اقتصاد العراق بين حماية العائدات وفقدان القرار المالي

اقتصاد العراق بين حماية العائدات وفقدان القرار المالي

الباحثة شذا خليل*
عائدات النفط العراقي في نيويورك استقرار اقتصادي أم سيادة مُدارة؟
على مدى أكثر من عقدين، تُودَع عائدات النفط العراقي في حسابات لدى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في نيويورك. ما بدأ كآلية قانونية مؤقتة بعد عام 2003 تحوّل تدريجيًا إلى أحد أهم الترتيبات الاقتصادية التي تؤثر في النظام المالي العراقي، وتوازناته السياسية، ومسار تنميته على المدى الطويل.
غالبًا ما يُناقش هذا الملف من زاوية سياسية، لكن في جوهره هو مقايضة اقتصادية بين الاستقرار المالي من جهة، والسيادة الاقتصادية من جهة أخرى.

لماذا تُودَع عائدات النفط العراقي في نيويورك؟
بعد الغزو الأميركي عام 2003، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 1483 الذي دعا إلى حماية أموال العراق الناتجة عن مبيعات النفط وأصول الدولة من الحجز القضائي من قبل الدائنين. في ذلك الوقت، كان العراق يواجه مطالبات مالية ضخمة ناتجة عن تعويضات حروب، وقروض غير مسددة، ودعاوى قانونية مرتبطة بحقبة نظام صدام حسين.
لتنفيذ هذه الحماية عمليًا، أصدر الرئيس الأميركي جورج بوش الابن الأمر التنفيذي 13303، الذي منح حصانة قانونية لعائدات النفط العراقي والأصول الحكومية من أي ملاحقات قضائية. جرى تجديد هذا الأمر وتعديله لاحقًا، ولا سيما في عام 2014، بعد أن تمكّن العراق من تسوية جزء كبير من ديونه التاريخية، بما فيها الديون للكويت.
اقتصاديًا، أدى هذا الترتيب إلى إدارة عائدات النفط عبر حسابات محمية في نيويورك، بما يمنع الدائنين من مصادرتها قبل دخولها إلى الموازنة العراقية.

الإيجابيات الاقتصادية لهذا الترتيب
حماية الإيرادات من الدائنين والصدمات المالية
عند إنشاء هذه الآلية، كانت ديون العراق تتجاوز 120 مليار دولار. من دون الحماية القانونية، كان من الممكن لأي محكمة في العالم الحجز على عائدات النفط العراقي.
هذا النظام:
• منع الإفلاس السيادي.
• منح العراق وقتًا لإعادة هيكلة ديونه.
• حافظ على قدرة الدولة على دفع الرواتب وتمويل الخدمات الأساسية.

استقرار سعر الصرف وتدفق الدولار
يشكل النفط نحو 90 بالمائة من إيرادات الدولة، بينما يعتمد الاقتصاد العراقي بشكل شبه كامل على الاستيراد. وجود الإيرادات النفطية في نيويورك يضمن تدفق الدولار إلى العراق، ما:
• يحد من تقلبات سعر صرف الدينار.
• يمنع أزمات ميزان المدفوعات.
• يوفّر تمويلًا مستقرًا للاستيراد الغذائي والطبي.
من هذه الزاوية، يعمل النظام كمرساة نقدية خارجية للاقتصاد العراقي.

تعزيز الثقة الدولية وجذب الاستثمار
تحت إشراف الاحتياطي الفيدرالي، تُعد عائدات النفط أقل عرضة للفساد أو التعطيل القانوني، ما:
• يشجع الشركات النفطية العالمية على الاستثمار.
• يقلل تكاليف التأمين والمخاطر القانونية.
• يجعل النفط العراقي من أكثر الأصول النفطية جاذبية في بيئات عالية المخاطر.

الكلفة الاقتصادية غير المعلنة
سيادة مالية منقوصة
رغم أن العراق هو المالك القانوني للأموال، فإن الوصول إليها مشروط برقابة وتحقيقات مالية مستمرة. عمليًا:
• لا يستطيع العراق التصرف بحرية كاملة بعائداته.
• تخضع التحويلات لموافقات وتدقيق خارجي.
• أي توتر سياسي قد يتحول إلى ضغط مالي مباشر.

أداة ضغط اقتصادية فعالة
بما أن الرواتب والاستيراد والموازنة تعتمد على الدولار القادم من نيويورك، فإن أي تقييد في الوصول للأموال يعني:
• شللًا اقتصاديًا سريعًا.
• ضغطًا اجتماعيًا وسياسيًا فوريًا.
وهذا يجعل النفوذ المالي أقوى من العقوبات التقليدية أو الوجود العسكري.
إضعاف بناء نظام مالي مستقل
الاعتماد طويل الأمد على هذه الآلية أدى إلى:
• هشاشة النظام المصرفي المحلي.
• تأخر تطوير إدارة الاحتياطي النقدي.
• ضعف أدوات السياسة النقدية الداخلية.
بمعنى آخر، العراق يدير أمواله لكنه لا يمتلك حرية استخدامها بالكامل.

الربط بملف الدولار والعقوبات على البنوك العراقية
هنا تتضح الصورة الأكثر حساسية اقتصاديًا.
خلال السنوات الأخيرة، شددت الولايات المتحدة رقابتها على حركة الدولار في العراق، وفرضت عقوبات على عدد من البنوك العراقية بحجة:
• غسل الأموال.
• تهريب الدولار.
• تمويل جهات خاضعة للعقوبات، لا سيما مرتبطة بإيران.
وجود عائدات النفط في نيويورك يجعل:
• كل دولار يدخل العراق خاضعًا للتدقيق.
• أي مصرف محلي مهددًا بالعزل عن النظام المالي العالمي.
• السياسة النقدية العراقية مرتبطة فعليًا بالامتثال الأميركي.
اقتصاديًا، هذا يعني أن:
• أزمة الدولار في السوق العراقية ليست أزمة سيولة، بل أزمة وصول.
• العقوبات على البنوك لا تستهدف النظام المصرفي فقط، بل تضبط سلوك الدولة ككل.
• أي محاولة للالتفاف على القيود تؤدي إلى تشديد أكبر بدل تخفيفها.

لماذا استمرت هذه الآلية حتى اليوم؟
تقول الحكومة العراقية إن هذا الترتيب:
• يحمي الاستقرار المالي.
• يعزز الثقة الدولية.
• يدعم سعر الصرف.
• يحد من نفوذ شبكات غير رسمية على الدولار.
لكن الحقيقة الاقتصادية الأوضح هي أن العراق اختار:
الاستقرار المضمون بدل المخاطرة بالاستقلال المالي الكامل.

الخلاصة
كانت آلية إيداع عائدات النفط العراقي في نيويورك طوق نجاة بعد 2003، لكنها تحولت مع الوقت إلى قيد بنيوي. هي توفر استقرارًا نقديًا وتدفقًا آمنًا للدولار، لكنها في المقابل:
• تقيّد السيادة المالية.
• تعمّق الاعتماد على النفط.
• تجعل الاقتصاد العراقي حساسًا لأي قرار خارجي.
اقتصاديًا بحتًا، العراق ليس دولة مفلسة، لكنه أيضًا ليس دولة ذات سيادة مالية كاملة. وطالما بقي النفط والدولار تحت إدارة خارجية، سيبقى الاستقرار قائمًا، لكن الاستقلال مؤجلًا

وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية