الباحثة شذا خليل*
قراءة اقتصادية تحليلية في فجوة الأسعار، وكفاءة الاستيراد، وإدارة الدولار، وفرص توطين الصناعة الغذائية في العراق
أولاً: مفارقة الاستيراد العراقي بين حجم الطلب وارتفاع الأسعار
تكشف الأرقام المتداولة بشأن صادرات الطحين التركي إلى العراق لعام 2024 عن إشكالية اقتصادية تستحق الدراسة، تتجاوز حدود التجارة الثنائية لتطرح تساؤلاً جوهرياً حول كفاءة إدارة الاستيراد العراقي: لماذا لا تتحول القوة الشرائية الكبيرة للسوق العراقية إلى ميزة تفاوضية تحقق أسعاراً أفضل وشروطاً تجارية أكثر تنافسية؟
وفقاً للبيانات المنسوبة إلى قاعدة WITS التابعة للبنك الدولي، والمستندة إلى إحصاءات UN Comtrade، استورد العراق نحو مليون طن من طحين القمح التركي بقيمة تقارب 450 مليون دولار خلال عام 2024، ليصبح أكبر مستورد لهذه السلعة من تركيا.
وبحسب الأرقام المنشورة، بلغ متوسط قيمة الطن المصدر إلى العراق نحو 450 دولاراً، مقارنة بنحو 351 دولاراً لمتوسط الصادرات التركية إلى بقية الأسواق، أي بفارق يقارب 99 دولاراً للطن، أو نحو 28.2%.
وعند تطبيق متوسط سعر بقية الدول على الكمية العراقية، يظهر فارق حسابي يقارب 99 مليون دولار خلال عام واحد.
غير أن هذا الفارق لا يمثل بالضرورة خسارة مالية فعلية أو دليلاً على وجود مخالفات تجارية؛ إذ يتطلب إثبات ذلك مقارنة الطحين المتطابق في المواصفات والجودة، وشروط التعاقد، وتوقيت الصفقات، وطبيعة التعبئة والتجهيز.
ومع ذلك، فإن اتساع الفجوة السعرية يجعل التدقيق الاقتصادي والمؤسسي ضرورة، وليس مجرد خيار إداري.
ثانياً: هل يخسر العراق ميزة القرب الجغرافي؟
يتمتع العراق بميزة جغرافية مهمة في علاقاته التجارية مع تركيا، تتمثل في الحدود المشتركة وقصر مسافات النقل مقارنة بالأسواق البعيدة.
ومن الناحية الاقتصادية، يفترض أن تسهم هذه الميزة في تخفيض تكاليف النقل والتأمين والخدمات اللوجستية، إذا تساوت بقية الشروط.
لكن المفارقة أن متوسط القيمة التصديرية للطحين التركي المتجه إلى العراق، وفق الأرقام المطروحة، يتجاوز المتوسط المسجل لأسواق أبعد جغرافياً.
وهنا يجب التمييز بين السعر المسجل في بيانات الصادرات التركية والسعر النهائي الذي يدفعه المستورد العراقي بعد إضافة النقل والتأمين والرسوم والخدمات.
فالبيانات الجمركية وحدها لا تكفي لتحديد المسؤولية عن ارتفاع الأسعار، لكنها توفر نقطة انطلاق للكشف عن أسباب الاختلاف.
وقد يرتبط الفارق بنوعية الطحين، أو اختلاف مواصفات البروتين والاستخراج، أو حجم العقود وتوقيتها، أو تركز الاستيراد لدى عدد محدود من الموردين، أو ضعف المنافسة والشفافية في سلسلة التوريد.
وبالتالي، فإن السؤال الاقتصادي ليس لماذا يرتفع السعر فقط، بل لماذا لا تمتلك الجهات المختصة منظومة واضحة ومعلنة لتفسير الفوارق السعرية في السلع الأساسية؟
ثالثاً: فاتورة الاستيراد والضغط على الدولار
لا يمكن فصل قضية الطحين التركي عن الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد العراقي، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية لتوفير العملات الأجنبية وتمويل احتياجات السوق من السلع المستوردة.
وبحسب الأرقام الواردة في التقرير محل النقاش، تجاوزت استيرادات العراق من تركيا 13 مليار دولار خلال عام 2024، منها نحو 4.2 مليارات دولار للمواد الغذائية.
هذه الأرقام، إذا تأكد تطابق نطاقها الإحصائي، تعكس حجم الاعتماد التجاري على السوق التركية، وتطرح تساؤلات حول قدرة العراق على استخدام قوته الاستيرادية في المفاوضات الاقتصادية.
فكل دولار يخرج لتمويل استيراد يمكن إنتاج بديل منافس له محلياً يمثل فرصة اقتصادية تستحق التقييم، سواء من حيث الاستثمار أو التشغيل أو القيمة المضافة.
لكن من الضروري أيضاً عدم الخلط بين الاستيراد المشروع وبين هدر العملة الأجنبية. فالاستيراد يلبّي احتياجات فعلية، والمشكلة تظهر عندما تكون الأسعار غير مبررة، أو الفواتير غير دقيقة، أو التحويلات المالية غير متناسبة مع السلع المستلمة.
ومن هنا تبرز أهمية الربط الإلكتروني بين بيانات المنافذ الحدودية، والفواتير التجارية، وشهادات المنشأ، والتحويلات المصرفية، بهدف تعزيز الشفافية والتحقق من القيمة الحقيقية للواردات.
رابعاً: ماذا تكشف المقارنة الرقمية؟
بعد مراجعة البيانات الأصلية لقاعدة WITS لعام 2024، يتبين أن الأرقام الأساسية صحيحة تقريباً. فقد بلغت قيمة صادرات الطحين التركي إلى العراق 449.98 مليون دولار، بكمية 999.42 ألف طن. وبلغ إجمالي صادرات تركيا من السلعة نفسها إلى العالم 1.16 مليار دولار، بكمية 3.02 ملايين طن.
متوسط قيمة طن الطحين التركي المصدر عام 2024
تظهر المقارنة أن العراق يدفع متوسط قيمة تصديرية أعلى بنحو 28.2% من متوسط بقية الأسواق. ويعادل الفرق الحسابي نحو 99 مليون دولار عند استخدام متوسط أسعار بقية الدول مرجعاً افتراضياً.
لكن هذا الرقم يمثل فجوة سعرية إحصائية، وليس مبلغاً مثبتاً للهدر. ويتطلب تحويله إلى تقدير للخسارة الاقتصادية دراسة العقود ومواصفات الطحين وظروف التوريد.
وتكشف المقارنة التاريخية نقطة أخرى: ففي عام 2023، بلغت صادرات الطحين التركي إلى العراق نحو 550.6 مليون دولار مقابل 1.25 مليون طن، بمتوسط يقارب 440 دولاراً للطن. وهذا يعني أن متوسط قيمة الطن ارتفع قليلاً في عام 2024 رغم انخفاض إجمالي الكمية المستوردة.
خامساً: أين يبدأ الإصلاح الاقتصادي؟
تتطلب معالجة هذه الاختلالات الانتقال من الرقابة الشكلية على الاستيراد إلى إدارة اقتصادية قائمة على تحليل البيانات وربطها بالقرارات التجارية والمالية.
وتبرز هنا ثلاثة مسارات مترابطة.
المسار الأول: إنشاء منظومة وطنية لمراقبة أسعار الاستيراد. تعتمد على مقارنة الأسعار الدولية للسلع المتطابقة، وربط بيانات المنافذ الحدودية بالتحويلات المصرفية والفواتير التجارية، مع اعتماد مؤشرات إنذار مبكر للفوارق غير المبررة.
المسار الثاني: استخدام حجم السوق العراقية قوةً تفاوضية. فاستيرادات العراق من تركيا بلغت نحو 13.01 مليار دولار في عام 2024، وفق إحصاءات منشورة على الموقع التابع لوزارة التجارة العراقية. وهذا الحجم يمنح العراق أساساً اقتصادياً للتفاوض بشأن الأسعار والمواصفات والتسهيلات التجارية، دون افتراض أن جميع المستوردين يشترون بعقد حكومي موحد.
المسار الثالث: تطوير صناعة الطحين محلياً. وذلك من خلال تشجيع الاستثمار في المطاحن الحديثة، وتطوير سلاسل تجهيز القمح والخزن والنقل، وتقديم حوافز إنتاجية مشروطة بالكفاءة والجودة.
ولا ينبغي أن يكون رفع الرسوم الجمركية الإجراء الأول أو الوحيد، لأن الحماية غير المدروسة قد ترفع أسعار المواد الغذائية وتزيد الأعباء على المستهلكين. والأفضل أن تسبقها دراسة للطاقة الإنتاجية المحلية وكلفة الإنتاج ومدى توافر المنافسة.
سادساً: من اقتصاد الاستيراد إلى اقتصاد القيمة المضافة
إن أهمية قضية الطحين التركي لا تكمن في الفارق السعري وحده، بل في النموذج الاقتصادي الذي تكشف عنه.
فالعراق يمتلك سوقاً استهلاكية واسعة وموارد مالية وتجارية مهمة، لكنه يحتاج إلى آليات أكثر تكاملاً لتحويل الطلب المحلي إلى استثمار وإنتاج وفرص عمل.
ولا يتحقق ذلك بمجرد تقليل الواردات، وإنما عبر بناء قاعدة صناعية قادرة على المنافسة من حيث السعر والجودة والاستمرارية.
كما أن توطين صناعة الطحين لا يعني بالضرورة تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح؛ فقد يكون استيراد القمح الخام وتصنيعه محلياً خياراً اقتصادياً أكثر جدوى في بعض الحالات، إذا أثبتت دراسات التكلفة ذلك.
وهنا يصبح تقييم البدائل ضرورياً: هل الأفضل استيراد الطحين الجاهز، أم استيراد القمح وتصنيعه، أم توسيع إنتاج القمح المحلي؟ الإجابة يجب أن تعتمد على تكلفة كل بديل، واستهلاك المياه والطاقة، والقدرة التخزينية، والأثر على الأمن الغذائي.
الخاتمة: المشكلة ليست في 100 مليون دولار فقط
إن الفارق البالغ نحو 100 مليون دولار في القيمة الافتراضية لواردات الطحين التركي يمثل مؤشراً يستحق الفحص، لكنه يفتح الباب أمام سؤال اقتصادي أكبر: كم يمكن للعراق أن يوفر من فاتورته الاستيرادية إذا اعتمد منظومة متكاملة لمراقبة الأسعار، وتقييم العقود، وتعزيز المنافسة، وتوجيه الاستثمارات نحو الإنتاج المحلي؟
إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ باتهام المستوردين أو الموردين، ولا بفرض قيود تجارية متسرعة، بل يبدأ من بناء قاعدة معلومات دقيقة تسمح بتحديد مواضع الخلل واتخاذ قرارات قابلة للقياس والمساءلة.
فالقضية ليست مقدار الدولار الذي ينفقه العراق على الاستيراد فحسب، بل مقدار القيمة الاقتصادية التي يحصل عليها مقابل كل دولار، وما إذا كان بالإمكان تحويل جزء من هذا الإنفاق إلى طاقة إنتاجية مستدامة داخل البلاد.
وهنا تكمن نقطة الانطلاق نحو سياسة تجارية أكثر كفاءة، واقتصاد عراقي أقل اعتماداً على الاستيراد وأكثر قدرة على خلق القيمة المضافة.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
