واشنطن وطهران بين.. طبول الحرب ودبلوماسية الحوار

واشنطن وطهران بين.. طبول الحرب ودبلوماسية الحوار

انتهت جولة المباحثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران والتي جرت في العاصمة السويسرية (جنيف) في السابع عشر من شباط 2026 بحضور وزير الخارجية العُماني ( بدر البوسعيدي)، ويمكن ملاحظة أن أمرًا مهمًا أن الوفد الأمريكي لم يصدر منه أي تعليق أو إشارة إلى فحوى النقاط الرئيسية التي تم مناقشتها وطبيعة الآراء التي نقلها الوزير العُماني، في حين أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد تحدث لوسائل الاعلام بعديد من الأمور التي دارت في الجولة الثانية من المباحثات وحدد أهمها ( بالتوصل إلى تفاهم بشأن المبادئ الرئيسية مع الولايات المتحدة مع اتفاق على مجموعة من المبادئ التوجيهية التي سيبنى عليها نص اتفاق محتمل) مع عدم منح أي احتمال حول اتفاق قريب لصعوبة الصياغة المطلوبة في أي اتفاق قادم.
أن حديث الوزير الإيراني لا يوحي بوجود تقدم إيجابي وملموس، بل هي نقاط رئيسية وتبادل للاراء واحتمالية في رسم ملامح لاتفاق محتمل وفق التصورات والمبادئ التقنية والتوجيهات العامة، وهذا ما يجعل صعوبة في تحديد مسار الجولة الثالثة إن عُقدت في خضم صراع سياسي وعسكري مستمر بين واشنطن وطهران وتصعيد في الخطاب السياسي الإيراني الذي أعلنه المرشد الأعلى علي خامنئي بالقول ( أن الأخطر من حاملة الطائرات هو السلاح القادر على إغراقها، ولا احد يستطيع القضاء على الجمهورية الإسلامية).
جاءت رسالة المرشد الأعلى في وقت كان المبعوث الأمريكي ( ستيف ويتكوف) يحاور وزير الخارجية الإيراني عباس عراقچي عبر الوسيط العُماني، لتكون عبارة عن رسالة سياسية تؤكد استمرار النهج والسلوك الإيراني في مواجهة الحشود العسكرية الأمريكية وأن الإيرانيين مستعدون لأي طارئ وحدث قد يقع في الأيام والاسابيع القادمة، وأن الخطاب الإيراني كان واضحًا في معانيه وطبيعة وقته وظروف إدراجه، والذي نرى أنه موجه بصورة خاصة للداخل الإيراني لرفع معنويات أبناء الشعوب الإيرانية وجميع الوكلاء والفصائل المسلحة المتحالفين مع القيادات العسكرية والأمنية التابعة للحرس الثوري الإيراني.
أن الجانب الإيراني لا يزال ساعيًا للتمسك بإعلانه أن المباحثات اخذت جانبًا وحيدًا يتعلق بالبرنامج النووي والتأكيد على عدم السعي لامتلاك السلاح النووي وإنما استخدامه لأغراض علمية وسلمية، مع التزام دائم بما اقرته إيران خلال اللقاء الذي تم مع (روفائيل غروسي) مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية والوزير الإيراني عباس عراقجي على هامش المباحثات مع الوفد الأمريكي في جنيف باعتماد مبدأ السماح لفرق التفتيش بزيارة المواقع والاماكن النووية وتعزيز الرقابة الذاتية عبر كامرات المراقبة وعودة العلاقات الإيجابية بين طهران والوكالة الدولية، إذا ما تم الاتفاق على توقيع مبادئ أولية تعيد لإيران عملية رفع العقوبات الاقتصادية عنها وإطلاق اموالها المجمدة.
وصاحبت انعقاد المباحثات الثنائية عملية إغلاق جزئي لمضيق هرمز لساعات ضمن المناورات الإيرانية التي تقوم بها القوات البحرية في مراعاتها لمبدأ السلامة والملاحة البحرية، مع حديث لقائد القوات البحرية في الحرس الثوري الإيراني بأن ( القوات مستعدة لإغلاق مضيق هرمز إذا قرر كبار القادة الإيرانيين ذلك).
واخذ الخطاب الأمريكي منحى أخر عبر عنه وزير الخارجية الأمريكي (ماركو روبيو) ولأول مرة في المؤتمر الصحفي الذي عقده في العاصمة الهنغارية ( بودابست) في السادس عشر من شباط 2026 بوصفه القيادة الإيرانية أنها (مجموعة من رجال الدين المتشددين) وأن التوصل معهم لاتفاق من الأمور الصعبة للغاية،وهذا التحول في مخاطبة إيران، يوحي لصعوبة التوصل لاتفاق ثنائي وفق الشروط الأمريكية والتي أصبحت تعطي دلالة عن الثوابت التي تلتزم بها أدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تأكيدها على ضرورة مناقشة جميع النقاط الرئيسية والملفات العالقة وأهمها ( برنامج الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة والعلاقة مع الفصائل المسلحة وطبيعة المشروع السياسي الإقليمي الإيراني) وعدم الركون فقط للبرنامج النووي الإيراني وما يتعلق به.
ودأبت القيادة العسكرية الأمريكية على توسيع دائرة انتشارها بوصول طائرة C-32B Gatekeeper التابعة لسلاح الجو الأمريكي والتابعة لقيادة العمليات الخاصة للقوات الجوية (AFSOC) والتي هبطت في مساء يوم التاسع عشر من شباط 2026 في إسرائيل، وقد تم ربط طائرة C-32B بسرب العمليات الخاصة 150 في قاعدة ماكغواير المشتركة، وتستخدم للرد على أنشطة الاستجابة للأزمات الحكومية ودعم الأنشطة الخاصة لوكالة المخابرات المركزية، ثم التهيئ لوصول حاملة الطائرات الأمريكية جيرالد فورد مع عدد من السفن القتالية إلى بحر العرب، ووصول أكثر من 50 مقاتلة أمريكية من طراز إف-35 وإف-22 وإف-16 إلى منطقة الشرق الأوسط، ثم جاء خطاب الرئيس ترامب خلال الاجتماع الافتتاحي الأول لـ(مجلس السلام) الخاص بإعادة بناء وتأهيل قطاع غزة في واشنطن بالقول (سنعرف خلال الأيام العشرة المقبلة ما إذا كنا سنتوصل إلى اتفاق مع إيران)، في ظل المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، وحذر بالوقت ذاته من التصعيد إذا فشلت المفاوضات، وحدد 15 يوما كحد اقصى للتوصل إلى اتفاق مع إيران (وإلا فسيكون الأمر مؤسفا لهم).
أن الولايات المتحدة الأمريكية ماضية في تنفيذ مهامها العسكرية مع الضغط السياسي الذي تمارسه بضرورة قبول إيران لما تضمنت الورقة الأمريكية التي قدمها (ويتكوف) للوفد الإيراني والتي على القيادة الإيرانية تحديد مواقفها مع بداية شهر آذار 2026،في وقت تؤكد إيران استعدادها لتقديم تنازلات محدودة في عملية نقل اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪ إلى الخارج أو تعليق التخصيب لمدة محددة ورفض عملية إيقاف التخصيب بشكل كامل، مع تأكيدها على توسيع عملية التعاون التجاري مع الولايات المتحدة الأمريكية في مجال الاستثمار الاقتصادي والمالي في كافة المجالات وعلى جميع الأصعدة ومنها ( النفط والغاز)، ولكن الإدارة الأمريكية متمسكة بسياسة الضغط القصوى ومنها ( التجريد النووي) وتفكيك برنامج الصواريخ وإيقاف أي توجهات خاصة بالمشروع الإقليمي الإيراني في التوسع والنفوذ بمنطقة الشرق الأوسط والوطن العربي، مع الإزالة الكاملة للقدرات النووية الإيرانية والصاروخية.
أن الايام القادمة ستكون كفيلة بحدوث مواجهة عسكرية شاملة قد تمتد لأسابيع مع استخدام فعال لجميع صنوف الأسلحة والمعدات من الطائرات المقاتلة والسفن الحربية والغواصات العائمة والصواريخ البالستية، مع اعتماد مبادئ الحرب الإلكترونية والأمن السيبراني وتعطيل أجهزة القيادات الرئيسية واستهدافها امنيًا وعسكريًا، أو المضي في تنفيذ الشروط الأمريكية التي تسعها إليها إدارة الرئيس ترامب، الذي منح مهلة اسبوعين لمعرفة حقيقة الرد الإيراني، وإلا فإن المسار العسكري سيكون بديلًا عن الحوار السياسي والمسار التفاوضي، مع اخذ بنظر الاعتبار شمولية الرد الإيراني وابعاده العسكرية والميدانية، والذي تتعامل معه القوة العسكرية الأمريكية بما يعطي مديات واسعة لإطالة أمد المواجهة والتي ستأخذ مسارات متعددة وبأوجه من الحرب المفاجأة والأهداف العسكرية في العمق الإيراني والتي قد تحدد مستقبل وبقاء النظام السياسي الإيراني.

وحدة الدراسات الإيرانية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة