مستقبل العلاقة بين الحرس الثوري والسلطة السياسية الإيرانية.. (6)

مستقبل العلاقة بين الحرس الثوري والسلطة السياسية الإيرانية.. (6)

اياد العناز

ان مستقبل الأمن الخليجي العربي لا يرتبط بتطور القدرات الدفاعية لاقطار المجلس، بل مدى القدرة على إيجاد مرتكزات أساسية لبناء منظومة أمنية متكاملة تكون العامل الإيجابي في تعزيز القرار السياسي المشترك وتحقيق الاستقلال الاستراتيجي وإيجاد مفاعيل حقيقة لقيادة غرفة العمليات المشتركة عبر وسائل متعددة تتعلق بالانذار المبكر ومنظومات الدفاعات الصاروخية وقواعد الإطلاق ضد الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة وتعزيز الكفاءة العلمية والتقنية في التعامل مع مفاتيح الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.
لم يعد القرار السياسي رهين المؤسسات التنفيذية والاجرائية لدى القيادة الإيرانية، بل امتد ليكون رسم ملامحه وقوة اتخاذه في الدوائر الاستخبارية والأمنية لدى قيادات الحرس الثوري الإيراني بعد التغييرات الأخيرة التي أقرها المرشد الأعلى مجتبى خامنئي في الهيكلية الأمنية للنظام في خطوة مهمة يسعى فيها لتوحيد مركز القرار.
هناك سؤال تفرضه الأوضاع القائمة هل يرى الحرس الثوري أن التفاهم مع واشنطن فرصة أم تهديد؟ فإن اعتبره مسارًا لإعادة بناء الاقتصاد والحفاظ على عناصر القوة الإقليمية فإنه يعمل على إدارة دائرة التفاهم، أما إذا رآه مدخلًا لتقليص نفوذه فإنه سيواجه ممانعة داخلية ومقاومة من قبل بعض قياداته تعرقل عملية التنفيذ.
أن الحلقة الأكثر أهمية في مهام القيادات الجديدة، هي كيفية توصيف العلاقة مع الفصائل والمليشيات المسلحة التي يعمل المسؤولين في الحرس الثوري إلى تثبيت اركانها في الحفاظ على خصوصيتها بالتفاهم المشترك وخضوعها للادارة المركزية والالتزام بتوجيهات القيادات العليا بتنفيذ المشروع الإقليمي السياسي الإيراني.
الأهداف الاستراتيجية للعقيدة العسكرية لدى الحرس الثوري تندرج في إطار المزاوجة بين العقيدة الثورية والمنفعة السياسية في خطوة أساسية يضمن استمرار دوره في داخل الدولة الإيرانية.
عندما تتجه الأهداف المرحلية لحماية المؤسسة السياسية ستكون الخطوات متابعة أمام تحول تدريجي من منطلق ( الثورة الدائمة) إلى متطلب (استمرار النظام) وإعادة صياغة الأدوات والوسائل التي تحقق الغرض من هذا الهدف الحيوي، لتكون مستقبل العلاقة بين الحرس الثوري والسلطة السياسية في حدود المرونة مع أي تفاهم قادم مع الولايات المتحدة الأمريكية.
حماية مبادئ (الثورة الإيرانية) تمثل مصدر الشرعية الأيديولوجية التي يتمسك بها الحرس الثوري، أما الحفاظ على المؤسسة في مثل شرط استمرار تلك الشرعية وقدرتها على التأثير.
إذا شعرت المؤسسة الأمنية بأن التفاهم مع واشنطن يهدد مكانتها، فإنها ستتجه إلى التشديد في شروطها وإعادة صيغة أهدافها، وإذا ما لمست أن الحوار السياسي والتفاوض الدبلوماسي يخفف الضغوط الاقتصادية والعسكرية دون أن يمس موقعها داخل أروقة النظام ومؤسساته، فإنها ستمتلك الاستعداد للتعايش معه والقبول به كواقع حال ودعمه ضمن حدود معينة.
إن مركز الثقل في المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية لم يعد يقتصر على العلاقة بينهما كدولتين، بل أصبح يدور حول كيفية تعامل الرئيس ترامب مع الحرس الثوري بوصفه أحد أهم مراكز القوة في إيران، وهذا ما يجعل واشنطن ترى في إمكانية قبول الحكومة الإيرانية التفاوض معها، فإن الحرس الثوري سيكون الجهة الأكثر تأثيرًا في تنفيذ أو تعطيل أي تفاهم، وأن الثابت في الرؤية الأمريكية أن كثير من أدوات النفوذ الإقليمي التي تشكل مصدر قلق للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها ترتبط بدرجات متفاوتة بالمؤسسة الأمنية العسكرية الإيرانية، ولهذا فإن أي عقوبات اقتصادية وضغط سياسية أمريكية توضع وتقرر فإنها لا تعمل لتغيير سلوك النظام الإيراني، بل لإعادة تشكيل حسابات الحرس الثوري كلفة الاستمرار في النهج الحالي وفوائد التهدئة.
لن يتحدد مستقبل التفاهم الأمريكي الإيراني على طاولة المفاوضات، بل في كيفية تفاعل قيادات الحرس الثوري مع أي تفاهم لانه يمثل ثقل ميداني في مركز القرار القادر على التاثير في مسار
التنفيذ أو إيقاف مسار لعملية التفاوضية.
هناك صراعات سياسية ونزاعات فكرية داخل أروقة النظام الإيراني، لكن الحظ الأوفر في الهيمنة تميل إلى الدوائر والمؤسسات الأمنية وتيار المحافظين والمتشددين وقيادات الحرس الثوري التي لم تعد مجرد قوة، بل أصبحت تشكل فاعلًا اقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا مؤثرًا وأن من يريد أن يقرأ الداخل الإيراني جيدًا ويفهم طبيعة السياسة الإيرانية عليه أن يدرك مقدار الجهة المؤثرة داخل منظومة الحكم.
الكل يعلم ومنها الإدارة الأمريكية أن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي والحرس الثوري يمثلان مركز الثقل في ملفات الأمن القومي والسياسة الإقليمية وأن مواقف إيران السياسية الخارجية لا تُفهم من خلال الحكومة وحدها، لأن الملفات الاستراتيجية تُدار ضمن منظومة تتداخل فيها القرارات السياسية مع التوجهات الأمنية.
أصبحت دائرة الحرس الثوري هي التي تمتلك القدرة على ترجيح اتجاهات القرار السياسي والأمني وتحديدًا في قضايا الأمن القومي والعلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية وإدارة الفصائل المسلحة ووكلائها في منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي.
تتجه العقيدة العسكرية والأمنية للحرس الثوري في اعتبار أمن النظام واستمراره معيارًا يتقدم على جميع المسارات والاعتبارات الدبلوماسية والاقتصادية وأي أزمة تعانيها المؤسسات التنفيذية، وأصبحت الاعتبارات الأمنية في السنوات الأخيرة أكثر حضورًا في عملية صنع القرار الإيراني، وهذا ما يؤكد اتجاه النظام الإيراني إلى نموذج ( الدولة الأمنية).

وحدة الدراسات الإيرانية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة