إعادة تشكيل الردع الإيراني في مواجهة الحشد الأمريكي

إعادة تشكيل الردع الإيراني في مواجهة الحشد الأمريكي

اياد العناز 

أخذت التصريحات الرسمية واللقاءات الإعلامية تصاعدًا ميدانيًا واضحًا بين واشنطن وطهران وتل أبيب، واتسمت بجولة جديدة من حرب التهديدات المتبادلة وتصاعد حدة اللهجة العسكرية الإيرانية وتزايد التحذيرات في موضوع استمرار غلق مضيق هرمز والتعامل معه كورقة جغرافية سياسية للتأثير على مسارات التجارة العالمية والطاقة الدولية، وارتفاع وتيرة الحوادث التي تستهدف الملاحة البحرية في موازاة الاستعدادات الأمريكية وعودة الحديث في واشنطن عن إمكانية توجيه ضربات جديدة قبل الانتخابات النصفية بداية شهر تشرين الثاني 2026.
إيران تدرك الأهداف الأمريكية والإسرائيلية في إمكانية العودة لخوض مواجهة عسكرية أكثر شدة، أما بضربات قوية حاسمة أو بمراجعة محدودة عالية التكليف وتحقيق انجاز عسكري أمني سريع، بعد عملية نقل كميات من القنابل والمعدات والأسلحة الفاعلة إلى منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي مع تحريك وتموضع للقوات الأمريكية بشكل متواصل ودقيق.
تزداد أهمية الخطاب الإيراني مع حديث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التي تؤكد أن إيران لا زالت تلتزم بثوابتها في المواجهة والتصدي والدفاع الاستراتيجي، مع التزامات من قبل قادة امنيين وعسكرين بالاستعداد التام والتحضير لأي متغيرات وتوجهات سياسية وأمنية تجاه ايران.
يعني التوجه والاستعداد الإيراني، إن الاحتمالات قائمة في إمكانية خوض مواجهة عسكرية أكثر شراسة وتاثيرًا في المنطقة وأن استئناف الضربات ليست احتمالًا نظريًا، بل تأكيد واصرار ميداني على اعتماد أسس ومرتكزات جديدة لمواجهة قادمة، لهذا تستمر التصريحات المعنية بحالة الردع العسكري والتصدي لأي محاولات تستهدف العمق الإيراني.
قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتعزيز تواجدها العسكري في المنطقة، بارسال (9) آلاف جندي وحاملة طائرات ثالثة للشرق الأوسط في ظل خيارات عسكرية جديدة تدرس تجاه إيران، وإعداد الترتيبات لعملية عسكرية باعتبارها دليلًا على القوة والقدرة على فرض شروط ادارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهنا تصبح فكرة الانتصار السياسي مرتبطة بتحديد هدف عسكري قابل للعرض أمام الرأي العام، عبر ضربات جوية وصاروخية للبنية التحتية للطاقة أو تدمير قدرات عسكرية وإضعاف السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز أو استهداف منشآت تعنى بالأنشطة النووية.
يأتي حديث الرئيس ترامب في السادس من تشرين الأول 2026 بأن ( لا أحد يعرف من يدير إيران)، ليؤكد حقيقة الاراء الأمريكية من صعوبة تحديد مركز القرار الإيراني بعد غياب المرشد الأعلى علي خامنئي وتولى ابنه (مجتبى) موقع القيادة في ظروف حساسة ومعقدة، ثم الغموض السياسي في تحديد القيادة الذي من الممكن أن يستخدم في عملية التصعيد في وقت لم تتمكن واشنطن من معرفة حقيقة مع من تفاوض للوصول لاتفاق سياسي عبر حوارات دبلوماسية ومفاوضات سياسية، لهذا فإن استمرار الضغط العسكري يمكن تقديمه على أنه الخيار الوحيد لإجبار النظام الإيراني على تحديد اختياراته السياسية وأهدافه العسكرية واعتماد قرار واضح في التعامل مع الأحداث المستمرة.
المواجهات العسكرية السابقة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، اثبت أن كلًا من واشنطن وتل أبيب تمتلكان قدرات استخبارية وعملياتية متقدمة داخل الأراضي الإيرانية، وأن استهداف القيادات الإيرانية أصبح بالفعل جزءًا مهمًا من منطق المواجهات السابقة، وأن لديهما القدرات الاستخبارية على الوصول لأي هدف داخل إيران.
الاستعدادت الإيرانية تتأخذ مسارًا ميدانيًا محددًا في التأثير على أسواق الطاقة بارتفاع مستمر لأسعار النفط وتعرض القوات والمواقع الأمريكية لهجمات من قبلها وحلفائها وفصائلها المسلحة التي طالما تهدد بها طهران بأنها تمتلك مجموعة من أدوات الرد التي تستخدمها وتعدها لكيفية إدارة مضيق هرمز وادارة صادرات الطاقة والتمكين من البنى التحتية للاتصالات وطرق العبور والامدادات الخاصة بالمصالح الدولية والإقليمية وحتى كابلات الالياف الضوئية.
وتعتمد في تعاملها مع مضيق هرمز على أنه أداة استراتيجية للتفاوض والضغط وإعادة توزيع كُلف الصراع والمواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وبدأت إيران ضمن توجهاتها في تصعيد حالة الردع المباشر مع أي خطوات أمريكية إسرائيلية لمعاودة المواجهة العسكرية إلى الإشارة بحزم عن إمكانية العمل باتجاه الردع النووي، وهي تعلم أن إسرائيل سبق لها وأن شنت غارات جوية على المنشآت النووية الإيرانية في 13 حزيران 2025 بمشاركة فعلية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، في حملة عسكرية استمرت (12) يومًا ألحقت خلالها الدمار والتحطيم بالمنشآت الثلاث لتخصيب اليورانيوم في (فوردو ونطنز وأصفهان).
أن المساعي الإيرانية كانت متجهة نحو الوصول إلى تخصيب اليورانيوم بنسبة نقاء تصل إلى 60٪، وهذا ما تحقق وبدأت بالعمل الحثيث أملًا في الوصول لنسبة 90٪ الكافية لصناعة القنبلة الذرية والأسلحة النووية، وقدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران كانت تمتلك (440،9) كغم من اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪ عندما انطلقت أولى الضربات الجوية الإسرائيلية الأمريكية في حزيران 2025.
امتنعت إيران بعد المواجهة العسكرية عن السماح لفرق التفتيش الدولية التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية من زيارة المواقع والأماكن النووية، وامتنعت عن تبليغ الوكالة عن كمية اليورانيوم المخصب التي نجت من الهجمات ولم تبلغها بمكان وجودها، رغم أن جزءًا من اليورانيوم المخصب قد دمر أثناء الضربات الأمريكية الإسرائيلية، والتي تحدث عنها روفائيل غروسي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في آذار 2026 قائلًا (أن الوكالة تعتقد أن ما يزيد عن 200 كغم من اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪ لا يزال موجودًا في مجمع الإنفاق في أصفهان مع بقاء كميات أخرى في منشأة نطنز)، وهي بذلك تستطيع من ناحية المبدأ التخصيب إلى درجة صالحة للاستخدام في صنع أسلحة بجهد قليل وعدد من أجهزة الطرد المركزي.
بدأت المسافة تضيق بين واشنطن وطهران في معادلة الضغط من أجل التوصل لتسوية شاملة ومعادلة الضغط حتى حافة الحرب بينهما، ويبدو أن كلا الطرفين لايزال متمسكًا باولوياته ولا يبدي استعدادًا للقيام بأية خطوة قد تساعد في تدوير الزوايا أو إعادة النظر في ترتيب هذه الأولويات.
تصاعد وتيرة الحشود العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، بعد قرار ارسال حاملة الطائرات الثالثة (روزفلت) لتكون بديلة عن الحاملة (جورج واشنطن) ومعها آلاف من القوات القتالية مع استمرار التصاعد في سياسية العقوبات والحصار البحري والجوي، تشكل علامات ومؤشرات جدية إلى إمكانية اندلاع جولة جديدة من القتال والمواجهة بين الطرفين.
ما تقوم بها الوساطات الباكستانية والقطرية وقبلها زيارة وزير الخارجية الروسي (سيرغي لافروف) لإيران ولقائهم مع المسؤولين الإيرانيين على اختلاف مواقعهم السياسية والعسكرية والأمنية في سبيل التوصل لصياغة جديدة لعودة الحوار، تدفع نحو الاعتقاد بأن واشنطن لم تتخذ قرارًا حاسمًا ونهائيًا بالعودة لخيار الحرب الشاملة، لا سيما أن مواقف الرئيس ترمب تعزز هذا الاعتقاد من دون أن تسقطه من حساباتها، وأن الرئيس ترامب يذهب في المسافة الزمنية الفاصلة حتى موعد الانتخابات النصفية إلى اعتماد الحصار الاقتصادي كخيار استراتيجي مرحلي لتغيير معادلة المراوحة المسيطرة مع طهران.
تنظر إيران للضغوط الأمريكية التي تدفع باتجاه تقديم التفاوض النووي كمدخل لأي تفاوض في المسائل الجوهرية الأخرى، بكثير من الحذر والرفض وترى أن أي تنازل أو قبول في تغيير الأولويات والمطالب التي جاءت في مذكرة التفاهم المشتركة التي وقعت في العاصمة الباكستانية ( إسلام آباد)، يعني اعترافًا إيرانيًا بتفوق واشنطن وانتصارها في المواجهة العسكرية بينهما.
أعدت وزارة الحرب الامريكية خيارات لشن عمليات عسكرية كبرى تستهدف تدمير ترسانة إيران من الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة بالاضافة الى منشآت الطاقة والمواقع العسكرية والأمنية وأماكن تواجد القيادات الإيرانية، والموقع النووي الأهم ( منشأة جبل الفأس)، وتم تهيئة ثلاث حاملات طائرات أمريكية لدعم الردع وفرض الحصار والسيطرة على مضيق هرمز والممرات البحرية والتي تحدث عنها وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيت في 13 تشرين الأول 2026 قائلًا (بأن الولايات المتحدة تفرض سيطرة فعلية على مضيق هرمز لضمان أمن الملاحة ومنع إيران من مواصلة تهديد ناقلات النفط).
وواكبت التحشدات الأمريكية توسيع العقوبات النفطية بإطلاق وزارة الخزانة الأميركية حملة تهدف إلى خنق الشرايين المالية للنظام الإيراني عبر منع صادرات النفط تمامًا، وشملت فرض عقوبات على شبكات نقل ب17 سفينة شحن، مع نشاط دبلوماسي أمريكي لإغلاق المسارات البرية أمام التجارة الإيرانية بالتنسيق مع باكستان وتركيا إلى جانب تعاون سلطنة عُمان ودولة الإمارات العربية لأحكام العزلة البحرية.
تشير التقديرات إلى أن واشنطن قد تؤجل الأقدام على مواجهة عسكرية شاملة إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في4 تشرين الثاني 2026، بينما يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إطلاق تصريحات تؤكد (أن صبر بلاده قد نفد وأن قرارًا حاسمًا سيتخذ قريبًا جدًا لتلقين إيران درسً قاسيًا).
أمام الإجراءات الأمريكية، رفعت إيران من جاهزيتها القتالية وعملت على تحصين منشآتها الحيوية والدفاعية وهددت باستهداف الكابلات ومراكز البيانات الإقليمية وشن هجمات واسعة عبر أذرعها في الإقليم إذا ما تجدد القتال المباشر.
واظهرت صور الأقمار الصناعية قيام إيران بتعزيز مواقع المنشآت النووية والمناطق الحدودية، وسعت داخليًا على ترويج حملات التدريب العسكري للمدنيين وحشد مؤيدي النظام وسرد قصص الحرب للأطفال.
وجاء تهديد محسن رضائي امين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني في 11 تشرين الأول 2026 باستهداف مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي في المنطقة، ضمن حملات التصعيد الإيراني في احتمال القيام بتنفيذ عمليات برية في دول مجاورة لإيران واستهداف منشآت النفط السعودية.
ثم كانت الإشادة التي وجهها المرشد الأعلى (مجتبى خامنئي) في نهاية شهر أيلول 2026 لجميع الإجراءات التي قام بها العلماء والفنيين الإيرانيين في إعادة بناء منشآت الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة وتجديد مخزونها من الأسلحة والجهود التي قامت بها دوائر الدفاع المدني في تجهيز المطارات والموانئ ومحطات توليد الكهرباء بالملاجئ والمخزونات الاحتياطية تحسبًا لظروف الحرب، عامل مهم وأساسي في رفع المعنويات وإثبات حالة الردع المقابل والإصرار على المواجهة العسكرية مع الولايات المتحده.
التحركات الأمريكية تستند إلى ثلاثة مسارات رئيسية، أولها احتمالات التصعيد العسكري التي لا تزال قائمة، وثانيها الضغوط الاقتصادية المفروضة على طهران، وثالثها استمرار التواصل التفاوضي بصورة أو بأخرى، رغم تعثر المحادثات.

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية