هندسة البيئة الأمنية في الداخل الإيراني الأدوات وآفاق الاستقرار

هندسة البيئة الأمنية في الداخل الإيراني الأدوات وآفاق الاستقرار

تكتسب المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية أهميتها عبر نتائجها الميدانية وما افصحت عنه النوايا الإيرانية والأهداف الأمريكية في اعتماد مذكرة التفاهم مرحلة مؤقتة لإعادة ترتيب المواقف الثنائية للبلدين، فلكل منهما استراتيجيته وآفاقه المستقبلية للتعامل مع النتائج التي افرزتها أسابيع المواجهة العسكرية عبر العديد من المواقف والمتغيرات الميدانية والابعاد الأمنية والاقتصادية.
الأبعاد الإيرانية في قرارات المؤسسة الحاكمة أصبح موزعًا بين مؤسسات متعددة أهمها حضورًا الحرس الثوري الإيراني بقياداته العسكرية وتوجهات الأمنية وفعالياته الاستخبارية، ومجلس صيانة الدولة والمجلس الأعلى للأمن القومي ومجلس الدفاع المشترك، ولكن بقي القرار الأهم هو ما تتبناه المؤسسات الثورية التابعة للحرس الثوري الذي لم يعد مجرد قوة عسكرية تنفيذية، بل فاعلًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا لا يمكن تجاوزه من قبل جميع الدوائر التنفيذية والتشريعية والقضائية الإيرانية.
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يعمل ضمن حدود مهامه التنفيذية ولا يبتعد عنها بل يلتزم بالتوجهات المركزية التي يعكف على متابعتها قيادات الحرس الثوري وتتلقى الدعم من قبل المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، ويعتمد اسلوب إدارة الحكم ضمن قواعد أساسية تفرضها حالة الصراعات السياسية والاختلافات الفكرية التي تتسم بها العلاقة بين التيارات السياسية ضمن حدود يفرضها ميزان القوى داخل اروقة النظام الإيراني، وفق المتغير السياسي الذي يتطلب حضورًا فاعلًا في الهيئات السيادية ابعدها عملية انتخاب رئيسًا معتدلًا في أي متغيرات أمنية تتعلق بالمشهد السياسي الإيراني.
تتأخذ الأساليب المتبعة في التمسك بالنظام وأحكام السيطرة على مقاليد البلاد باستشراف حالة واقعية تعتمد نموذجًا ايجابيًا يحدد مستقبل إيران وإمكانية الحفاظ على قدراته في المواجهة والسيطرة ليصبح السؤال القائم ( هل سيبقى النظام أم يسقط)؟ وما حدود أدوات التكيف التي من الممكن أن تساعد في ديمومة النظام وتأثيره الداخلي واحتوائه للأزمات التي تعصف بالمجتمع الإيراني ومن أين يبدأ في التحول الميداني عندما يستشعر بتوسع دائرة التآكل البنيوي؟
أسئلة دقيقة وحالات قائمة ومتغيرلت تصاعدية، تحتاج إلى أجوبة شافية ورؤية صادقة ونظرة ثاقبة، فالتآكل الداخلي قائم بمؤشرات لايمكن تجاهلها والتغاضي عنها بازدياد السخط الاقتصادي المستمر والاحتجاج الشعبي القائم والرفض الجماهيري لمجمل السياسات التي يتبعها أركان النظام وعدم مقدرتهم على إيجاد الحلول الجذرية لمواجهة النسب المرتفعة لظاهرتي التضخم المالي والبطالة المجتمعية وتراجع القدرة الشرائية وانخفاض العملة المحلية وانكماش الاقتصاد وضعف الإجراءات تجاه دعم القطاع الخاص الذي أصبح يشعر بتدهور الأوضاع الداخلية على كافة الأصعدة بضعف الإنتاج المحلي وسوء الخدمات العامة وانعدام الاستثمارات المالية وارتفاع أسعار المواد الغذائية والاساسية التي تمثل قوت الشعب، وانعدام الثقة بين شريحة مهمة من المجتمع تمثلها الأجيال الشابة بمؤسسات الدولة وقدرات النظام السياسي، وأصبحت هذه الفئة اقل ارتباطًا بالذاكرة الثورية من الرعيل الأول الذي تمكن من الهيمنة على السلطة واسقاط الشاه في شباط 1979، وسعيهم بالمنادة بالتغيير والإصلاح وإعداد البرامج الاقتصادية والخطط المستقبلية وتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين جميع أفراد الشعب وتعزيز فرص التنمية المجتمعية.
ومثلت عملية هجرة الكفاءات العلمية من العلماء والفنيين والأطباء والمفكرين، حالة استنزاف مستمرة للقدرات العلمية والاقتصادية وساعدت على اتساع ظاهرة التآكل في البنيان السياسي للنظام الحاكم.
وتبقى هناك ركائز ساعدت على بقاء السلطة الحاكمة الإيرانية متماسكة، أولها الولاء التام لعناصر المؤسسات الأمن والعسكرية وعلى رأسها القيادات العاملة في الحرس الثوري بدفاعها الميداني وانتمائها العقائدي ومنع أي حالة انشقاق بين صفوفها وداخل النخبة الحاكمة، ثم قدرة النظام على إنتاج وتوجيه شرعيته بالخطاب الثوري الشعبوي والقومي الداعم لسياسة الصمود الأمني ، مع عدم وجود بديل سياسي منظم قادر على إدارة الدولة في مرحلة انتقالية تعقب نهاية النظام.
وهنا تبرز نقطة رئيسية ذات طابع سياسي حول قدرة اركان النظام بتحويل ( الصمود الأمني) إلى استقرار اقتصادي واجتماعي يعيد تركيبة المؤسسات التنفيذية الداعمة للنظام وتزيد من بقاء النظام عبر عديد من التحولات الاقتصادية وإعادة النظر بالمنهجية الاستثمارية والخطط التنموية التي تساهم في الحد من المعاناة الشعبية، والتي أن تحققت فإن النظام ستستمر ديمومته وتأثيره الفاعل حتى مع استمرار الانتقادات وتنامي الاحتجاجات الشعبية، وأن لم يستطع النظام وأدواته الأمنية والعسكرية من تحقيق استقرار اقتصادي داعم للصمود الأمني فإن الضغوط الشعبية ستكون حاضرة عبر ثورة شعبية أو تآكل تدريجي لقدرة النظام واجهزته على تعبئة المجتمع، وتراجع الكفاءة الاقتصادية واتساع الفجوة بين أبناء الشعوب الإيرانية والنخبة الحاكمة المسيطرة على البلاد .
وهنا تبرز قدرة الدولة الإيرانية على التعامل مع نتائج المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية، باتباعها خطوات ميدانية للتحول من دولة الثورة إلى دولة المؤسسات وإعادة تعريف المشروع الإقليمي من النفوذ العسكري إلى النفوذ المركب ( الأمني والاقتصادي والدبلوماسي) وبناء منظومة أمنية تستند للاقتصاد البناء والتكامل الداعم لسياسة النظام، والأخذ بالاعتبار أن أي تفاهم أمريكي – إيراني لن يؤسس لمشروع يؤدي لإنهاء الدور الإقليمي لإيران، بل مشروعًا لإعادة هندسته وهذا ما تسعى إليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بانتقال طهران من استراتيجية ( النفوذ عبر الصراع إلى استراتيجية النفوذ عبر التوازن والابقاء على قدرة الردع كضمانة ميدانية مع توسيع أدوات القوة الاقتصادية والدبلوماسية كوسائل لتعزيز المكانة الإقليمية).

وحدة الدراسات الإيرانية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة