجه الأمريكي للعمليات العسكرية الهجومية في ضرب الجسور المؤدية لمنطقتي ( بندر عباس وشهباز) تشكل تحول نوعي في طبيعة الاهداف الأمريكية الذي لم يقتصر على التركيز القائم على تدمير منصات الإطلاق، بل أصبح موجهًا للبنية اللوجستية التي تمكن إيران من إدارة المواجهة العسكرية واستدامتها، وهنا يبرز لنا السؤال الأهم، لماذا منطقة بندر عباس؟
في العلم العسكري والرؤية الأمنية الاستخبارية، تعد المنطقة أهم عقدة استراتيجية كونها أكبر ميناء تجاري إيراني يمر خلاله جزء كبير من الواردات والصادرات النفطية والتجارية، وفيها القاعدة الرئيسية للقوات البحرية التابعة للحرس الثوري، التي تشرف على مضيق هرمز ويمنحها الدور البارز في مراقبة الملاحة البحرية، وتمثل لإيران مركزًا لوجستيًا لنقل الذخائر والصواريخ والطائرات المسيرة نحو الجنوب والساحل البحري المطل على مضيق هرمز.
وتعطي عملية استهداف الجسور ميزة ميدانية للقوات الأمريكية في عزل منطقة بندر عباس عن العمق الإيراني والتأثير على حركة التعزيزات العسكرية وزخم الإمدادات للقوات المتواجدة على الأرض ورفع كلفة نقل الوقود والذخائر وتعطيل قدرة الحرس الثوري في المناورة السريعة وحركاته في القواعد الساحلية.
و الأهمية الجغرافية والأمنية لمنطقة (شهباز) في الاستهداف الأمريكي أنها تعتبر جزء حيوي في شبكة الربط بين الداخل الإيراني والساحل البحري، ويتحدد في سياق قطع خطوط الاتصال والاسناد وإضعاف القدرة على الرد والمناورة.
تتمحور الأهداف الأمريكية في إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بمضيق هرمز، عبر تجريد إيران من بعض قدراتها العسكرية في الساحل الجنوبي المطل على مضيق هرمز وتقليص قدرتها على تهديد الملاحة البحرية وفرض السيطرة على الممر البحري واستهداف القدرة التشغيلية لها بضرب البنية اللوجستية والطرق والجسور التي تربط بندر عباس بالعمق الإيراني.
ويبرز دور الحرس الثوري ومدى تفاعله ورده على هذه المحاولات، الذي سوف لا ينظر لأي متغيرات ميزانية على أنها إجراءات عسكرية، بل يعتبرها محاولة لإعادة صياغة ورقة مهمة من أدوات الردع الإيراني وابرز عنصر مهم لقوته ومطاولته في المواجهة، وهو يدرك أن عملية السيطرة على الممرات البحرية والمضايق المائية وتأمينها بالقوة من أكثر العمليات صعوبة وكلفة عبر القدرة على ضمان استمرار حرية الملاحة في مواجهة خصم يمتلك وسائل الاستنزاف والمناورة العسكرية وتنويع الأهداف وإعادة رسم هندسة الموضع الأمني والعسكري في الخليج العربي، وتَمكن القوات الامريكية من افراغ ورقة مضيق هرمز من أهميتها واحتوائها من الأهداف الإيرانية، تكون قد حققت عملية دقيقة في إضعاف أهم أدوات الردع الإيراني.
بوادر تحول المواجهة بين واشنطن وطهران من حرب استنزاف للبنية التحتية العسكرية اللوجستية ستكون قائمة وواقع حال ميداني مع زيادة في الضغط على الاقتصاد الإيراني كون ميناء بندر عباس يعتبر شريان رئيسي للتجارة والنقل والتوريد، مع تزايد حالة تراجع قدرة إيران على تهديد الملاحة في مضيق هرمز بتعطيل فاعلية قواعدها البحرية وخطوط امدادها، ومنح دور لاقطار مجلس التعاون الخليجي العربي في حماية الممرات البحرية وطرق الطاقة العالمية والتجارة الدولية وتعزيز التواجد البحري الأمريكي، واستمرار عملية استهداف الجسور للوصول إلى فرض حالة العزل العملياتي بمواصلة ضرب الجسور وخطوط سكك الحديد والنقل بصورة دائمة، يعني التوجه إلى هدف عسكري وغاية سوقية لإضعاف إيران وقدراتها على إدارة اوضاعها العسكرية والانتقال إلى مرحلة أكثر فعالية من الضغط العسكري والسياسي، مع بقاء احتمالية القيام بعملية برية محددة وسريعة قائمة، بعد الاستهداف الأمريكي لمواقع الحرس الثوري في ( الأحواز وبندر عباس وجاسك وسيريك وجزر قشم ولارك وهرمز وابو موسى) وهي أماكن تشكل العمق الاستراتيجي العسكري الإيراني المطل على مضيق هرمز، والتي تشمل تمهيدًا لتنفيذ عمليات عسكرية تسبق أي تطورات قادمة في الإقليم.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة
