اياد العناز
لم يكن قرار الانسحاب الأمريكي من العراق وليدة الأحداث التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وإنما كانت هناك محطات سابقة تم فيها دراسة ومناقشة القرار، ففي اوائل شهر آب 2020 اتفق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انذاك مع مصطفى الكاظمي عندما كان رئيساً لوزراء العراق على إعادة انتشار قوات التحالف الدولي وخروجها من القواعد العسكرية في العراق، ثم الحديث عن جدولة الانسحاب الأمريكي مع وزارة محمد شياع السوداني بجلسات عديدة مع قيادة قوات التحالف الدولي، وتم الاتفاق على تحديد يوم 30 أيلول 2026 ليكون الموعد الذي ارتبط بالبرنامج الحكومي الذي أعلنه رئيس الوزراء الحالي علي الزيدي وليواكب مسألة أمنية مهمة في حصر السلاح بيد الدولة العراقية.
تمثل عملية الانسحاب رؤية استراتيجية لإعادة هندسة العلاقة السياسية والعسكرية والأمنية الأمريكية مع العراق، بعد أن عادت القوات الأمريكية للمساعدة في مواجهة تمدد عناصر داعش في حزيران 2014 تنفيذًا لاتفاقية الإطار الاستراتيجي الذي تم توقعها واعتمادها في وزارة المالكي 2009 مع توفير غطاء دولي لمكافحة الإرهاب ضمن تشكيل تحالف دولي ضم عديد من الدول الأوربية.
حصر السلاح كان أحد المهام الرئيسية للحكومة العراقية لتنفيذها، وهو ما تم مناقشته من قبل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بلقائه مع الزيدي على هامش اجتماع الأمم المتحدة، وأعلن فيه عن تصريح خطير يتعلق بمستقبل العراق بقوله (أن الجماعات المسلحة حالة خطرة قد تؤدي إلى بلقنة العراق) وأن (لا شئ أفضل للعراق من حصر السلاح بيد الحكومة) والتخلص من هذه القوى الخارجة عن القانون والتي تعمل على بلقنة البلاد.
جاء التصريح كدلالة واضحة لرأي الادارة الأمريكية في قراءة ميدانية لواقع حال حول العلاقة بين السلاح الموازي لسلاح الدولة وعلاقته بتهديد استقرار ووحدة العراق.
السياسة الأمريكية تعمل على إعادة ترتيب العلاقة في منطقة الشرق الأوسط بين السياسة والعناوين المسلحة التي تعمل خارج إطار دولها، ولكنها تشكل في العراق منعطفًا مهمًا في تحديد وصفها، هل هي عملية لنزع السلاح أم تنظيم عملية تسليمه، أم سعي لوضع يد الحكومة العراقية على جميع انواع السلاح ومنع الفصائل المسلحة من أي دور لها وتصنيفها ضمن إطار هيكلية الدولة العسكرية والأمنية؟
وهي حالة مزدوجة بين أهمية بقاء السلاح الذي ترى فيه الفصائل أنه يساهم في حماية أمن البلاد وبين من يعطي العراق الحق في سحب السلاح واعتماد الأسس القانونية والاطار السياسي في ممارسة الدولة لمهامها الاعتبارية والمدنية.
ضرورة العمل على استقلال القرار العراقي ومنع أي صورة من الهيمنة الإيرانية عبر أدواتها ووكلائها بعد الانسحاب الأمريكي، لأن طهران سترى فيها فرصة لإبقاء نفوذها واستمرار تدخلاتها في الشأن في المشهد السياسي العراقي، وقد تساهم في إضعاف قرار الحكومة العراقية بحصر السلاح والتأخر في عملية التنفيذ بوجود عدد من الفصائل المسلحة من لها ارتباطها العضوي بقيادات الحرس الثوري الإيراني.
قد نشهد مواجهات وصراعات على الأرض العراقية بين واشنطن وطهران حتى يوم 30 حزيران 2027، بتهديد أمريكي وتلويح بفرض العقوبات الاقتصادية، مقابل تزايد في النفوذ الإيراني عبر أذرعها من الفصائل المسلحة وعلاقتها مع بعض الأوساط السياسية العراقية، حيث التمدد المتزايد من قبل المؤسسات والدوائر الايرانية أمنيًا واقتصاديًا واجتماعيًا والذي سيكون أكثر حضورًا بعد الانسحاب الأمريكي .
قيام السلطات الإيرانية بتحويل العراق إلى سوق رائج لمنتجاتها عبر سياسة لزيادة صادراتها غير النفطية للدول المجاورة والحليفة لها ومنها العراق، وهناك شركات تجارية بتمويل واستثمار اقتصادي مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني ضمن مؤسسة خاتم الأنبياء والتي أصبح لها حضورها في الحياة الاقتصادية العراقية.
التوسع الإيراني لم يكن مجرد تدخل حكومي، بل هو نظام متكامل من التبعية الاقتصادية والسياسية، فالعراق يمثل أهم البلدان التي تتعامل معها إيران اقتصاديًا، فحجم التجارة بينهما بلغ (10) مليار دولار في سنة 2025، فيما شكل قطاع النفط أحد أبرز أوجه الاعتماد المتبادل، فالعراق يدفع نحو 6-7 مليار دولار سنويًا مقابل حصوله على الغاز الإيراني المستخدم في توليد الكهرباء، ويستوردما يصل إلى 50 مليون متر مكعب يوميًا من الغاز الإيراني بموجب تمديد عبد لخمس سنوات وقع في آذار 2024.
تعمل حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي على أبعاد العراق عن دائرة العقوبات الاقتصادية الأمريكية وعدم التعامل معها باعتبارها امتداد اقتصادي لإيران، لمنع عملية تزايد الضغوط الأمريكية على بغداد التي تعتمد أساليب وخطط لضبط حركة الأموال والتجارة عبر الحدود ومنع استخدام النظام المالي العراقي في الالتفاف على العقوبات المفروضة على طهران.
تتابع الولايات المتحدة الأمريكية عملية استيراد العراق للمنتوجات الإيرانية التي ارتفعت من 41 مليار دولار في 2020 إلى نحو 74.5 مليار دولار، كان حصة القطاع الخاص منها 63،3 مليار دولار في 2025، وفق بيانات البنك الدولي وتقديرات صندوق النقد الدولي، وهو ما يثير مخاوف الإدارة الأمريكية من استغلال النظام المالي العراقي للالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران، فقامت باجراءات تمثلت بتشديد الرقابة على التحويلات بالدولار خصوصًا توثيق استخدام شركات واجهة وفواتير استيراد مزورة في تحويل أموال من العراق إلى جهات مرتبطة بإيران، وبحسب بيانات البنك المركزي العراقي، بلغت مبيعات العملة الأجنبية نحو 35.27 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، بانخفاض قدره 34.5٪ مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، وسبب التراجع انتقال تمويل التجارة الخارجية إلى قنوات مصرفية أكثر خضوعًا للرقابة.
تواجه حكومة الزيدي تحديات كبيرة بعد الانسحاب الأمريكي، أهمها ما يرتبط بفعاليات الفصائل المسلحة العراقية المرتبطة بإيران في ظل استخدام الأراضي العراقية في الهجمات على بعض اقطار مجلس التعاون الخليجي العربي، بعد العملية التي استهدفت خط أنابيب النفط السعودي (شرق – غرب) بطائرات مسيرة انطلقت من الأراضي العراقية (محافظة ميسان)، فهي تواجه مشكلة قائمة في رفض بعض الفصائل المسلحة ( كتائب حزب الله وحركة النجباء وحركة سيد الشهداء وانصار الله الأوفياء) تسليم سلاحها، والقسم منها أعلن استعداده لمواجهة الحكومة، وهذا ما أدى إلى تحديد موعد جديد لاستكمال خطة حصر السلاح بيد الدولة في 30 حزيران 2027، بعدما كان الموعد المحدد في 30 أيلول 2026 وهو الموعد لإنهاء النشاط المسلح في العراق، وعملت الجهات الأمنية في الحرس الثوري الإيراني على تشكيل مجاميع عراقية بإعداد صغيرة للقيام بعمليات هجومية وأمنية واستخدامها في توجيه فعالياتها نحو اقطار الخليج العربي في محاولة منها لتجنب إحراج الحكومة العراقية والفصائل المسلحة المعروفة من أي مسألة أو توجيه اتهامات من قبل الولايات المتحدة الأمريكية واقطار الجوار العربي.
سيقى الاقتصاد العراقي أمام أنظار الولايات المتحدة الأمريكية ومتابعتها بعد انسحابها العسكري وخاصة فيما يتعلق بعمليات تصدير النفط العراقي وتدفق العملة الصعبة والتعاملات المالية، وفي حال أي محاولة للالتفاف على العقوبات، فإن وزارة الخزانة الأمريكية ستعمل على استهداف شخصيات ومؤسسات عراقية بتهمة تسهيل أنشطة الفصائل المسلحة أو التعامل معها عبر مساعدتها بتوفير العقود المالية لها واشراكها بمشاريع حكومية، وسبق للإدارة الأمريكية وان فرضت عقوبات على مسؤولين وشركات عراقية خلال 2026، واتهامها بتسهيل أنشطة مرتبطة بإيران والفصائل المتحالفة معها.
