إيران: صعود الدولة الأمنية وإعادة تشكيل السلطة.. (2)

إيران: صعود الدولة الأمنية وإعادة تشكيل السلطة.. (2)

اياد العناز

تتسم القرارات الاخيرة التي أصدرها المرشد الأعلى مجتبى خامنئي الخاصة بتعين قيادات عسكرية أمنية في مفاصل مهمة ودوائر حساسة داخل بنية النظام الإيراني، بأنها تنتمي إلى مدرسة الحرس الثوري التي تلقت عديد من البرامج والخطط الاستراتيجية الخاصة بتنفيذ المشروع السياسي الإقليمي للعقيدة السياسية والأمنية الإيرانية في بناء القوة العسكرية وتعزيز أدوات الردع ورفع الجاهزية في سياسة التمدد والنفوذ والهيمنة الإقليمية، إضافة إلى امتلاكها خبرة واسعة في إدارة العمليات العسكرية والعمل الاستخباري وتعزيز منظومة الأمن الداخلي، وتتلقى الدعم من الدوائر المحيطة بالمرشد الأعلى.
التوجه الإيراني ينطلق من محورين أساسيين يتمثل في إعادة بناء القدرة والامكانية في الاستمرار بالمواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية مع إعطاء فسحة ممكنة للمسار التفاوضي على أن تكون نتائجها تتلائم وتوجهات المؤسسة الأمنية في قراراتها التي تحظى بموافقة القيادات العليا.
تأتي القرارات في وقت تصاعدت فيه حدة الخلافات حول إمكانية فتح مضيق هرمز ومرور السفن والناقلات وانتظار ما ستسفر عنه نتائج الاجتماعات الإيرانية – العُمانية لتحديد المسار الضامن لحماية خطوط وامدادات التجارة الدولية والطاقة العالمية، استنادًا للتحركات السياسية الباكستانية والقطرية، كما وأنها تعني اهتمامًا وتوجهًا داخليًا لتعزيز نفوذ الحرس الثوري في صناعة القرار الأمني الإيراني.
أن أول اختبار سيواجه القيادات العسكرية والأمنية في قيادة الجيش والحرس الثوري الإيراني، هو الترتيبات القادمة في مضيق هرمز، فإذا تمكنت الحوارات العربية والإقليمية من إقناع الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بالوصول لتفاهمات مشتركة حول مسار وخطط الملاحة البحرية وإدارتها والمتعلقات بها من تقديم الخدمات والكلف المادية المتحققة منه، وهو ما يمكن اعتماده اختباراً خارجيًا فأي اتفاق قادم لا يمكن اعتباره فقط ترتيب في إجراءات بحرية ملاحية، بل هو رؤية لمعرفة قدرة ايران بعد التغييرات الأخيرة على ضبط توجهات الحرس الثوري وقدرة حكومة الرئيس مسعود بزشكيان على تحويل التفاهمات السياسية والاتفاق عليها لمكاسب داخلية اقتصادية توصله لغاية يسعى إليها برفع جزء من العقوبات الأميركية وإطلاق الأموال المجمدة الإيرانية لمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها الشعوب الإيرانية، وهذا يتأتى من نتائج المباحثات بين طهران ومسقط وبمتابعة إقليمية عربية، فإذا ما نجحت في أحداث ترتيبات في مضيق هرمز وبدأت حركة الملاحة فيه بشكل مستدام فإنها يتحقق لإيران مكاسب اقتصادية وسياسية، وإذا ما حصل وأن تعثرت المفاوضات والحوارات برفض احد الطرفين الأمريكي والإيراني لشروط أحدهما، فقد تتجه الأوضاع إلى حالة من التصادم وإمكانية العودة لمواجهة عسكرية أكثر ضراوة ينتج عنها زيادة في سوء الأحوال المعيشية والاقتصادية التي أصبحت احد الملامح الرئيسية للمجتمع الإيراني، وهنا تبدأ نقطة مهمة تحتاج فيها المؤسسات الأمنية والاستخبارية لأدوات ووسائل انضباطية للسيطرة على الداخل وينطلق الاختبار الثاني للقيادات الجديدة في اعتمادها لخطط ومسارات لمنع أي نشاط لقوى المعارضة الإيرانية يؤدي لاحتجاجات شعبية ورفض لسياسات النظام الداخلية والخارجية، ويبرز التوجه الرئيسي للقيادات في تحويل الاحتجاجات من حاجة شعبية جماهيرية إلى صورة تهدد الأمن القومي الإيراني لكي تتمكن من تشديد الفعاليات الأمنية على القيادات المناهضة للنظام وتعزيز الرقابة والمتابعة الأمنية لتحركاتها وتوسيع دور الحرس الثوري والأجهزة الأمنية في التصدي لها ومنع أي تصدع وخلاف في هيكلية النظام وتهديده داخليًا، واعتبار أي تظاهرة عمل سياسي معادي للدولة الإيرانية واستهداف لوجودها وأنها تمثل عدوانًا خارجيًا عليها وربط أي اضطراب شعبي لاختراق أمني خارجي.
إذا نجح الاتفاق العُماني الإيراني سيمنح مساحة دبلوماسية يتمكن فيها الرئيس مسعود بزشكيان من التحرك واستعادة بعضًا من وزنه السياسي باعتباره يمثل الواجهة الدستورية والدبلوماسية للدولة، وإذا ما فشل المسار التفاوضي وأصبح محدودًا، فإن الاجنحة الأمنية في القيادات العليا للحرس الثوري والأجهزة الأمنية التنفيذية ستعلن فشل الحوار التفاوضي والحوار الدبلوماسي في تحقيق الأمن وضمانة حماية الشرعية الإيرانية وتحقيق الأهداف العليا في رفع العقوبات، وهي الخطوات التي ستعتمدها هذه القيادات في تحويل عقيدة الدولة الإيرانية الثورية إلى اتخاذ الخطوات التي توصلها للنتائج الميدانية في اعتماد هيكلية الدولة الأمنية بكل أشكالها وادواتها ووسائلها في الهيمنة والسيطرة الداخلية وتحديد القرارات السياسية ومسارات التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهنا يبدأ تراجع دور الرئيس الايراني أمام الجموح العالي للقيادات الأمنية والعسكرية.
توجه المرشد الأعلى مجتبى خامنئي نحو دعم المسار الأمني للدولة الإيرانية، وهو لا يحتاج لوقت لتحديد هذا المسار وبناء أجهزة وإعداد كوادر وقيادات أمنية، فهو يمتلك علاقات تمتد لعقود من الزمن داخل المؤسسة الأمنية الايرانية التي أصبحت اليوم الأكثر قدرة على حماية النظام وإدارة الصراع الداخلي، والواجهة الدستورية يمكن لها البقاء لكن مفاتيح الأمن والقوة الصلبة تكون في دائرة أكثر قربًا من مركز القيادة.
سنكون أمام رؤية ميدانية إيرانية تعتمد مبدأ مساندة الحرس الثوري للقيادة الإيرانية، أم قيادة تعتمد على عناصر وقيادات الحرس لإعادة بناء الدولة الأمنية؟ والميدان يرجح سيطرة واضحة للاجهزة الأمنية والاستخبارية والمؤسسات الاقتصادية التابعة للحرس الثوري الإيراني، وهو ما يعني إعادة بناء مركز السلطة الإيرانية على اساس شبكات أمنية وهيئات استخبارية واكبت نشوء النظام الإيراني منذ عهود من الزمن، وهي الأدوات والشبكات التي يستمد مجتبى خامنئي قدرته وإمكانيته من داخلها لا من امتلاكه لها منفردًا حتى لو امتلك علاقات واسعة وذات تأثير كبير مع بعض من قيادات الحرس والأجهزة الأمنية فإن ذلك لا يعني امتلاكه تلقائياً الشرعية الدينية والسياسية التي امتلكها والده في السيطرة على شبكة العلاقات التاريخية وقدرته على إدارة التوازن بين الحرس الثوري ورجال الدين ورئاسة البرلمان وقيادة الدولة الإيرانية.
النظام الإيراني يحتاج للحرس الثوري للحفاظ على بقائه وضمان تأثيره داخليًا بتحقيق الأمن وتمكين مؤسسات الدولة من التواصل والعمل، لتصبح قيادات الحرس أكثر نفوذاً وشريكًا في صناعة القرار السياسي الإيراني.