
الباحثة شذا
تُعد آلية إيداع عائدات النفط العراقي في حسابات لدى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في نيويورك واحدة من أكثر الترتيبات المالية تعقيداً في تاريخ العراق الحديث. فمنذ عام 2003، لم تعد هذه الآلية مجرد إجراء تقني لحماية الأموال، بل تحوّلت إلى عنصر محوري يؤثر في السيادة الاقتصادية، والاستقرار المالي، والعلاقات السياسية للعراق مع القوى الدولية.
الخلفية القانونية والاقتصادية
بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 1483، الذي هدف إلى حماية أموال العراق المتأتية من مبيعات النفط وأصول الدولة من مطالبات الدائنين والدعاوى القضائية، في ظل تراكم ديون ضخمة تعود إلى حقبة النظام السابق. في هذا السياق، صدر الأمر التنفيذي الأميركي رقم 13303، الذي منح حصانة قانونية واسعة لعائدات النفط العراقي المودعة في الولايات المتحدة، ثم جرى تجديده وتعديله لاحقاً بما يتناسب مع تطورات ملف الديون.
اقتصادياً، كان العراق في وضع هش للغاية. الديون الخارجية، وانهيار المؤسسات المالية، وغياب الثقة الدولية، كلها عوامل جعلت من هذه الآلية أداة ضرورية لإعادة إدماج العراق في النظام المالي العالمي، وتأمين تدفق منتظم للدولار اللازم للاستيراد وتمويل الموازنة العامة.
الفوائد الاقتصادية غير المباشرة
ساهم هذا الترتيب في تحقيق عدة مكاسب اقتصادية. فقد عزّز الثقة الدولية بإدارة عائدات النفط العراقي، وساعد في استقرار سعر الصرف، وقلّل من مخاطر الحجز على الأموال العراقية في الخارج. كما وفر بيئة أكثر جاذبية للشركات النفطية العالمية، التي تعمل ضمن إطار قانوني يحد من تعرضها للملاحقات القضائية المرتبطة بالنشاط النفطي في العراق.
ومن منظور مالي كلي، شكّل هذا النظام صمام أمان ضد الصدمات الخارجية، سواء الناتجة عن تقلبات أسعار النفط أو عن النزاعات القانونية مع الدائنين، وهو ما ساعد الدولة على الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار المالي في فترات بالغة الصعوبة.
كلفة السيادة والاعتماد الخارجي
في المقابل، لا يمكن فصل هذه الفوائد عن كلفتها السيادية. فالنفط يشكّل نحو تسعين في المئة من إيرادات الدولة العراقية، وإيداع هذه الإيرادات خارج البلاد منح الولايات المتحدة نفوذاً فعلياً على مفاصل الاقتصاد العراقي. وقد برز ذلك بوضوح في محطات سياسية حساسة، حين ارتبطت القرارات السيادية العراقية بإمكانية الوصول إلى هذه الأموال أو تقييدها.
هذا الوضع يعكس معضلة اقتصادية كلاسيكية تواجه الدول الريعية الخارجة من النزاعات، وهي المقايضة بين الاستقرار المالي قصير الأمد، وبناء سيادة اقتصادية كاملة على المدى الطويل. فكلما طال أمد الاعتماد على آليات حماية خارجية، تعقّد مسار الاستقلال المالي الحقيقي.
البعد الدولي وتداخل الملفات
يتقاطع ملف عائدات النفط مع ملفات قانونية وسياسية أخرى، من بينها النزاعات الحدودية البحرية وإيداع الإحداثيات لدى الأمم المتحدة بموجب اتفاقية قانون البحار. فالإيداعات العراقية المتعاقبة في أعوام 2011 و2021 و2026 تعكس محاولات متدرجة لتثبيت وضع قانوني يخدم المصالح الوطنية، لكنها في الوقت ذاته فتحت باب الاعتراضات من دول مجاورة، ما يؤكد أن الاستقرار القانوني لا يتحقق بالإيداع الأحادي، بل بالتوافق أو التحكيم الدولي.
قراءة مستقبلية
من منظور اقتصادي تحليلي، يمكن القول إن آلية إيداع عائدات النفط في نيويورك أدت دورها التاريخي في حماية العراق خلال مرحلة انتقالية استثنائية. إلا أن استمرارها بوضعها الحالي يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة العراق على بناء مؤسسات مالية مستقلة، وتنويع مصادر دخله، وتقليل اعتماده على الترتيبات الخارجية.
التحدي الحقيقي لا يكمن في الإلغاء الفوري لهذه الآلية، بل في وضع استراتيجية تدريجية تنقل العراق من منطق الحماية الخارجية إلى منطق السيادة المؤسسية، حيث تصبح الثقة نابعة من قوة النظام المالي الوطني، لا من موقع الحسابات المصرفية.
خاتمة
إيداع عائدات النفط العراقية في نيويورك ليس شأناً تقنياً أو مالياً محضاً، بل هو انعكاس لتاريخ من الصراعات، والديون، وإعادة التشكل الاقتصادي. وبينما وفّر هذا الترتيب قدراً من الاستقرار، فإنه يظل تذكيراً بأن السيادة الاقتصادية لا تُقاس فقط بحجم الإيرادات، بل بقدرة الدولة على التحكم بها ضمن منظومة قانونية ومؤسسية وطنية مستقلة.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة