الباحثة شذا خليل*
لم يعد السؤال الذي يشغل البنوك المركزية اليوم هو: كم نملك من الذهب؟ بل أصبح هناك سؤال أكثر حساسية: أين يوجد هذا الذهب، ومن يستطيع الوصول إليه عندما تقع الأزمة؟ هذه المسألة تبدو للوهلة الأولى فنية تتعلق بإدارة الاحتياطيات، لكنها في الحقيقة تكشف تحولاً أعمق في مفهوم الأمن الاقتصادي. ففي عالم تتسع فيه الحروب والعقوبات والنزاعات التجارية والمخاطر الجيوسياسية، لم تعد ملكية الأصول وحدها كافية؛ القدرة على الوصول إليها والتصرف بها في الوقت المناسب أصبحت جزءاً من قيمتها الاستراتيجية.
التحرك الهولندي الأخير يقدم مثالاً واضحاً. فقد أعلن البنك المركزي الهولندي نقل 86 طناً من الذهب من احتياطيات كانت محفوظة في الولايات المتحدة وكندا، في إطار إعادة توزيع تهدف، بحسب البنك، إلى جعل البلاد أكثر استعداداً للأزمات الشديدة. وجاءت الخطوة بعد تحركات أوروبية أخرى؛ ففرنسا أعلنت هذا العام إعادة احتياطيات ذهب من الولايات المتحدة، بينما سبق لألمانيا أن نقلت أكثر من 216 طناً من مواقع تخزين خارجية، منها 111 طناً من نيويورك و105 أطنان من باريس.
لكن قراءة هذه التحركات على أنها هروب أوروبي من الولايات المتحدة ستكون قراءة متسرعة. ما يحدث أكثر تعقيداً. فالدول لا تتخلى عن المراكز المالية الدولية، بل تعيد توزيع المخاطر. والدليل أن جزءاً من الذهب الهولندي لم يعد إلى هولندا أصلاً، وإنما انتقل إلى لندن، التي لا تزال أحد أهم مراكز تجارة الذهب في العالم. وهنا تظهر المعادلة الجديدة: الدولة تريد جزءاً من احتياطياتها تحت سيطرتها المباشرة، لكنها تريد أيضاً جزءاً منها في سوق دولية عميقة تستطيع من خلالها البيع أو الشراء بسرعة.
وهذا يقود إلى القضية الأساسية: الاحتياطي لم يعد يقاس بحجمه فقط، بل بدرجة السيطرة عليه وسيولته وموقعه الجغرافي.
خلال العقود الماضية، كان الاحتفاظ بالذهب في نيويورك أو لندن أمراً طبيعياً. فالنظام المالي العالمي كان أكثر استقراراً، وكانت المراكز المالية الكبرى توفر الأمن والسيولة وسهولة التداول. لكن البيئة الدولية تغيرت. الحروب والعقوبات وتجميد الأصول والنزاعات التجارية أعادت إلى الحكومات سؤالاً كان يبدو أقل أهمية في زمن الاستقرار: ماذا يحدث إذا امتلكت الدولة أصلاً استراتيجياً، لكنها لم تستطع الوصول إليه بالسرعة المطلوبة أثناء الأزمة؟
من هنا يمكن فهم ما يحدث باعتباره انتقالاً من مفهوم الملكية المالية إلى مفهوم أوسع هو السيادة على الاحتياطي. فالذهب الموجود في خزينة أجنبية يبقى ملكاً للدولة، لكن الأزمات الكبرى تجعل الحكومات تفكر في المخاطر التشغيلية والسياسية واللوجستية المحيطة باستخدام ذلك الأصل. لذلك فإن توزيع الاحتياطيات بين الداخل وعدة مراكز مالية دولية يصبح نوعاً من التأمين ضد السيناريوهات غير المتوقعة.
الأمر الأكثر أهمية أن هذه التحركات تأتي في وقت أصبحت فيه البنوك المركزية نفسها أكثر اهتماماً بالذهب. ووفق البيانات الواردة في التقرير، اشترت البنوك المركزية خلال السنوات الأربع الماضية ما متوسطه نحو ألف طن من الذهب سنوياً. وهذا الرقم يعكس تغيراً في وظيفة الذهب داخل الاحتياطيات. فالذهب لا يدفع فائدة مثل السندات، لكنه يتمتع بميزة مختلفة: فهو أصل مادي لا يمثل في ذاته التزاماً مالياً على حكومة أخرى.
ولهذا قد نشهد خلال السنوات المقبلة استمرار اتجاهين متوازيين: زيادة الاهتمام بالذهب، وزيادة تنويع الأماكن التي يُخزن فيها. وليس ضرورياً أن تعيد الدول كل ذهبها إلى أراضيها. التخزين المحلي مكلف، ويحتاج إلى خزائن عالية الحماية وأنظمة تدقيق وتأمين وبنية أمنية متخصصة. لذلك من المرجح أن تتجه البنوك المركزية إلى نموذج موزع: جزء في الداخل، وجزء في لندن أو غيرها من المراكز المالية الكبرى، وربما أجزاء في أكثر من دولة.
أما التأثير الأوسع، فيتعلق بمستقبل النظام المالي العالمي. نقل عشرات الأطنان من الذهب لا يعني نهاية هيمنة الدولار، ولا يعني أن أوروبا فقدت الثقة بالنظام المالي الأمريكي. لكن إذا ترافق هذا الاتجاه مع استمرار البنوك المركزية في شراء الذهب وتنويع العملات والأصول ومواقع الاحتفاظ بالاحتياطيات، فإننا قد نكون أمام تحول تدريجي من نموذج شديد التركّز إلى نظام أكثر تنوعاً وتوزيعاً للمخاطر.
وهذا التحول لن يحدث بين ليلة وضحاها. فمكانة الدولار والأسواق المالية الأمريكية تقوم على حجم اقتصادي ومالي ضخم وسيولة ومؤسسات متراكمة على مدى عقود. لذلك من الخطأ تفسير كل شحنة ذهب تتحرك من نيويورك على أنها ضربة مباشرة للدولار. الإشارة الأهم ليست في حركة الذهب نفسها، وإنما في طريقة تفكير البنوك المركزية: لم تعد الكفاءة والعائد والسيولة الاعتبارات الوحيدة؛ الأمن الجيوسياسي أصبح يدخل بصورة أكبر في حسابات إدارة الاحتياطيات.
وهنا تظهر مفارقة مهمة. ففي الماضي كانت الدول تنقل الذهب إلى الخارج بحثاً عن الأمان. خلال الحرب الباردة، على سبيل المثال، احتفظت بعض البنوك المركزية الأوروبية بجزء من ذهبها في نيويورك بعيداً عن المخاطر الجغرافية في أوروبا. اليوم، وفي بيئة مختلفة، أصبحت بعض الدول تعيد توزيع الذهب مرة أخرى بسبب مخاطر من نوع آخر. وهذا يعني أن مفهوم “المكان الآمن” ليس ثابتاً؛ فهو يتغير مع تغير طبيعة المخاطر الدولية.
كما أن استمرار الطلب الرسمي على الذهب يمكن أن يظل عاملاً داعماً للسوق، لكنه ليس العامل الوحيد الذي يحدد الأسعار. فأسعار الذهب تتأثر أيضاً بالفائدة والتضخم والدولار وتوقعات النمو وحجم المخاطر الجيوسياسية. لذلك لا يمكن الاستنتاج أن إعادة الاحتياطيات إلى أوروبا ستؤدي وحدها إلى ارتفاع الذهب. لكن عندما تجتمع مشتريات البنوك المركزية مع المخاوف السياسية والاقتصادية، يصبح الذهب أكثر أهمية كأداة للتحوط وإدارة المخاطر.
المسألة إذن أكبر من هولندا أو فرنسا أو ألمانيا. نحن أمام إعادة تعريف هادئة لمفهوم الاحتياطي الوطني. فالدولة التي تستعد لأزمة مستقبلية لا تسأل فقط عن قيمة أصولها على الورق، وإنما عن قدرتها الفعلية على استخدامها عندما تضطرب الأسواق أو طرق التجارة أو العلاقات السياسية.
ولهذا فإن الدرس الأهم من انتقال الذهب الأوروبي ليس أن أزمة كبرى ستقع غداً، بل أن الدول أصبحت تتصرف على أساس أن الاستعداد للأزمة يجب أن يسبق الأزمة نفسها.
في النظام الاقتصادي الذي يتشكل اليوم، قد لا يكون امتلاك الذهب كافياً. القوة الحقيقية للاحتياطي ستعتمد بصورة متزايدة على ثلاثة عناصر مترابطة: الملكية، والسيطرة، والقدرة على الوصول. وعندما تبدأ البنوك المركزية في إعادة التفكير في هذه العناصر، فإن حركة الذهب بين الخزائن لا تعود مجرد عملية لوجستية، بل تصبح مؤشراً على تحول أعمق: الأمن المالي لم يعد منفصلاً عن الأمن الجيوسياسي، ومكان الثروة أصبح جزءاً من قوة الدولة بقدر قيمة الثروة نفسها.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
