الصراع الأمريكي الإيراني: هل المعركة الحقيقية على النفوذ في أسواق الطاقة العالمية؟

الصراع الأمريكي الإيراني: هل المعركة الحقيقية على النفوذ في أسواق الطاقة العالمية؟

الباحثة شذا خليل*

تثير المفاوضات المتجددة بين الولايات المتحدة وإيران تساؤلاً اقتصادياً جوهرياً: إذا كانت المواجهة العسكرية الجديدة تهدد أسواق الطاقة العالمية، فلماذا يبدي الطرفان استعداداً للمخاطرة بمزيد من التصعيد؟ يركز التفسير التقليدي لهذا الصراع على البرنامج النووي الإيراني والأمن الإقليمي والنفوذ السياسي، غير أن القراءة الاقتصادية تكشف عن صراع أوسع يتعلق بالسيطرة على طرق نقل الطاقة واستقرار الأسواق وامتلاك أدوات الضغط الاستراتيجي. ويحتل مضيق هرمز موقعاً محورياً في هذه المواجهة، باعتباره ممراً استراتيجياً يربط منتجي النفط والغاز في الخليج بالأسواق الدولية. ولا تقتصر آثار تعطيل الملاحة فيه على إمدادات الطاقة، بل تمتد إلى تكاليف الشحن والتأمين وتوقعات التضخم والقرارات الاستثمارية. ومن هذا المنطلق، فإن الصراع لا يتعلق بأسعار النفط وحدها، بل بالقدرة على التأثير في حركة الطاقة العالمية وتحديد الكلفة الاقتصادية لتعطيلها. وتكشف المفاوضات الأخيرة، بوساطة قطر وباكستان، عن الترابط الوثيق بين التنازلات الدبلوماسية والمصالح الاقتصادية. فالمطالب الإيرانية المعلنة، التي تشمل تخفيف العقوبات واستعادة الإعفاءات النفطية والاعتراف بترتيبات الملاحة، تشير إلى أن طهران تنظر إلى الانفتاح الاقتصادي وتعزيز نفوذها الإقليمي باعتبارهما عنصرين أساسيين في أي اتفاق محتمل. وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تستطيع المفاوضات إنتاج تسوية مستدامة بينما يستمر التنافس على التحكم بالممرات الاقتصادية الاستراتيجية؟

يمكن فهم الاستراتيجية الاقتصادية الإيرانية بوصفها محاولة لتحويل الموقع الجغرافي إلى ورقة ضغط تفاوضية. فعلى الرغم من معاناة الاقتصاد الإيراني من العقوبات والقيود المفروضة على المعاملات المالية والصادرات النفطية، فإن موقع إيران بالقرب من مضيق هرمز يمنحها ميزة استراتيجية مهمة. فمجرد التهديد بتعطيل الملاحة قد يؤثر في الأسواق العالمية حتى دون إغلاق طويل الأمد، لأن أسعار الطاقة تتفاعل مع حالة عدم اليقين بشأن الإمدادات المستقبلية. وهنا تتجلى مفارقة اقتصادية لافتة: دولة تواجه ضغوطاً مالية كبيرة تستطيع، في الوقت نفسه، فرض تكاليف اقتصادية على اقتصادات تفوقها حجماً وقوة. غير أن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر كبيرة على إيران نفسها، إذ قد يؤدي استمرار الاضطرابات إلى تراجع التجارة الإقليمية وتضرر البنية التحتية وهروب الاستثمارات وتعميق الأزمات الاقتصادية الداخلية. أما الولايات المتحدة، فتواجه حسابات لا تقل تعقيداً؛ فالضغط العسكري قد يعزز موقفها التفاوضي، لكنه قد يتسبب أيضاً في صدمة جديدة لأسواق الطاقة، وارتفاع أسعار الوقود، وزيادة الضغوط التضخمية، وتراجع ثقة المستهلكين. وهذا يفتح المجال أمام فرضية مهمة، مفادها أن الطرفين يستخدمان احتمال إلحاق الضرر الاقتصادي باعتباره أداة تفاوضية، مع محاولة تجنب تحمل كامل تبعاته. ومن وجهة نظري، فإن استمرار المفاوضات لا يعني بالضرورة تخلي أي من الطرفين عن خيار المواجهة، بل قد يعكس إدراكاً متبادلاً بأن الضغط الاقتصادي قادر على تحقيق بعض الأهداف السياسية بكلفة فورية أقل من الدخول في حرب عسكرية واسعة.

لا تقتصر التداعيات الاقتصادية لهذه المواجهة على واشنطن وطهران، بل تمتد بصورة مباشرة إلى الاقتصادات المعتمدة على النفط، وفي مقدمتها العراق. وغالباً ما يُنظر إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية باعتباره فرصة اقتصادية للدول المصدرة، نظراً لما قد يوفره من إيرادات حكومية إضافية. غير أن هذا التصور يتجاهل الفرق بين ارتفاع الأسعار والقدرة الفعلية على تصدير النفط بصورة آمنة ومستقرة. فالمالية العامة العراقية تعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، في حين يعتمد الاقتصاد العراقي أيضاً على استيراد السلع الاستهلاكية والمواد الصناعية والمعدات الأساسية. ولذلك، فإن أي صراع إقليمي يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط قد يتسبب، في الوقت نفسه، في زيادة تكاليف النقل وتعطيل سلاسل التوريد وتهديد البنية التحتية للصادرات. وإذا انخفضت كميات النفط المصدرة بصورة كبيرة، فقد تتجاوز الخسائر المالية المكاسب الناتجة عن ارتفاع الأسعار. كما أن زيادة تكاليف الاستيراد قد تفرض ضغوطاً إضافية على الأسعار المحلية والقدرة الشرائية للأسر. وتكشف هذه المعادلة عن ضعف هيكلي أعمق، يتمثل في أن الاعتماد على النفط يجعل الاقتصاد عرضة ليس فقط لتقلبات الأسعار العالمية، بل أيضاً للاضطرابات الجيوسياسية الخارجة عن سيطرته. ومن ثم، ينبغي للعراق ت

Header 1 Header 2
Division 1 Division 2
قييم التطورات الإقليمية من خلال العلاقة المتكاملة بين أسعار النفط والطاقة التصديرية وأمن الملاحة والإنفاق العام. فالدرس الاقتصادي الأهم هو أن ارتفاع أسعار النفط لا يعني بالضرورة امتلاك اقتصاد قوي، إذ قد تخفي المكاسب المالية المؤقتة اختلالات طويلة الأمد في ظل غياب التنويع الإنتاجي والبنية التحتية الموثوقة والتخطيط المالي الفعال.

أتوقع أن تدفع التكاليف الاقتصادية لأي تصعيد عسكري جديد الطرفين نحو مواصلة التفاوض، دون أن يعني ذلك بالضرورة التوصل إلى تسوية سياسية شاملة. فقد يكون الاتفاق المحدود، الذي يركز على إعادة فتح مضيق هرمز وتخفيف بعض العقوبات وخفض التوترات العسكرية المباشرة، أكثر قابلية للتحقق من اتفاق يعالج جميع الخلافات المتعلقة بالبرنامج النووي والأمن الإقليمي. ويمكن لمثل هذا الاتفاق أن يمنح أسواق الطاقة الدولية انفراجاً مؤقتاً، مع بقاء التنافس الاستراتيجي الأساسي دون حل. ومع ذلك، يبقى احتمال آخر قائماً، وهو أن يؤدي اعتقاد أحد الطرفين بإمكانية انتزاع تنازلات أكبر من خلال زيادة الضغط إلى انهيار المفاوضات واندلاع موجة جديدة من الاضطرابات. وأرجح أن تستمر حالة عدم اليقين في الأسواق حتى لو أُعلن عن اتفاق أولي، لأن المستثمرين لن يكتفوا بالتصريحات الدبلوماسية، بل سيراقبون مدى استقرار الملاحة وتنفيذ الالتزامات على أرض الواقع. وعلى المدى الطويل، قد تدفع الاضطرابات المتكررة الدول المستوردة للطاقة إلى تنويع مصادر الإمداد وتعزيز احتياطياتها الاستراتيجية وتقليل اعتمادها على الممرات البحرية المعرضة للمخاطر. ومن شأن هذه التحولات أن تعيد تدريجياً تشكيل القيمة الاقتصادية لأوراق الضغط المرتبطة بمضيق هرمز. وفي تقديري، فإن القضية الحاسمة لا تتمثل في تحديد الطرف الأكثر قدرة على إلحاق الدمار العسكري، بل في معرفة الطرف الأكثر قدرة على تحمل الضغوط الاقتصادية دون الإضرار بمصالحه الأساسية. فالصراع يكشف أن أمن الطاقة أصبح أداة من أدوات النفوذ الجيوسياسي، لكنه يكشف أيضاً حدود استخدام عدم الاستقرار الاقتصادي وسيلةً للتفاوض. وعليه، فإن الاستقرار المستدام لن يتحقق بمجرد التهديد بالسيطرة على تدفقات الطاقة، بل من خلال بناء اتفاقات قابلة للتنفيذ تضمن استمرارها، لأن القوة الاقتصادية الحقيقية لا تكمن في القدرة على تعطيل الأسواق، وإنما في القدرة على ضمان استقرارها.

وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية