الباحثة شذا خليل
تشهد صناعة الشحن البحري العالمي، وبخاصة قطاع نقل النفط، تصاعدا لافتا في ظاهرة التخلي عن ناقلات النفط والسفن التجارية، وهي ظاهرة لم تعد حوادث فردية معزولة، بل مؤشرا واضحا على اختلالات بنيوية عميقة في الاقتصاد العالمي للطاقة والنقل البحري. فقد أدى تداخل الصراعات الجيوسياسية، والعقوبات الاقتصادية، وتقلبات أسواق الشحن، إلى إعادة تشكيل مسارات تجارة النفط بطرق محفوفة بالمخاطر المالية والإنسانية.
وفقا للاتحاد الدولي لعمال النقل، ارتفع عدد السفن المهجورة من نحو 20 سفينة فقط في عام 2016 إلى أكثر من 400 سفينة بحلول عام 2025، ما أدى إلى ترك أكثر من 6 آلاف بحار دون أجور أو غذاء أو رعاية طبية. هذا الارتفاع الحاد لا يعكس إخفاقات تشغيلية فردية، بل يعكس ضغوطا هيكلية متراكمة داخل منظومة الشحن العالمية.
العقوبات الاقتصادية وصعود أساطيل الظل
يعد توسع ما يعرف بأساطيل الظل أحد أبرز المحركات الاقتصادية لهذه الظاهرة. هذه الأساطيل تتكون غالبا من ناقلات نفط قديمة تعمل عبر هياكل ملكية معقدة وغير شفافة، وغالبا دون تأمين كاف، وتكون مسجلة في دول ذات رقابة تنظيمية ضعيفة. ويتركز دورها الأساسي في نقل النفط الخاضع للعقوبات من دول مثل روسيا وإيران وفنزويلا إلى أسواق مستعدة للشراء مثل الصين والهند.
بعد فرض الدول الغربية سقوفا سعرية وعقوبات تجارية على النفط الروسي عقب الحرب في أوكرانيا، اضطرت الدول المصدرة إلى الاعتماد بشكل متزايد على هذه الشبكات غير الرسمية للحفاظ على تدفق الإيرادات. إلا أن هذا الحل المؤقت رفع تكاليف التشغيل بشكل كبير، حيث أصبحت خدمات التأمين محدودة، والوصول إلى الموانئ أكثر تعقيدا، كما اضطرت السفن إلى البقاء في عرض البحر لفترات طويلة بانتظار تسوية نزاعات قانونية أو مالية. وعندما تصبح الرحلة غير مجدية اقتصاديا، يختار بعض المالكين التخلي عن السفن وطاقمها لتجنب الخسائر.
تقلب الأسواق وضعف الرقابة التنظيمية
تفاقمت هشاشة اقتصاديات الشحن بفعل صدمات سلاسل الإمداد خلال جائحة كورونا، وتقلب أسعار الوقود، وعدم استقرار الطلب على ناقلات النفط. ويظهر أن المشغلين الصغار، وخاصة العاملين ضمن أساطيل الظل، هم الأكثر عرضة للتقلبات المفاجئة في أسعار الشحن أو لتشديد الرقابة التنظيمية.
وتشير البيانات إلى أن غالبية السفن المهجورة مسجلة في دول تعتمد نظام “أعلام الملاءمة” مثل بنما وليبيريا وجزر مارشال، إضافة إلى دول جديدة دخلت هذا المجال مثل غامبيا. هذه الدول تستفيد من رسوم التسجيل، لكنها غالبا تفتقر إلى القدرة المؤسسية أو الإرادة السياسية لمحاسبة المالكين أو التدخل عند وقوع حالات التخلي. وفي عام 2025، شكلت السفن المسجلة تحت هذه الأعلام أكثر من 80 بالمئة من حالات التخلي، ما يكشف الترابط بين الثغرات التنظيمية والضغوط التجارية.
التكاليف الإنسانية وآثار سوق العمل
يقع العبء الأكبر لهذه الأزمة على البحارة أنفسهم. فبموجب قواعد المنظمة البحرية الدولية، يعد التخلي واقعا عندما يتوقف المالك عن دفع الأجور أو إعادة الطاقم إلى بلده. وخلال عام واحد فقط، تجاوزت الأجور غير المدفوعة للبحارة حول العالم 26 مليون دولار.
وكان البحارة القادمون من الهند والفلبين وسوريا من بين الأكثر تضررا، ما دفع بعض الحكومات إلى تشديد الرقابة على وكالات التوظيف البحرية وحظر السفن عالية المخاطر. وعلى مستوى سوق العمل، تهدد هذه الظاهرة بزيادة تكاليف التشغيل على الشركات الملتزمة، وخلق نقص في الكوادر البحرية المؤهلة، إضافة إلى تصاعد مطالب النقابات بتعزيز الضمانات والتأمين الإجباري.
مخاطر على إمدادات الطاقة والتجارة العالمية
لا تقتصر تداعيات ناقلات النفط المهجورة على البعد الإنساني، بل تمتد إلى مخاطر مالية وبيئية جسيمة. فشحنات نفط تقدر بعشرات الملايين من الدولارات قد تبقى عالقة في عرض البحر، ما يعطل سلاسل الإمداد ويزيد من تقلبات أسواق الطاقة الإقليمية. كما أن سلطات الموانئ، خشية التعرض لمخاطر قانونية أو خرق العقوبات، ترفض في كثير من الأحيان استقبال هذه السفن، ما يجبر الشركات على اللجوء إلى عمليات نقل نفط من سفينة إلى أخرى في البحر، وهي عمليات مكلفة وعالية المخاطر.
ويحذر محللون من أنه في حال استمرار توسع أساطيل الظل دون ضوابط، قد تلجأ شركات التأمين إلى رفع الأقساط على مستوى القطاع بأكمله، ما سيؤدي إلى زيادة تكاليف نقل النفط عالميا، وبالتالي ارتفاع أسعار الطاقة للمستهلكين وزيادة عدم الاستقرار في التدفقات التجارية بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا.
منظومة شحن تحت ضغط متزايد
في المحصلة، تعكس ظاهرة السفن المهجورة نظام شحن عالمي يعيد تشكيل نفسه تحت وطأة العقوبات وتفكك الأطر التنظيمية وتزايد التنافس الجيوسياسي. فقد أصبحت أساطيل الظل جزءا أساسيا من استمرار صادرات النفط لبعض الدول، لكنها تعمل على هامش الشرعية والاستدامة المالية.
ومن دون تنسيق دولي أقوى بشأن تسجيل السفن، ومعايير التأمين، وحماية حقوق البحارة، يحذر خبراء من أن التخلي عن السفن سيظل سمة دائمة في تجارة الطاقة العالمية. وفي المنظور الاقتصادي، لا تمثل ناقلات النفط العالقة في المحيطات مجرد أزمات إنسانية، بل رموزا عائمة لتحولات عميقة تعيد رسم شرايين التجارة العالمية في عصر تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد على نحو غير مسبوق.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
