هل تنتقل هندسة الأمن الخليجي من إطار جغرافي خليجي إلى إطار شرق أوسطي أوسع (17).

هل تنتقل هندسة الأمن الخليجي من إطار جغرافي خليجي إلى إطار شرق أوسطي أوسع (17).

اخذت المواجهة الأمريكية الإيرانية أبعادًا وحضورًا ميدانيًا أكثر عمقًا وتأثيرًا على طبيعة الصراع الدائر في منطقة الخليج العربي على جميع الأصعدة من إغلاق مضيق هرمز إلى منع مرور الناقلات والسفن والضربات الصاروخية والجوية داخل العمق الإيراني والتأثير على حركة الملاحة البحرية والتجارة الدولية واسواق الطاقة العالمية مع اشتداد وتوسع الهجمات الصاروخية واستخدام الطائرات المسيرة تجاه عواصم اقطار دول مجلس التعاون الخليجي العربي.
الانتقال الميداني أخذ صورته الأوسع في التحول من الردع المحلي إلى الردع الإقليمي في مرحلة متقدمة لتوسيع نطاق العمل العسكري الجغرافي والذي يعتبر تحول استراتيجي في العقيدة الأمنية للنزاع القائم في الإقليم بشكل أوسع وتأثير أكبر، وأن استمرار هذا التحول من المحلية إلى الإقليمية يحتاج إلى أدوات ووسائل فاعلة في ديمومته مع علامات بارزة لاستراتيجية مقنعة في امتداداته التي يمكن تحديدها في مسألتين مهمتين هما ( مبررات الانتقال) في تحول التهديدات القائمة في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي من تهديدات محلية إلى عابرة للأقاليم في ربط محكم لأمن الطاقة والممرات البحرية بين الخليج العربي والبحر الأحمر وشرق البحر الأبيض المتوسط مع تزايد قائم لاستخدام المليشيات والفصائل المسلحة من الوكلاء بما يجعل عملية الاكتفاء بالدفاع ضمن إطار مساحة محددة من داخل الخليج العربي أقل فعالية، واعتماد صيغة فاعلة في رسم ملامح الترابط والتشابك للمصالح الاقتصادية والأمنية مع شركاء إقليميين خارج نطاق العمليات العسكرية.
وهناك تبرز أهمية (أدوات الانتقال) بوجود قيادة مشتركة وسيطرة إيجابية بقرارات سيادية وعمليات ناجحة تتجاوز الإطار الخليجي تصاحبها شبكة إنذار مبكر ودوائر مساهمة داعمة للعمل الميداني عبر جهود استخبارية إقليمية متماسكة، يصاحبها تكامل في منظومات الدفاع الجوي والصاروخي والأمن البحري لتعزيز الشراكات الاستراتيجية مع الدول ذات التأثير الميداني في منطقتي البحر الأحمر وشرق البحر الأبيض المتوسط، يكون قوامها تنسيق سياسي يحدد قواعد استخدام القوة وحدود التصعيد، لكي لا يتحول الردع إلى حالة من عدم الانضباط والسيطرة المركزية.
أن الردع الإقليمي لا ينبغي أن يفهم أنه مجالًا لتوسيع دائرة المواجهة العسكرية، وإنما توسيعًا لمجال منع القتال، والهدف منه خلق شبكة أمنية تجعل أي طرف يفكر في توسع الصراع ستكون أعلى من مكاسبه، لذا فإن معيار نجاح هندسة المنظومة الأمنية الخليجية لن يكون عدد الشركاء أو اتساع الرقعة الجغرافية، وإنما قدرتها على تحقيق الردع مع تقليل احتمالات الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.
أن العمل على بناء منظومة أمنية خليجية متكاملة يجب أن يتضمن إضافة إلى تحديد أصول وقواعد المواجهة العسكرية محورًا مهمًا يتعلق بمواجهة التهديدات غير النظامية تشمل حركة ومتابعة نشاط وفعالية الشبكات المسلحة من الفصائل والوكلاء المعتمدين لدى الحرس الثوري الإيراني، مع وجود آلية فاعلة في توحيد قواعد تصنيف التهديدات وتبادل المعلومات في مسعى لحماية البنية التحتية للطاقة والموانئ وخطوط الملاحة من الهجمات والضربات التي تساهم الفصائل المسلحة في تنفيذها، وهذا يتطلب تطوير قدرات الأمن السيبراني لأن عناصر المليشيات قد يستخدمون الفضاء الإلكتروني بالتوازي مع الوسائل العسكرية، وتعزيز التنسيق السياسي والقانوني لتجفيف مصادر التمويل والدعم اللوجستي الذي تتلقاه هذه المجموعات من قبل قيادات فيلق القدس والحرس الثوري الإيراني.
نجاح هندسة المنظومة الأمنية الخليجية لا يقاس بقدرتها على الردع المماثل، بل بقدرتها على احتواء وإضعاف التهديدات المليشياوية التي تستطيع تجاوز الحدود الجغرافية والسيادية، وأن الرد الأمريكي المصاعد إذا استمر ستكون له انعكاسات مباشرة على الشراكة الاستراتيجية مع دول الخليج العربي عبر المستوى الأمني الذي يدفع لتسريع عملية التكامل الدفاعي وزيادة التنسيق المشترك في الفعاليات الخاصة بالدفاع الجوي والصاروخي والانذار المبكر، وهناك المستوى العسكري الذي يسعى لتوسيع مكامن التدريبات المشتركة وزيادة وتيرة تبادل المعلومات الاستخبارية وإعادة تقييم توزيع القوات والقدرات العسكرية بما يتناسب وطبيعة التهديدات المتلاحقة، وهناك المستوى السياسي الذي يواجه دول مجلس التعاون الخليجي العربي في الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية والسعي إلى عدم الانزلاق لمواجهة مفتوحة لا تخدم استقرار وأمن الإقليم، ويبقى للمستوى الاقتصادي دلالاته في تأثيره على إطالة آمد التصعيد، فكلما امتدت اثاره زادت أهمية حماية البنية التحتية للطاقة والموانئ وخطوط الملاحة لأن الأهداف تبقى من أكثر نقاط الضغط حضورًا.
أهمية الشراكة الاستراتيجية الأمريكية الخليجية أنها قد تنتقل من مرحلة توفير الحماية إلى مرحلة إدارة الأمن الإقليمي بصورة مشتركة، وهذا تحول نوعي مهم إذ تصبح اقطار الخليج العربي شريكًا في صياغة البيئة الأمنية وليس مجرد متلق للضمانات الأمنية، وكلما ازدادت هذه الشراكة زادت حاجة دول المنطقة لبناء قرار أمني خليجي مستقل داخل إطار الشراكة ليكون التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية عاملًا راسخًا لتعزيز الأمن الإقليمي، وهي من أهم المراحل القادمة.
لا يمكن صياغة بيئة أمنية خليجية مستقرة إذا كانت إرادة القرار السياسي مرتهنة بالكامل لمتغيرات خارجية، فالشراكات الاستراتيجية مهما بلغت أهميتها، تنجح عندما تقوم على تقاطع المصالح لا على ذوبان القرار السياسي، لتكون الشراكة الاستراتيجية هي الأداة وهندسة المنظومة الأمنية هي النتيجة، وهو ما يجعل اقطار الخليج العربي قادرة على تحديد مستوى الانخراط في أي أزمة إقليمية وفق مصالحها الوطنية والجماعية ورسم حدود التعاون العسكري مع حلفائها دون فقدانها لحرية القرار، والعمل على الجمع بين المرونة الدبلوماسية والردع العسكري لبناء منظومة أمنية قادرة على الاستمرار حتى في حالة تغيير الارادات الأمريكية أو التحولات الدولية.

وحدة الدراسات الإيرانية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة