بين أذربيجان وإيران علاقة جوار غير مستقرة

بين أذربيجان وإيران علاقة جوار غير مستقرة

تزامن انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 مع ظهور دول مستقلة جديدة على خريطة العالم السياسية والجغرافية، وتغير في موازين القوى والمعادلات الدولية، لا سيما نهاية ما أطلق عليها الحرب الباردة.

وجدت إيران على حدودها، ومن دون سابق إنذار، أكثر من دولة ورثت حدود الاتحاد السوفياتي السابق. وباتت بطبيعة الحال تربطها علاقات معقدة بتلك الدول وحالات مد وجزر في التعامل مع الجمهوريات الفتية، حيث ظلت طهران حتى فترة قريبة تتمسك بـ”حقها” في امتلاك حصة 50 في المئة من بحر قزوين، وهي حصتها السابقة نفسها وفقاً للمعاهدات مع موسكو السوفياتية، بحجة أن إيران غير مسؤولة عن ظهور دول جديدة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي (روسيا، وكازاخستان، وأذربيجان، وتركمانستان)، على الرغم من أن ساحل إيران على البحر لا يبلغ 14 في المئة من مساحته.

وحيث لإيران حدود مع أرمينيا وأذربيجان وتقع على مقربة من خطوط الاحتكاك في أزمة جنوب القوقاز القديمة الجديدة على إقليم ناغورنو قره باغ، ومع أن خلفيتها الدينية مشتركة مع أذربيجان وتربطها علاقات تاريخية وثقافية عميقة معها، فالقومية الأذرية في إيران تعتبر القومية الثانية في التركيبة الاجتماعية بعد القومية الفارسية، إلا أن موقفها من نزاع القوقاز هذا، مرّ عبر أكثر من محطة قد يكون في بعضها شيء من التناقض.

تغير الموقف

كان موقف طهران في أوائل التسعينيات، مع بدء النزاع، داعماً لباكو عسكرياً، مقابل الدعم الروسي لأرمينيا. وتغير الحال مع وصول حيدر علييف إلى رئاسة أذربيجان عام 1993، وظهور خطاب قومي يذكر بأذربيجان الجنوبية، وهي المنطقة الواقعة داخل إيران. وهناك عوامل عديدة تؤثر في علاقات طهران – باكو، منها تل أبيب وواشنطن، وكذلك الجالية الأرمينية داخل إيران نفسها، مع وجود عوامل متبادلة، من بينها قلق إيراني من النزعات الانفصالية للمناطق الأذرية. كما تخشى أذربيجان من التأثير الديني الإيراني على مجتمعها العلماني. ولاحقاً، على الرغم من استمرار النزاع الأذربيجاني الأرمني، لم يظهر لطهران عموماً أي تضامن خاص مع باكو، وكانت تميل بشكل أو بآخر نحو أرمينيا.

وحرصت طهران في المرحلة الحالية على الظهور في المشهد كوسيط مُحايد بين الطرفين، حيث جدد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف عرض بلاده الوساطة مؤخراً، بالإضافة إلى نفيها عبور أسلحة لأرمينيا عبر أراضيها.

وقد لا يبدو أن باستطاعة إيران وأرمينيا أن تكونا شريكتين. ومع ذلك فالواقع يشير إلى أن علاقات طهران بيريفان تعتبر أقوى من تلك التي تربطها بكثير من الدول الإسلامية المجاورة. والواضح أن الضرورة تسير بالبلدين في اتجاه بعضهما بعضاً، فإيران في حاجة إلى أرمينيا لتوفير معبر بديل للنقل إلى روسيا وأوروبا، وأرمينيا بدورها تواجه انسداداً متواصلاً في طرق التجارة من جانب أذربيجان وتركيا، وهي معنية بتأمين ممر آمن وموثوق للتجارة.

وفي جزء من توجه طهران نحو يريفان، هناك هدف منع واشنطن وتل أبيب من تطويقها بشبكة قوية من العلاقات مع دول جنوب القوقاز وآسيا الوسطى، وفي مقدمتها أذربيجان، حيث تحتل باكو أولوية في أذهان صناع القرار في واشنطن، الذين تشغلهم كيفية التعامل مع إيران.

وتدعم إيران أرمينيا لأسباب اقتصادية، أبرزها حاجة يريفان للطاقة. كما أن أرمينيا تزود إيران بالكهرباء. في المقابل، عمق الاقتصاد الفجوة بين باكو وطهران، فمصالح الأولى تتماشى مع أنقرة والغرب، لأن تركيا تعتبر معبراً للغاز والنفط الأذربيجاني الذي ينافس مصادر الطاقة الإيرانية. وتشعر كل من تركيا وأذربيجان بالقلق من الشراكة الأرمينية – الإيرانية، فمصالح تركيا وأذربيجان في مجال الطاقة تضع كل منهما على النقيض مع إيران. وفي السياق ذاته، فإن من شأن العلاقات الأرمينية – الإيرانية التأثير في المصالح الاقتصادية لروسيا، مع ملاحظة أن المصالح القومية الإيرانية تتعارض دوماً مع المصالح القومية الروسية.

أذربيجان الجنوبية

إضعاف أذربيجان حاجة إيرانية، حتى لا تشجع الأقلية الأذرية داخلها على المطالبة بمزيد من الحقوق. وعلى الرغم من توقيع عدة اتفاقيات اقتصادية بين باكو وطهران خلال العامين الماضيين، وتأكيد إيران الرسمية على احترام وحدة أراضي جمهورية أذربيجان وفق القرارات الدولية، فإن هناك عوامل مستمرة وإرثاً ثقيلاً يُلقي بظلاله على أي حدث مستقبلي بين الدولتين الجارتين.

يتكرر التوتر بين الجارتين، إيران وأذربيجان، بين الحين والآخر. ويصل الأمر في أكثر من مناسبة إلى استدعاء السفير الأذربيجاني لدى طهران إلى الخارجية الإيرانية، في كل مرة يظهر فيها اسم الجبهة الشعبية لتحرير أذربيجان الجنوبية، خصوصاً عند تنظيم فعاليات في العاصمة باكو ومناقشة قضية أذربيجان الجنوبية.
وقام قبل أعوام بعض أعضاء مجلس النواب الأذربيجاني، خلال جلسة للبرلمان، بالمطالبة بتغيير اسم الدولة من أذربيجان إلى أذربيجان الشمالية، كما طالبوا بإجراء مراجعة قانونية لمعاهدات تاريخية منحت إيران الحالية سيطرة على مناطق يعتبرونها أذربيجانية.

كما طالب رئيس حزب الجبهة الشعبية لأذربيجان الموحدة المعارض قدرت حسن غولييف بإجراء مراجعة قانونية لمعاهدتي غوليستان وتركمانشاي، الموقعتين بين روسيا وبلاد فارس في 24 أكتوبر (تشرين الأول) 1813، و22 فبراير (شباط) 1828، انطلاقاً من أن أذربيجان خسرت مناطق واسعة ذهبت السيطرة فيها إلى بلاد فارس.

وجاء اقتراح تعديل اسم الدولة بإضافة كلمة “شمالية” ليحمل نوعاً من الضغوط الإضافية المباشرة على طهران “لأن ثلثي أراضي أذربيجان (التاريخية) يقع داخل حدود إيران الحالية، وحظي هذا الاقتراح بتأييد عدة نواب”.

وأشار أحد النواب الأذريين إلى أنه في العالم هناك عديد من الأمثلة المشابهة، مثل كوريا الشمالية والجنوبية وقبرص الشمالية والجنوبية، وسيكون من المستحسن لو أن أذربيجان كدولة مقسمة تمت تسميتها أذربيجان الشمالية.

دور إسرائيل

نشرت صحيفة “تايمز” البريطانية في 11 فبراير 2013 أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي الموساد يقوم من أراضي أذربيجان بجمع المعلومات عن إيران. وكشفت إيران عن أكثر من ذلك، حين أعلنت أن عملاء الموساد في أذربيجان يضعون الخطط لتصفية علماء الذرة الإيرانيين، لكن أذربيجان نفت هذه الاتهامات، ووصفتها بالكاذبة، وبأنها مجرد افتراء وتشهير. في المقابل، كان هناك اتهامات لطهران تداولتها وسائل إعلام إسرائيلية، قبل عدة سنوات، بمحاولة اغتيال السفير الإسرائيلي لدى أذربيجان آنذاك ميخيائيل لوطيم.

وعلق فوفا غول زادة، المستشار الرئاسي السابق في السياسة الخارجية الأذربيجانية أن “مثل هذه الحوادث لا تجبر أذربيجان على أن تنأى بنفسها عن إسرائيل”. وأشار إلى أنه “على باكو أن تعمل مع القوى الغربية في حال حدوث أنشطة استخباراتية إيرانية تسبب ضرراً حقيقياً لأمن البلاد”.

ووفقاً لوجهة نظر غول زادة، فإن “الضجة التي أثارتها طهران بعد ما نشرته (تايمز)، تأتي في إطار الضغط على أذربيجان للحد من تعاونها مع إسرائيل”، حيث كانت باكو عام 2016 ثاني أكبر مستورد للأسلحة الإسرائيلية، والثالثة عام 2017.

يبقى القول، إن باكو تجد ضرورة تعزيز التعاون الاستخباراتي والأمني مع الولايات المتحدة الأميركية ومع تركيا، حيث إن الأجهزة الأمنية الأذربيجانية منفردة غير قادرة على مواجهة أي أنشطة إيرانية قد تستهدفها.