الوساطة القطرية.. احتواء التصعيد واختبار التنازلات الإيرانية

الوساطة القطرية.. احتواء التصعيد واختبار التنازلات الإيرانية

اياد العناز 

تستمر مسارات التسوية السياسية للمواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية وفق أدوات ووسائل تمثل الحالة الميدانية التي يتمسك بها الوسطاء ويعملون من خلالها على تقديم مقترحات وأفكار وأراء يمكن من خلالها فتح نوافذ صادقة لحوارات سياسية وجلسات من المفاوضات الدبلوماسية، وهذا ما تضمنته الوساطة القطرية العربية الخليجية التي تمت عبر المقترحات التي قدمت للجانب الإيراني بوصول وفد يمثل الحكومة القطرية برئاسة المستشار الأول لرئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري إلى طهران يوم 30 أكتوبر 2026 في إطار وساطة دبلوماسية مكثفة لنزع فتيل الأزمة وإحياء المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران.
تسلّم الوفد القطري خلال الزيارة الرد الإيراني على رسالة نائب الرئيس الأميركي (جاي دي فانس) التي سبق وان ارسلها في 25 تشرن الأول 2026 إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني (محسن رضائي) والتي تناولت إطارًا محتملًا لمفاوضات قادمة بين الدولتين.
أدت الزيارة القطرية إلى أحداث اختراق نحو البناء لمفاوضات غير مباشرة بين واشنطن وطهران ، حيث رافق القطريين أثناء عودتهم للدوحة وفدًا إيرانيًا في مسعى إيراني لانجاح الخطوات السياسية القطرية، وهناك خطوات لوصول وفد أميركي بتوجيه من الرئيس دونالد ترامب لإجراء مفاوضات غير مباشرة مع الوفد الإيراني، مما يمكن أن يمهد للإعلان عن العودة إلى المسار التفاوضي بين الجانبين.
يأتي هذا التحرك السياسي والوساطة التي تلقى دعمًا ومساندة من الجانب الباكستاني وبمؤزارة واضحة من دول (اتفاقية مكة) وسط تقارير عن استعدادات عسكرية أمريكية وحوادث أمنية طالت ناقلات نفط ومسارات الملاحة في مضيق هرمز، حيث يتواصل التصعيد في مضيق هرمز، بعد أعلان الحرس الثوري يوم 30 تشرين الأول 2026 وقوع حوادث انفجار وحرائق أصابت 4 ناقلات نفط، فيما كشفت هيئة البث الإسرائيلية عن تحركات عسكرية أميركية شملت نقل 10 طائرات شحن إلى قواعد جوية إسرائيلية في النقب.
يرى الوسطاء ( قطر وباكستان) في لقاءاتهما المشتركة مع الامريكان، أن أي اتفاق يمكن أن يضع حداً للنفقات الكبيرة التي تتحملها وزارة الحرب الامريكية بمرافقتها لناقلات النفط عبر مضيق هرمز والخليج العربي، وبحسب تقرير لصحيفة (وول ستريت جورنال) يُنفق الجيش الأمريكي من 66 إلى 100 مليون دولار يوميًا لمواصلة عملياته داخل الشرق الأوسط، أي ما يقارب ملياري دولار الى 3 مليار دولار شهريًا.
الإيرانيون يقفون حائرين أمام كلمة يرددها دائمًا الرئيس الأمريكي (لن تمتلك طهران سلاحًا نوويًا)، فبعد التصريحات العسكرية الأمريكية بتدمير المنشآت النووية وإزالة القدرات وتوقف النشاطات المتعلقة بتخصيب اليورانيوم، فما الذي تبغيه وتصر عليه الإدارة الأمريكية، وفي الوقت نفسه ما المانع من تقديم إيران تعهدات جادة بعدم اقدامها على معاودة تطويرها لبرنامجها النووي؟
وهذه هي المعادلة المفقودة في أطار تحركات سياسية وزيارات متواصلة لدول عربية وإقليمية وتنقلها بين واشنطن وطهران للوصول لمبادئ وأسس أولية تنطلق منها للوصول لاتفاق شامل بوقف التصعيد وينهي حالة الخلاف بين الدولتين.
شهدت الأيام الأخيرة تطورًا واضحاً في الرؤية السياسية الأمريكية بمواجهة إيران، في الانتقال لمحاورة الشخصيات الإيرانية الأمنية العسكرية، ويمكن الاستدلال على هذا الاستنتاج عبر الرسالة التي وصلت إلى محسن رضائي امين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني من قبل نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، بعد الوصول لقناعة أمريكية أن التعهدات الإيرانية أن وجدت فإنها تتوقف على قبول المؤسسة العسكرية في النظام الإيراني بعيدًا عن أراء المنظومة السياسية.
وتعود الأحداث بالذاكرة السياسية للاسلوب الذي اتبعه الرئيس ترامب عندما وجه رسالة مباشرة للمرشد السابق علي خامنئي في آذار 2025 داعيًا فيها لإجراء مفاوضات ثنائية والتوصل لاتفاق خاص بالبرنامج النووي الإيراني، وكذلك فعلت الإدارة الأميركية مع رئيس البرلمان الإيراني ( محمد باقر قاليباف) عندما اعتبرته الحلقة الرئيسية القريبة من المرشد الأعلى مجتبى خامنئي والذي يتمتع بعلاقات واسعة وتأثير مباشر داخل مؤسسة الحرس الثوري الإيراني وقدرته على القيام بمهام محددة يمكن الحصول خلالها على موافقة (مجتبى خامنئي) لمواصلة الحوار والتفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية، والذي وصل لحالة من التفاهم بينهما بوساطة باكستانية أدت إلى توقيع الرئيسين ترامب وبزشيكان ( مذكرة التفاهم المشتركة) التي لم يكتب لها النجاح بسبب قيام الحرس الثوري بإطلاق النار على ناقلتي نفط قطريتين جنوب مضيق هرمز، بعد شهر من التوقيع على الاتفاقية مما أعاد المواجهة العسكرية لبدايتها.
رغم الوساطات العربية والإقليمية إلا أن التهديدات الأمريكية لا زالت مستمرة وتتجه نحو قصف منشأة (كوه كلنغ) النووية قرب منطقة نطنز، وهي التي تم استحداثها مؤخرًا في ضوء الفعاليات الإيرانية لاستغلال عملية توقف التصعيد العسكري في معاودة توجهاتها ونشاطاتها النووية.
أمام هذه التحولات الميدانية والأهداف الإيرانية سعت واشنطن للبحث عن شخصية إيرانية ذات حضور وتأثير في أروقة الحكم الإيراني يمكنها إتمام وتوقيع أي اتفاق يمكن التوصل إليه أو التفاهم عليه، وتوصلت إلى إمكانية الحوار غير المباشر عبر الوسيط القطري العربي الخليجي والإقليمي الباكستاني والدولي الروسي مع (محسن رضائي)، بعد تزايد تصريحات المسؤولين الإيرانيين عن خطط عسكرية معدة للرد على أي هجوم يستهدف إيران بضرب البنى التحتية للدول التي تستضيف قواعد أمريكية على أراضيها.
تتجه الحسابات الأمريكية إلى استخدام الدبلوماسية السياسية مع إيران لتحقيق اهدافًا محددة منها التوصل إلى اتفاق يمكن أن يحقق شروطها أو يزيد من الضغوط على طهران قبل التوجه للمسار العسكري، وأن المسار الدبلوماسي يشكل لها فرصة للقول أنها اتاحت لإيران مخرجًا سياسيًا، وترى أن فشل أي محاولة للتفاوض يمكن أن يهئ الأدوات السياسية لتبرير الضربة القادمة وتخفيف الآراء التي تتحدث عن الغايات الأمريكية في استهداف إيران.
تطرح إيران أهداف وغايات معلنة أمام أي وساطة سياسية تتعلق بفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية، مقابل قيام الولايات المتحدة الأمريكية برفع الحصار البحري على الموانئ والصادرات النفطية والتبادلات التجارية الإيرانية، والتي تعلن واشنطن الالتزام بها على أن تقوم السلطات الإيرانية بالموافقة على مناقشة ملف البرنامج النووي واستئناف مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لعملياتهم الدورية في زيارة المواقع والمنشآت النووية والتأكد من كميات تخصيب اليورانيوم المخصب التي تحتفظ بها إيران، في مسعى لتوفير صيغ أفضل يمكن أن تحظى بقبول جميع الأطراف.
أن قبول إيران بالوساطة القطرية القائمة على عودة المفتشين الدوليين ومناقشة النشاطات النووية، لا يعني بالضرورة قبولها برقابة شاملة على جميع منشآتها أو التخلي عن أوراقها النووية.
وهنا تبرز عدة أسئلة محورية تتعلق بالتحرك القطري وابعاد الموافقة الإيرانية والقبول الأمريكي، هل ترفع واشنطن الحصار البحري وتطلق الأموال المجمدة وتسمح لإيران بيع نفطها؟ ومتى ستقوم إيران بفتح مضيق هرمز ورفع القيود عنه لمعاودة الملاحة البحرية وإطلاق الأمان لخطوط وامدادات الطاقة الدولية والتجارة العالمية؟
تدرك الولايات المتحدة الأمريكية في ضوء تعاملها الدائم مع إيران، إن القرارات الاستراتيجية ترتبط بشبكة من المؤسسات ومراكز النفوذ وتأثير المسؤولين فيها ومدى توافق ارائهم مع الحسابات الميدانية للقيادات الأمنية والعسكرية، فالتشدد الأيديولوجي والاستعداد للتفاوض ليسا نقيضين في العقيدة السياسية الإيرانية، ومرت عدة تجارب سياسية أكدت هذه البصمة السياسية في التعامل مع القضايا التي تخص بقاء النظام وادامة وجوده وبقاء تأثيره الداخلي والإقليمي، لأن أي تقدير تراه منظومة الحكم الإيراني يمكن الحصول عليه من التفاوض وما يمكن أن تخسره إذا اقدمت على تنازلات من دون مقابل أو ضمانات موثوقة، هي الأسس والركائز المعتمدة في أي توجه يحافظ على التمسك بسياسة البقاء والحفاظ على النظام القائم.
فليس كل نشاط دبلوماسي مؤشر إلى قرب التسوية، وتبادل الرسائل لا يعني بالضرورة تراجع احتمالات الحرب، وقد تكون هذه التحركات محاولة أخيرة لاختبار فرص التفاهم، لكنها قد تؤدي أيضاً وظيفة أخرى في حسابات واشنطن، وهي إظهار أن الإدارة الأميركية استنفدت المسار الدبلوماسي، وأن أي رفض إيراني لاحق يمكن تقديمه مبررًا للعودة لاستخدام القوة.

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية