
أسئلة لها علاقة بما ابتدأنا له في توصيف الحالة الأمنية والوقائع الميدانية للاقليم، فهل بإمكان إيران أن تتكيف مع بيئة أمنية خليجية جديدة، وهل ستكون ملامح واوجه التكيف مستدامة وما مدى تأثيرها على الداخل السياسي الإيراني، وهل يمكن مواكبة الهندسة الأمنية الخليجية العربية مع متطلبات الأوضاع الداخلية الإيرانية وما يحيطها من خلافات وصراعات داخل اروقة النظام الحاكم وتياراته السياسية؟
نبدأ بالإجابة الواقعية الدقيقة التي تتعلق بمفاتيح التكيف الخارجي للمنظومة السياسية الأمنية الإيرانية التي ستكون أمام تطورات ميدانية وتعاون مشترك لاقطار الخليج العربي في بناء منظومة أمنية واقعية بدعم من حلفائها وشركائها قوامها الرؤية الاستراتيجية لمعالجة الازمات السياسية والتحولات الأمنية ومواجهة الاعتداءات المستمرة عبر أسس وركائز من العمل المشترك وتنشيط الاتفاقيات الدفاعية والتعاون الإستخباري، هذه المفاعيل العربية الخليجية ستجعل إيران أمام حقائق عليها التعامل معها في طبيعة علاقتها مع وكلائها وفصائلها المسلحة والنظر بدقة إلى مدى استمرارها في دعمها عسكريًا وماديًا، فالأمر سيكون مكلفًا للقيادات الأمنية في فيلق القدس والحرس الثوري في ضوء الأوضاع والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها إيران وعدم تمكنها من الاستمرار بالدعم المباشر الذي كانت تقدمه لحلفائها من المليشيات في الشرق الأوسط والوطن العربي، كما ستكون أمام ضغط سياسي وعسكري في كيفية إدارة الممرات البحرية والتمسك بإغلاق مضيق هرمز الذي أصبح يشكل عبئًا اقتصاديًا وخسائر مادية وعسكرية بعد التطورات الأخيرة وعودة الضربات الأمريكية الجوية والصاروخية على سواحل بندر عباس والجزر المقابلة له مع حصار بحري وضربات بدأت تتجه نحو العمق الإيراني مستهدفة خطوط المواصلات ونقل البضائع والنفط الإيراني، مما ساهم في تقليص هامش المناورة العسكرية والرد المقابل نحو الأهداف الأمريكية في منطقة الخليج.
أن هندسة الأمن الإقليمي الخليجي ستجعل الإيرانيين أمام إعادة لتعريف مفهوم الأمن القومي بحيث يصبح النمو الاقتصادي واستقرار الدولة جزءًا حيويًا من بناء منظومة الأمن، وأن لا تقتصر فقط على أعداد وتعظيم أمكانيات وقدرات المؤسسة العسكرية، بل تتخذ من وسائل الاستثمار المالي وبناء أواصر متينة لعلاقات اقتصادية متطورة واقامة مشاريع كبيرة مع بلدان العالم اساس مركزي في تعميق الجانب الأمني الإقليمي المواكب لهندسة الأوضاع الأمنية الخليجية ليكون عامل مضاف مهم يحقق مديات التكيف الخارجي في استعدادها للتعامل مع بيئة خليجية فاعلة.
واذا ما أخذنا بالاعتبار أدوات ووسائل التكيف الداخلي الإيراني مع متطلبات التغيير السياسي والأمن في الأوضاع التي افرزتها المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية، فإن التحدي الأوسع والأكبر سيكون داخليًا ويتعلق بإعادة التوازن بين مؤسسات الدولة ومنها الدوائر الأمنية والعسكرية ومنع أي حالة من الاختلاف والصراع بينها والسيطرة الميدانية على القرار السياسي دون أي معارضة مباشرة، وهذا لا يتم بوجود صراعات بين أجنحة النظام الإيراني وتياراته السياسية وسطوة قيادات الحرس الثوري على القرار السياسي للدولة والتحكم بتوجيهات الحكومة والتدخل بسياساتها وابعادها عن القيام بواجباتها حسب متطلبات الأوضاع الراهنة، وهذا ما يحصل دائمًا وبوضوح عند تصريحات وأحاديث الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي ومعارضة القيادات الميدانية للحرس الثوري لهما بتسخير قنواتهم الاعلامية ووسائلهم الصحفية في الرد عليهم واعلان رفضهم وخلافهم مع ما يتعلق بأسلوب إدارة الدولة.
فإذا بقيت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وسوء الاوضاع المعيشية وارتفعت نسب البطالة والتضخم، فإن أي نجاح في التكيف الخارجي سيكون محدود الأثر وعدم تمكن الدولة الإيرانية من الانتقال من مبدأ الشرعية الثورية إلى ادارة وكفاءة الدولة والتي ستكون مفتاح لأي تغيير وإصلاح سياسي إيراني داخلي في مراحل قادمة.
مستقبل النظام السياسي الإيراني رهين باعتماده على الربط الموضوعي بين التكيف الخارجي والداخلي ليمنح إيران فرصة تخفيف الضغوط السياسية والعقوبات الاقتصادية عنها ويفتح المجال لها أمام للعودة لبناء مؤسساتها المالية والمصرفية والشروع بالبناء والإعمار وإعادة هيكلية الدولة والتخلص من آثار الحرب واعتماد سياسية الانفتاح السياسي والاقتصادي والتعامل الإيجابي مع منظومة خليجية سياسية أمنية واقعية لها أهدافها وغاياتها ورؤيتها في حماية مصالحها والدفاع عن سيادتها وأمنها الوطني القومي واستمرار انسيابية طرق التجارة العالمية والطاقة الدولية.
وهنا تبرز القدرة الإيرانية والامكانية العقلية في استثمار الفرصة السياسية وتحويلها إلى استقرار طويل الأمد، إذا ما حَسُنت النوايا الإيرانية بصدق تعاملها وابتعادها عن سياسة المحاور والتعنت والهيمنة واطالة الوقت والخطابات الشعبوبية والعودة بشكل إيجابي للمفاوضات السياسية والحوارات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة الأمريكية باعتماد مذكرة التفاهم المشتركة اساس في الاتفاق النهائي وحل جميع المعضلات.
إذا تمكنت المنظمومة السياسية الإيرانية من القيام باصلاحات داخلية وفهم وادراك للواقع الإقليمي والتطلعات الدولية وتعامل جدي مع منظومة أمنية خليجية، يجعل من استقرار الأوضاع الداخلية اساس في استقرار إيران داخليًا، عبر تهدئة إيجابية وعدم اعتداء على دول مجلس التعاون الخليجي العربي وخفض حالة التوتر والتصعيد والاتجاه لمسار هادئ ومستقر يحقق أجواء أمنية مستقرة ويبتعد كثيرًا عن مسارات العودة للحرب، وهو ما يمكن أن ينتج وضعًا سياسيًا يمكن خلاله التعامل الميداني في حل الأزمات والمعضلات التي يعاني منها المجتمع الإيراني.
واذا ما رفضت القوى المهيمنة على القرار السياسي الإيراني في التكيف الخارجي مع الأمن الخليجي وهندسته الميدانية فإنه سيؤدي إلى استمرار في الاستنزاف الاقتصادي للموارد المالية وضعف في إدارة الدولة وارتفاع في منسوب الترهل الاقتصادي وانكماش في موارد الدولة وزيادة في خفض العملة المحلية وسوء للأوضاع المعيشية واضطراب داخلي يقود لاحتجاحات شعبية، مع تباعد في العلاقات الخارجية وتضييق للمسارات العودة للمجتمع الدولي، وهذا كله كان حاضرًا في مقررات قمة أنقرة في الاجتماع السادس والثلاثين لدول الحلف الأطلسي الذي عقد للفترة من 7-8 تموز 2026 في العاصمة التركية (أنقرة) بدعوة إيران لفتح مضيق هرمز واعتماد الجهود الدولية والوساطات الإقليمية أساسًا مركزيًا لعودة إيران للمجتمع الدولي مع الرفض التام لامتلاكها السلاح النووي وعدم تهديد الأمن السلمي الدولي بحماية الممرات البحرية والمضايق المائية وحماية التجارة الدولية.
وهنا تبرز نقطة مهمة تحدد مسارات وخيارات إيران سياسيًا وأمنيًا، فكلما أصبحت البيئة الأمنية الخليجية أكثر حضورًا وتماسكًا وتكاملًا ازدادت الضغوط على إيران للانتقال من نموذج الدولة المقاومة ذات النزعة الثورية إلى نموذج الدولة القادرة للتكيف السياسي مع التوجهات الإقليمية والدولية، وبها يتم الاحتواء الإيراني ومراجعة سلوكها والحوافز التي تتحكم بسياستها، ليكون الإصلاح الداخلي خيارًا عمليًا للحفاظ على بقاء النظام وأن لا يكون عبر شروط خارجية يرى فيها النظام اضعافًا مما قد يؤدي إلى استمراره في سلوكه وبرنامجه السياسي الإقليمي، وابتعاده عن اعتماد مبدأ كفاءة الدولة ومسار التنمية الاقتصادية في إعادة تموضعها الداخلي ورسم ملامح سياسته الخارجية وعلاقاته الدولية والإقليمية.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة