596 تريليون دينار أُنفقت على الكهرباء… فلماذا تحوّل هذا الإنفاق إلى أزمة اقتصادية مزمنة؟

596 تريليون دينار أُنفقت على الكهرباء… فلماذا تحوّل هذا الإنفاق إلى أزمة اقتصادية مزمنة؟


الباحثة شذا خليل*
منذ عام 2005 وحتى عام 2023، تداولت وسائل إعلام وتصريحات سياسية رقماً صادماً يفيد بأن الإنفاق على قطاع الكهرباء في العراق بلغ نحو 596 تريليوناً و265 مليار دينار. غير أن هذا الرقم لا ينبغي عرضه بوصفه حقيقة نهائية قبل نشر كشف رسمي موحّد يوضح النفقات سنةً بعد سنة، ويفصل بين الإنفاق الاستثماري، والتشغيلي، ودعم الوقود، وأجور الموظفين، واستيراد الغاز والكهرباء. ومع ذلك، لا يحتاج العراقي إلى رقم واحد كي يدرك حجم المشكلة؛ فالمؤسسات الدولية نفسها تؤكد أن قطاع الكهرباء استنزف موارد مالية ضخمة، بينما بقي عاجزاً عن توفير خدمة مستقرة تتناسب مع حجم الإنفاق.

إن السؤال الحقيقي ليس: كم أنفق العراق؟ بل: ما القيمة الاقتصادية والاجتماعية التي حققها كل دينار أُنفق؟

أزمة كهرباء أم أزمة إدارة مالية؟

اقتصادياً، لا تُقاس كفاءة أي قطاع بحجم موازنته، بل بالعائد الناتج عن الإنفاق. فإذا زادت النفقات من دون تحسن مماثل في ساعات التجهيز، وكفاءة الشبكة، والإيرادات، واستقرار الإنتاج، فإن الإنفاق يتحول من استثمار منتج إلى عبء متكرر على الموازنة.

يشير صندوق النقد الدولي إلى أن قطاع الكهرباء العراقي يسترد جزءاً محدوداً جداً من تكاليفه، وأن خسائره السنوية تجاوزت 3% من الناتج المحلي الإجمالي، وقد ترتفع إلى أكثر من 6% عند احتساب دعم الوقود الضمني. وهذا يعني أن المشكلة ليست فنية فقط، بل تمثل نزيفاً مالياً يؤثر في قدرة الدولة على الإنفاق على الصحة والتعليم والمياه والبنية التحتية.

هذه الحالة تمثل ما يسمى اقتصادياً تكلفة الفرصة البديلة. فالأموال التي تُستهلك سنوياً لتغطية خسائر قطاع الكهرباء كان يمكن توجيهها إلى بناء المدارس والمستشفيات وشبكات النقل، أو إلى تمويل مشاريع إنتاجية تخلق فرص عمل وتساعد على تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط.

الإنفاق لا يساوي الاستثمار

يجب التمييز بين نوعين من الإنفاق:

الإنفاق الاستثماري، الذي يضيف محطات إنتاج جديدة، ويطور شبكات النقل والتوزيع، ويزيد القدرة الفعلية للمنظومة.

والإنفاق التشغيلي، الذي يشمل الرواتب والصيانة والوقود وشراء الغاز والكهرباء وتسديد الالتزامات اليومية.

قد تبدو الموازنة المخصصة للكهرباء ضخمة، لكن إذا ذهبت نسبة كبيرة منها إلى المصاريف التشغيلية والدعم والاستيراد، من دون بناء أصول طويلة الأجل، فإن القطاع يبقى معتمداً على الإنفاق الحكومي في كل سنة. وهذا يفسر جزئياً كيف يمكن إنفاق مبالغ هائلة من دون إنهاء العجز.

المشكلة، إذن، ليست فقط في قلة المشاريع، بل في تركيب الإنفاق: كم ذهب إلى الإنتاج؟ كم ذهب إلى النقل؟ كم أُنفق على التوزيع والجباية؟ وكم استُهلك في دعم الوقود والعقود والصيانة والاستيراد؟

الحلقة المفرغة: دعم مرتفع وإيرادات منخفضة

يعاني قطاع الكهرباء العراقي من حلقة مالية مغلقة:

الدولة تنتج الكهرباء بكلفة مرتفعة، ثم تبيعها بأسعار مدعومة، بينما تبقى الجباية ضعيفة، وتتعرض الشبكة للتجاوزات والضياعات. ومع انخفاض الإيرادات، تعجز المؤسسات عن تمويل الصيانة والتطوير من مواردها، فتعود مرة أخرى إلى الموازنة العامة للحصول على التمويل.

ووفق تقديرات صندوق النقد الدولي، لا يسترد القطاع سوى جزء صغير من كلفته. لذلك فإن زيادة الإنتاج وحدها، من دون إصلاح العدادات والجباية والتجاوزات، قد تؤدي إلى زيادة كمية الكهرباء المهدرة بدلاً من حل الأزمة.

لكن الإصلاح لا يعني تحميل المواطن الفقير تعرفة مرتفعة فجأة. المطلوب هو نظام تدريجي يحمي الاستهلاك الأساسي للأسر محدودة الدخل، بينما يفرض سعراً أقرب إلى التكلفة على الاستهلاك العالي والمؤسسات التجارية القادرة على الدفع. كما يجب أن يسبق تعديل الأسعار تحسين حقيقي في الخدمة والجباية، لأن المواطن لا يمكن أن يُطلب منه دفع المزيد مقابل كهرباء غير مستقرة.

خسائر الشبكة: كهرباء تُنتج ولا تصل

جزء مهم من الأزمة يحدث بعد إنتاج الكهرباء. فالشبكات القديمة، والاختناقات في النقل، وضعف التوزيع، والتجاوزات، وعدم دقة القياس تؤدي إلى فقدان جزء كبير من الطاقة قبل أن تصل إلى المستهلك أو قبل أن تُجبى قيمتها.

تؤكد وثائق البنك الدولي أن شبكات الكهرباء العراقية تحتاج إلى استثمارات كبيرة لتحسين الجودة وتقليل الخسائر الفنية والتجارية، وأن إصلاح قطاع التوزيع ضروري لرفع الكفاءة المالية والتشغيلية.

ومن منظور اقتصادي، فإن بناء محطة جديدة من دون إصلاح الشبكة يشبه ضخ الماء في أنبوب مثقوب. قد ترتفع القدرة الإنتاجية على الورق، لكن المواطن لا يحصل على الزيادة كاملة، ولا تحصل الدولة على الإيرادات التي تغطي تكلفتها.

الغاز المحروق والاستيراد: مفارقة بلد غني بالطاقة

يمتلك العراق موارد كبيرة من النفط والغاز، لكنه ظل يعتمد جزئياً على الوقود المستورد لتشغيل محطات الكهرباء، في الوقت الذي يُحرق فيه جزء من الغاز المصاحب في الحقول النفطية.

ترى وكالة الطاقة الدولية أن استثمار الغاز المحروق وتحسين كفاءة المحطات والشبكات يمكن أن يساعد العراق في سد جزء كبير من فجوة الكهرباء وتقليل الاعتماد على الاستيراد. كما تشير الوكالة إلى وجود فرص كبيرة لاستخدام الطاقة الشمسية وتنويع مصادر الإنتاج.

هذه المفارقة تخلق ثلاث خسائر في وقت واحد:

يخسر العراق مورداً طاقياً يمكن استخدامه محلياً، ويتحمل تكلفة استيراد بديل عنه، ثم يدفع تكلفة اقتصادية إضافية بسبب انقطاع الكهرباء.

لذلك لا يمكن فصل إصلاح الكهرباء عن سياسة الغاز. إن جمع الغاز المصاحب، ومعالجته، وربطه بمحطات التوليد، ليس مشروعاً بيئياً فقط، بل هو إصلاح مالي واستراتيجي يقلل فاتورة الاستيراد ويعزز أمن الطاقة.

كلفة الكهرباء غير المجهزة

لا تقتصر خسائر الأزمة على موازنة وزارة الكهرباء. فعندما تنقطع الطاقة، تتحمل الأسر تكاليف الاشتراك بالمولدات وشراء الوقود وصيانة الأجهزة. كما تتحمل الشركات تكاليف إنتاج أعلى، وقد تضطر المصانع إلى تشغيل مولدات خاصة أو خفض ساعات العمل.

وقدّرت وكالة الطاقة الدولية أن عدم قدرة العراق على توفير الكهرباء الكافية كلّف اقتصاده مبالغ ضخمة بسبب الإنتاج المفقود وكلفة البدائل، كما أن ارتفاع كلفة المولدات يضغط بصورة خاصة على المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

وهنا تظهر الضريبة الخفية للكهرباء: المواطن يدفع مرة من الضرائب والمال العام لتمويل القطاع الحكومي، ثم يدفع مرة ثانية للمولدات الخاصة، وقد يدفع مرة ثالثة من خلال ارتفاع أسعار السلع والخدمات، لأن التاجر أو المصنع يضيف كلفة الطاقة إلى سعر المنتج.

الكهرباء وتعطيل القطاع الخاص

لا يستطيع اقتصاد حديث جذب الاستثمارات من دون كهرباء مستقرة. فالمستثمر لا ينظر فقط إلى سعر الأرض أو الإعفاءات الضريبية، بل يسأل عن الطاقة، والنقل، والقضاء، والنظام المصرفي.

ضعف الكهرباء يرفع كلفة الإنتاج، ويقلل القدرة التنافسية، ويجعل الاستثمار في العراق أكثر مخاطرة. وقد وصف صندوق النقد الدولي عدم انتظام الكهرباء بأنه أحد القيود الرئيسة أمام نمو القطاع الخاص.

لذلك فإن إصلاح القطاع ليس خدمة اجتماعية فقط، بل شرط أساسي لتنويع الاقتصاد. فمن دون كهرباء مستقرة، يصعب تطوير الصناعة والزراعة الحديثة والسياحة والخدمات الرقمية، ويبقى الاقتصاد مرتبطاً بالإنفاق الحكومي وعائدات النفط.

لماذا لم يتحول الإنفاق إلى نتائج؟

يمكن تفسير ضعف العائد من الإنفاق بعدة عوامل مترابطة:

أولاً، غياب خطة طويلة الأجل تربط مشاريع التوليد والنقل والتوزيع والوقود ضمن منظومة واحدة.

ثانياً، التركيز المتكرر على زيادة القدرة الاسمية للمحطات، من دون معالجة الوقود والصيانة والشبكات والجباية.

ثالثاً، ضعف الشفافية في العقود، وعدم نشر بيانات تفصيلية تسمح للمواطن والبرلمان والباحثين بمقارنة الإنفاق بالنتائج.

رابعاً، تغير الخطط بتغير الحكومات والوزراء، ما يؤدي إلى مشاريع متفرقة لا تعمل دائماً ضمن رؤية موحدة.

خامساً، ضعف المساءلة عن المشاريع المتأخرة أو المتوقفة أو التي لا تعمل بطاقتها التصميمية.

سادساً، تشوه نظام التعرفة والجباية، واستمرار التجاوزات والضياعات، ما يحرم القطاع من الموارد اللازمة للصيانة والاستثمار.

هذه العوامل تعني أن الأزمة ليست نقصاً في الأموال وحده، بل خللاً في الحوكمة والتخطيط والتنفيذ والمتابعة.

ما الإصلاح المطلوب؟

الحل لا يتمثل في تخصيص موازنة جديدة فقط، بل في تغيير طريقة إدارة القطاع.

يجب أولاً إجراء تدقيق مالي وفني مستقل لجميع الإنفاق والعقود الكبرى منذ عام 2005، ونشر نتائجه للرأي العام. ويجب أن يوضح التدقيق قيمة كل مشروع، ونسبة إنجازه، وطاقته التصميمية، وطاقته الفعلية، والأموال المدفوعة، وأسباب التأخير.

ثانياً، ينبغي اعتماد موازنة مرتبطة بالأداء. فلا تُقاس وزارة الكهرباء بحجم ما تنفقه، بل بمؤشرات واضحة، مثل ساعات التجهيز، وانخفاض الضياعات، وزيادة الجباية، وتحسن كفاءة الوقود، وانخفاض كلفة إنتاج الكيلوواط.

ثالثاً، يجب إعطاء الأولوية لإصلاح شبكات النقل والتوزيع والعدادات الذكية قبل الاستمرار في إضافة طاقات إنتاجية لا تستطيع الشبكة استيعابها.

رابعاً، ينبغي تسريع استثمار الغاز المصاحب، وتقليل الاعتماد على الوقود المستورد، وتنويع مصادر الطاقة من خلال مشاريع شمسية مدروسة.

خامساً، يجب إصلاح التعرفة تدريجياً، مع حماية الأسر محدودة الدخل، وربط أي زيادة في الأسعار بتحسن ملموس في الخدمة.

سادساً، ينبغي إخضاع العقود الكبرى للمنافسة العلنية والرقابة، ومنع تجزئة المشاريع أو تغيير تكاليفها من دون مبررات منشورة.

الخلاصة: القضية ليست رقماً بل عقداً كاملاً من المساءلة

قد يكون الرقم المتداول، 596 تريليوناً و265 مليار دينار، صحيحاً أو مبالغاً فيه أو شاملاً لنفقات لا تدخل كلها ضمن الاستثمار المباشر. لكن مجرد وجود خلاف كبير حول الرقم يكشف مشكلة أخطر: غياب قاعدة بيانات مالية موحدة وشفافة يستطيع المواطن الرجوع إليها.

إن الشعب لا يحتاج إلى سماع رقم مذهل جديد، بل يحتاج إلى معرفة ماذا تحقق مقابل المال العام. كم محطة بُنيت؟ كم ميغاواط دخل فعلياً إلى الشبكة؟ كم انخفضت الخسائر؟ كم تحسنت ساعات التجهيز؟ ومن المسؤول عن المشاريع المتعثرة؟

إن أزمة الكهرباء في العراق ليست أزمة إنتاج فقط، بل أزمة إدارة وشفافية واقتصاد سياسي. وطالما بقي تقييم النجاح مرتبطاً بحجم التخصيصات لا بحجم النتائج، ستستمر الموازنات في الارتفاع، وسيبقى المواطن يدفع ثمن الكهرباء مرتين: مرة للدولة، ومرة للمولد.

والسؤال الذي يجب أن يُطرح ليس: كم سننفق في العام المقبل؟

وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية