عجلة العدالة في لبنان متوقفة

عجلة العدالة في لبنان متوقفة

في الأسابيع الأخيرة، تجددت الأخبار عن حادثة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عام 2005 وسط تقارير مفادها أن “المحكمة الدولية الخاصة بلبنان” ستوقف عملها نهائياً في أواخر تموز/يوليو. ولم تسفر قرارات المحكمة عن توقيف أي شخص. وقد تَراجع الدعم الدولي القوي الذي كانت تحظى به المحكمة منذ صدور الحكم الغيابي في آب/أغسطس 2020 بإدانة سليم عيّاش، أحد أفراد «حزب الله» اللبناني الإرهابي، في قضية اغتيال الحريري.

في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عام 2005، رُفعت لافتة في وسط العاصمة بيروت تطالب “بالحقيقة”. وتَرافق ذلك مع عداد رقمي يحصي عدد الأيام التي مرت على الاغتيال. ومع اقتراب العدد من 1000 يوم، لم يعد العداد المؤلف من ثلاثة أرقام يتسع للمزيد. وفي أواخر عام 2007، تمّ توسيع شاشة العداد لتتسع لرقم إضافي. وفي عام 2009، بعد إقامة “المحكمة الدولية الخاصة بلبنان” في لاهاي بهدف التحقيق باغتيال الحريري ومقاضاة الفاعلين، تمّ تغيير شعار اللافتة إلى “زمن العدالة” وإعادة العداد إلى الصفر.

ومجدداً أصبح عدد الأيام المسجل يتألف من أربعة أرقام. وقد مرّ قرابة 6000 يوم منذ اغتيال الحريري، لكن العدالة لم تتحقق بعد. وقد حددت المحكمة هوية الفاعل، لكن في لبنان، حيث يجب تنفيذ الحكم، يبدو أن عجلات العدالة متوقفة. وكما هو الحال مع العديد من جرائم القتل السياسي التي شهدتها البلاد، لم يُحاسب أحد على مقتله.

وفي الأسابيع الأخيرة، تجددت الأخبار عن حادثة اغتيال الحريري وسط تقارير مفادها أن المحكمة ستوقف عملها نهائياً في أواخر تموز/يوليو. وبينما تشهد بيروت أزمة اقتصادية غير مسبوقة، لم تكن البلاد قادرة أو غير راغبة في دفع 49 في المائة من المبلغ الإلزامي من الميزانية الحالية للمحكمة البالغة 40 مليون دولار سنوياً. (يتم دفع نسبة الـ 51 بالمائة المتبقية من قبل 28 جهة مانحة أخرى، من بينها الولايات المتحدة).

من ناحية أخرى، تَراجع الدعم الدولي القوي الذي كانت تحظى به المحكمة منذ صدور الحكم الغيابي في آب/أغسطس 2020 بإدانة سليم عيّاش، أحد أفراد «حزب الله» اللبناني الإرهابي، في قضية اغتيال الحريري. ورغم أن المحكمة لم تربطه مباشرة بالميليشيا الشيعية المدعومة من إيران، إلّا أن وزارة الخارجية الأمريكية حدّدت عيّاش على أنه “عميل بارز في «الوحدة 121» التابعة لـ «حزب الله»، وهي فرقة الاغتيالات التي تتلقى أوامرها مباشرة من أمين عام الحزب حسن نصرالله”. ولم تدين المحكمة أي شخص آخر من المتهمين أو المشتبه بضلوعهم بالاغتيال، بمن فيهم عملاء المخابرات السورية، الذين كانوا في السنوات الأولى للمحكمة هدفاً رئيسياً للتحقيق.

لكن حتى إذا حاولت الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة إنقاذ المحكمة، على إدارة بايدن أن تترك المحكمة تنهي صلاحيتها. فهذه الأخيرة لا تستطيع تنفيذ حكمها في القضية الأكثر أهمية التي تتولاها، ومع تدهور الوضع الاقتصادي في لبنان بشكل سريع، سيشكّل الاستمرار في دفع تكاليف المحكمة سوء توزيع مروّع للموارد.

وعلى غرار قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، الذي سعى إلى منع إعادة تسلح «حزب الله» بعد حربه مع إسرائيل في صيف عام 2006، كانت المحكمة بمثابة مسعى حسن النية من قبل المجتمع الدولي لمساعدة لبنان على التغير نحو الأفضل. وفي بداية الأمر على الأقل، كانت المحكمة تُعتبر آلية لإبعاد لبنان عن ثقافة الإفلات من العقاب وانعدام القانون القائمة منذ فترة طويلة وقيادته نحو حقبة جديدة من المساءلة. وحتى يومنا هذا، يصرّ مؤيدو المحكمة على أنها لا تزال تخدم هذا الهدف من خلال فضح جرائم «حزب الله» وبالتالي الإضرار بسمعته. وللأسف، هناك القليل من الأدلة التي تشير إلى أن هذه الجريمة أو جرائم أخرى مرتبطة بالحزب تثني مؤيديه عن مناصرته. وبدلاً من ذلك، وبعد مرور 16 عاماً على مقتل الحريري، أصبحت المحكمة، التي كلّفت دافعي الضرائب في مختلف البلدان ما يقرب من 800 مليون دولار، مصدر إلهاء وسط العجز الذاتي للدولة اللبنانية والهيمنة المتزايدة لـ «حزب الله» على الدولة.

وعلى الرغم من الانقضاء الوشيك لولاية المحكمة، إلا أنها تؤكد أن جدول أعمالها لا يزال يتضمن بنوداً مهمة. فقد كانت المحكمة قد خططت لإجراء محاكمات خلال الأشهر والسنوات القادمة في قضية اغتيال جورج حاوي عام 2005، فضلاً عن محاولتيْ اغتيال مروان حمادة في عام 2004 وإلياس المر في عام 2005 – وجميعهم من السياسيين اللبنانيين البارزين. (كان حاوي ناقداً صريحاً للتدخل السوري في لبنان، مثله مثل حمادة). ومع ذلك، فإن الشخص الوحيد الذي وجهت إليه المحكمة لوائح اتهام ومن المقرر محاكمته على هذه الجرائم هو – مجدداً – سليم عيّاش، قاتل الحريري. وتبقى فكرة تحمّل عميل واحد لـ «حزب الله» بمفرده مسؤولية موجة من الاغتيالات السياسية المخطط لها بدقة، غير منطقية وتتناقض مع استنتاجات محققي المحكمة.

وللأسف، من غير المرجح أن يتلقى عيّاش أي عقاب على اغتيال الحريري، على الرغم من إدانته. ويُفترض أنه موجود في لبنان حيث يحظى بحماية «حزب الله»؛ فقد أعلن نصرالله شخصياً أن الحزب سيمنع اعتقاله. وبصورة مماثلة، لم تحاول السلطات اللبنانية أبداً إلقاء القبض عليه، تمشياً مع قرار «حزب الله». من ناحية أخرى، عرضت وزارة الخارجية الأمريكية في آذار/مارس مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تساعد على التعرف إلى عيّاش وتحديد مكانه.

وبدلاً من تمضية سنوات وملايين الدولارت الإضافية على إصدار أحكام لا جدوى منها بحق الفرد نفسه، على واشنطن التركيز على تطبيق الحكم الصادر في قضية اغتيال الحريري والقبض على عيّاش. فخلال أول 100 يوم على تسلمها السلطة، خصصت إدارة بايدن الكثير من الوقت لإعادة بناء تحالفات أمريكية تقليدية مع شركاء أوروبيين. ومن الناحية المثالية، يجب أن توفر الديناميكيات التي من المفترض أنها تحسنت مع القارة فرصة لواشنطن لتعزيز تعاونها مع الدول الأعضاء في “الاتحاد الأوروبي” – التي يناهز عددها 11 دولة – التي دعمت مالياً المحكمة لكنها لم تصنّف بعد «حزب الله» كمنظمة إرهابية. وتشير التقارير التي تفيد بأن سفيري الولايات المتحدة وفرنسا في لبنان سافرا معاً إلى الرياض خلال الأسبوع الأول من تموز/يوليو إلى مستوى جديد وغير مسبوق من التنسيق في مواجهة الأزمات السياسية والاقتصادية في لبنان.

وتتمثل إحدى العقبات الرئيسية التي تقف في طريق سياسية منسّقة لمساعدة لبنان – أكثر بكثير مما إذا كان سيتم تمديد تفويض المحكمة أم لا – في استمرار العديد من دول “الاتحاد الأوروبي” بعدم تصديق الرواية القائلة بأن الجناحين السياسي والعسكري لـ «حزب الله» هما كيانان مختلفان ومنفصلان. غير أن أبرز المسؤولين في المنظمة الإرهابية يدحضون هذه الفكرة الراسخة لدى هذه الحكومات الأوروبية، بمن فيهم نائب الأمين العام لـ «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم الذي صرّح في عام 2012 قائلاً: “ليس عندنا جناح عسكري وجناح سياسي، وليس عندنا «حزب الله» وحزب المقاومة”. كما تدرك دول “الاتحاد الأوروبي” جيداً أن «حزب الله» هو منظمة منضبطة. وحتى إذا لم تقدّم المحكمة “دليلاً واضحاً” على ضلوع نصرالله مباشرة باغتيال الحريري، فلا يمكن تصوّر تصرّف عيّاش بشكل مستقل.

إن عدم تصنيف «حزب الله» بكامله كمنظمة إرهابية على المستوى الوطني يمكّن الحزب من مواصلة عملياته “السياسية” في قسم كبير من “الاتحاد الأوروبي”. كما أنه يعقّد عمل “اليوروبول” لاستهداف مالية الحزب، مما يرغم هذه الوكالة على التمييز بين الأموال التي يتم توجيهها إلى ما يسمى بالجناحين “العسكري” و”السياسي” للحزب. ومن شأن تصنيف الحزب بجناحيه إرهابياً أن يسهل ملاحقة أفراده في أوروبا وخارجها، ويساعد على نزع الشرعية عنه من خلال إلزام المسؤولين الأوروبيين – مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون – على قطع اتصالاتهم بممثلي الحزب.

وإذا كان من الضروري إقناع شركاء واشنطن الأوروبيين بضلوع «حزب الله» في جريمة اغتيال الحريري، فقد تدرس إدارة بايدن الكشف عن بعض المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بنشاط عيّاش في فرقة الاغتيالات التابعة للحزب. وفي كافة الأحوال، بعد مرور 16 عاماً على اغتيال الحريري، انتهى عمل المحكمة. وقد حان الوقت لهذه الدول التي ضمنت هذا التمرين الفخري في إطار المساءلة أن تحاسب القتلة. وبما أن أوروبا تتحفظ منذ فترة طويلة في تصنيف «حزب الله» بأكمله كمنظمة إرهابية تسيطر على الدولة، كما هو الواقع فعلياً، ستشكل هذه المسألة عبئاً دبلوماسياً ثقيلاً بالنسبة لواشنطن. ومع ذلك، وكما خلصت المحكمة، من الصعب تصوّر وقت أفضل للإصرار على هذا الموضوع. وإذا لم تستطع إدارة بايدن إقناع شركائها الأوروبيين بالتصرف، فربما يمكنها إقناع هذه الدول بإعادة توجيه مساهماتها في المحكمة على الأقل نحو قضية من شأنها أن تساعد لبنان بشكل أفضل – مثل هدف “برنامج الغذاء العالمي”، الذي (إلى جانب “البنك الدولي”) يقوم حالياً بإطعام جزء كبير من السكان اللبنانيين الذين يعانون [من قلة الغذاء]، والذي يُعزى بدرجة كبيرة إلى «حزب الله».

ديفيدشنيكر

معهد واشنطن