الباحثة شذا خليل*
أدخلت الضربات الأمريكية الأخيرة على جزيرة قشم الإيرانية المواجهة بين واشنطن وطهران مرحلة جديدة من التصعيد، لتطرح تساؤلاً اقتصادياً يتجاوز حدود العمليات العسكرية: إلى متى يستطيع الاقتصاد العالمي تحمّل استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز؟ فعلى الرغم من وصف المسؤولين الأمريكيين العملية بأنها محدودة ودفاعية، فإن تداعياتها الاقتصادية المحتملة تمتد إلى ما هو أبعد من الجزيرة المستهدفة، نظراً إلى الأهمية الاستراتيجية للمضيق بوصفه أحد أبرز شرايين الطاقة والتجارة الدولية. فقبل اندلاع الصراع، كان نحو 20 مليون برميل من النفط ومشتقاته يعبر المضيق يومياً، بما يعادل قرابة خُمس الاستهلاك النفطي العالمي، الأمر الذي يجعل أي اضطراب في الملاحة مصدراً مباشراً للقلق في الأسواق الدولية. وتزداد خطورة المشهد في ظل محدودية قدرة خطوط الأنابيب والمسارات البديلة على تعويض الكميات التي تمر عبر هذا الممر الحيوي. ومن هنا، فإن التهديد الاقتصادي الحقيقي لا يكمن بالضرورة في استهداف المنشآت النفطية أو تعطيل الإنتاج بصورة مباشرة، بل في تحوّل عدم اليقين الجيوسياسي إلى تكلفة اقتصادية مستمرة، تتجسد في ارتفاع أقساط التأمين البحري، وتأخر حركة الناقلات، واضطراب العقود التجارية، وزيادة تكاليف الطاقة والنقل. وإذا بدأت شركات الشحن الدولية تتعامل مع مضيق هرمز باعتباره ممراً تجارياً غير مستقر، فإن التداعيات المالية قد تمتد إلى مختلف اقتصادات العالم حتى دون اندلاع مواجهة عسكرية شاملة. وبذلك، قد تتحول الضربات المحدودة إلى نقطة انطلاق لإعادة تسعير المخاطر في الأسواق العالمية، لتصبح مدة استمرار التوتر أكثر تأثيراً من حجم العمليات العسكرية ذاتها.
ومن المرجح أن تظهر التداعيات الاقتصادية المباشرة للأزمة في أسواق الطاقة والنقل الدولي ومعدلات التضخم، إذ لا تتحرك أسعار النفط استجابة للنقص الفعلي في الإمدادات فحسب، بل تتأثر أيضاً بتوقعات المستثمرين بشأن احتمالات تعطل الإمدادات مستقبلاً. وإذا استمر اضطراب الملاحة، فقد تشهد أسعار الخام ارتفاعات حادة، خصوصاً إذا تراجعت ثقة الأسواق في قدرة المفاوضات الدبلوماسية على إعادة فتح المضيق بصورة آمنة ومستقرة. وفي سيناريو التصعيد الشديد، قد يصبح تجاوز أسعار النفط مستوى 120 دولاراً للبرميل احتمالاً وارداً، وإن كان ذلك تقديراً مشروطاً وليس توقعاً مؤكداً. ولن تقتصر آثار ارتفاع أسعار الطاقة على البنزين والديزل، بل ستنتقل إلى قطاعات توليد الكهرباء والصناعات البتروكيميائية والطيران والتصنيع والإنتاج الزراعي، قبل أن تنعكس على المستهلكين من خلال ارتفاع أسعار الغذاء والسلع المستوردة وزيادة تكاليف الإنتاج الصناعي. وهنا يبرز خطر عودة الركود التضخمي، الذي يجمع بين تباطؤ النمو الاقتصادي واستمرار ارتفاع الأسعار، وهو من أكثر السيناريوهات تعقيداً بالنسبة إلى البنوك المركزية. فالإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة قد يؤدي إلى إضعاف النشاط الاقتصادي، بينما قد يؤدي خفضها بصورة متسرعة إلى تجدد الضغوط التضخمية. وستكون الاقتصادات الآسيوية، وفي مقدمتها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، من أكثر الاقتصادات تعرضاً لهذه المخاطر بسبب اعتمادها الكبير على إمدادات الطاقة الخليجية، في حين قد تواجه الاقتصادات الأوروبية ارتفاعاً في أسعار الغاز الطبيعي المسال واضطرابات إضافية في سلاسل التوريد. وحتى الولايات المتحدة، رغم إنتاجها المحلي الكبير من النفط والغاز، لن تكون بمنأى عن هذه التداعيات، لأن أسعار الطاقة تتحدد ضمن أسواق عالمية مترابطة. وعليه، فإن استمرار أزمة هرمز قد يقوّض الجهود الدولية الرامية إلى احتواء التضخم، ويزيد تعقيد قرارات السياسة النقدية، ويضع الاقتصاد العالمي أمام موجة جديدة من الضغوط المالية والإنتاجية.
أما على مستوى الشرق الأوسط، فقد تكون النتائج الاقتصادية أكثر تعقيداً وتفاوتاً بين الدول. فالدول الخليجية المصدرة للنفط قد تستفيد نظرياً من ارتفاع الأسعار العالمية، غير أن هذه المكاسب ستتراجع إذا أدت القيود على حركة الملاحة إلى انخفاض كميات الصادرات. ويبرز العراق بوصفه أحد الاقتصادات الأكثر تعرضاً لهذه المخاطر، نظراً إلى اعتماده الكبير على الإيرادات النفطية في تمويل الموازنة العامة ورواتب القطاع العام والاستثمارات الحكومية. فارتفاع سعر البرميل لن يكون كافياً لتعويض الخسائر إذا تعذّر تصدير كميات مناسبة من النفط إلى الأسواق الدولية. أما السعودية والإمارات، فرغم امتلاكهما بنية تحتية بديلة لنقل جزء من صادراتهما النفطية، فإن هذه المسارات لا تستطيع تعويض كامل الطاقة التصديرية المعتادة عبر الخليج. وتواجه قطر تحدياً مختلفاً يتمثل في اعتماد صادراتها من الغاز الطبيعي المسال بدرجة كبيرة على سلامة الملاحة في مضيق هرمز، ما يجعل استقرار الممر البحري عاملاً أساسياً في الوفاء بالتزاماتها التجارية الدولية. وفي المقابل، تواجه إيران مفارقة اقتصادية شديدة الحساسية؛ إذ إن استخدام المضيق أداةً للضغط السياسي والعسكري قد يمنحها أوراقاً تفاوضية إضافية، لكنه قد يضعف في الوقت نفسه إيراداتها التصديرية، ويحدّ من فرص الاستثمار، ويزيد الضغوط على اقتصادها المحلي. وعلى المدى الأبعد، قد تدفع هذه الأزمة شركات الشحن والطاقة والحكومات إلى إعادة النظر في استراتيجياتها التجارية، من خلال تنويع مصادر الاستيراد، وتوسيع الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية، والاستثمار في خطوط أنابيب وممرات بديلة، وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية عالية المخاطر. وقد يقود ذلك إلى تحوّل هيكلي في الاقتصاد الدولي، تصبح فيه اعتبارات أمن الإمدادات أكثر أهمية من الكفاءة الاقتصادية وخفض التكاليف، وهو ما قد يرفع تكلفة العولمة والتجارة الدولية لسنوات مقبلة.
وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الأزمة وانعكاساتها الاقتصادية. يتمثل السيناريو الأول في نجاح الوساطة القطرية والباكستانية في التوصل إلى تفاهم سياسي يفضي إلى خفض التصعيد وإعادة فتح مضيق هرمز بصورة تدريجية، وهو السيناريو الأكثر إيجابية للاقتصاد العالمي، لأنه قد يسمح بانخفاض علاوات المخاطر على النفط وتراجع تكاليف التأمين والشحن واستعادة جزء من الثقة في الأسواق، وإن كان التعافي الكامل سيحتاج إلى وقت أطول من مجرد استئناف الملاحة. أما السيناريو الثاني، الذي يستحق اهتماماً خاصاً من صناع السياسات الاقتصادية، فيتمثل في استمرار مواجهة محدودة وطويلة الأمد، تتخللها ضربات متقطعة وقيود جزئية على الملاحة وجولات تفاوض لا تفضي إلى تسوية شاملة. وفي هذه الحالة، قد يواجه الاقتصاد العالمي تقلبات مستمرة في أسعار الطاقة، وتراجعاً في الاستثمارات، وضغوطاً على عملات الأسواق الناشئة، وموجات متكررة من التضخم، بما يضعف آفاق النمو الاقتصادي. أما السيناريو الثالث، والأكثر خطورة، فيتمثل في توسع العمليات العسكرية لتشمل منشآت الطاقة الكبرى أو حركة الشحن التجاري على نطاق واسع، وهو تطور قد يؤدي إلى صدمة حادة في الإمدادات العالمية، ويرفع احتمالات الركود الاقتصادي، ويزيد الضغوط على الأسواق المالية. غير أن الاستنتاج الاقتصادي الأهم هو أن مدة استمرار انعدام الأمن في مضيق هرمز قد تكون أكثر تأثيراً في الاقتصاد العالمي من شدة الضربات العسكرية المنفردة. فالحكومات تستطيع التعامل مع اضطراب مؤقت عبر الاحتياطيات الاستراتيجية والإجراءات اللوجستية الطارئة، لكنها تواجه صعوبة أكبر عندما تتحول المخاطر إلى حالة مستمرة تؤثر في قرارات الاستثمار والتجارة وتوقعات التضخم. ولهذا، فإن واشنطن وطهران تواجهان حقيقة اقتصادية لا تستطيع الحسابات العسكرية وحدها تجاوزها، وهي أن السيطرة على ممر بحري استراتيجي لا تعني القدرة على التحكم في النتائج المالية المترتبة على زعزعة استقراره. وإذا لم تنجح المفاوضات في توفير إطار موثوق ودائم لضمان حرية الملاحة، فإن مضيق هرمز قد يتحول من بؤرة صراع إقليمي إلى واحدة من أخطر نقاط الضعف الهيكلية في النظام الاقتصادي العالمي.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
