إنترنت “طبقي”؟: دلالات الجدل حول استخدام موقع “انستجرام” في إيران

إنترنت “طبقي”؟: دلالات الجدل حول استخدام موقع “انستجرام” في إيران

رغم القيود العديدة التي تفرضها السلطات الإيرانية على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض محركات البحث على شبكة الإنترنت؛ إلا أن ذلك لم يمنع مستخدمي هذه المواقع من محاولة الوصول إليها، من خلال استخدام شبكات خاصة افتراضية تسمح لهم بالدخول على المواقع المحظورة، لا سيما عقب دعوة الرئيس حسن روحاني المواطنين إلى المشاركة في شبكات التواصل الاجتماعي على نطاق واسع، من خلال حوار تلفزيوني له في شهر مايو 2014، تم وقف بثه بعد تدخل قيادات تنتمي لتيار المحافظين الذي يوجه انتقادات قوية للرئيس بسبب السياسات التي يتبناها على الصعيدين الداخلي والخارجي.

وقد كان موقع “انستجرام” آخر المواقع التي فرضت السلطات قيودًا على استخدامها، لكن ذلك لم يحل دون الوصول إلى الموقع، ونشر صور بعض المواطنين الإيرانيين عليه، بل إن التوسع في استخدام الموقع أدى إلى انتشار بعض الظواهر الجديدة، مثل تحوله، في بعض الأحيان، إلى منتدى لإبراز الفوارق الاجتماعية، الأمر الذي دفع السلطات المعنية إلى التدخل هذه المرة ليس عبر تشديد الحظر على الدخول إلى الموقع، ولكن من خلال العمل على التوسع في نشر صور تعود إلى شباب الطبقة الوسطى والفقيرة، إلى جانب حذف صور شباب الأثرياء التي أثارت مشكلات اجتماعية عدة داخل المجتمع، لا سيما في ظل الحديث عن أن أغلب هؤلاء الشباب من أبناء النخبة السياسية التي تحظى بحرية استخدام الإنترنت.

صراع نوعي:

في ظل تصاعد حدة التداعيات الاقتصادية للعقوبات الدولية المفروضة على إيران بسبب أزمة ملفها النووي، والتي لم تتمكن سياسات التقشف التي تبنتها الحكومات المتتالية من احتوائها بشكل كبير، أثارت الصور التي نُشرت على موقع “انستجرام” -ولا تزال تُنشر- لشباب إيراني من الطبقة العليا؛ ردود فعل واسعة داخل إيران وخارجها على حد سواء، في ظل السمة المحافظة التي يتسم بها المجتمع الإيراني، وما يُبديه بصفه مستمرة رجال الدين الإيرانيون من انتقادات واسعة للدول الغربية بسبب النمط المادي الاستهلاكي. وعلى ضوء ذلك، انقسمت ردود الفعل حول هذه الصور بين الترحيب بكشف الوجه الخفي للنخبة الإيرانية، وانفصالها عن المجتمع، والتعبير عن الاستياء من وجود هذا النمط من الحياة في دولة تفرض الأزمات الاقتصادية تداعيات سلبية عديدة على مواطنيها.

وفي هذا السياق، تسبب حساب “Rich Kids of Tehran” في إثارة نوعٍ من الصراع الطبقي على صفحات الطبقة العليا والطبقات الوسطى والدنيا، لا سيما في ظل وصول عدد متابعي هذا الحساب إلى 40 ألف متابع، حسب بعض التقديرات، خاصة أنه يعرض صورًا لأغنياء طهران ومقتنياتهم المختلفة، الأمر الذي دفع شباب الطبقة الوسطى إلى إنشاء حساب “Poor Kids Of Tehran” الذي يركز على أوضاع الفقراء والفروق الطبقية.

وقد كشف تقرير نشرته صحيفة “التايمز” البريطانية في 15 ديسمبر 2014، تحت عنوان “Iranian hardliner sees bigger picture” أن ثمة ازدواجية تعتري سلوك النظام الإيراني في التعامل مع حظر الإنترنت من خلال منع العديد من المواقع الإلكترونية لعامة الشعب، وإصدار أحكام قضائية ضد بعض المواطنين تقضي بالحبس مددًا مختلفة، وفي الوقت نفسه منح النخبة السياسية حق الولوج إليها بحرية، وهو ما يظهر من خلال نشاط العديد من السياسيين الإيرانيين على مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى رأسهم الرئيس حسن روحاني، ووزير الخارجية محمد جواد ظريف، ورئيس مجلس الشورى الإسلامي علي لاريجاني. 

وتجدر الإشارة إلى أن إيران في مقدمة دول الشرق الأوسط التي تزودت بخدمة الإنترنت منذ عام 1993، حيث تأتي في المرتبة الثانية بعد إسرائيل في هذا السياق، ورغم فرض مزيد من القيود على استخدام الشبكة بعد وصول الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد إلى السلطة في عام 2005، إلا أن ذلك لم يحل دون وصول عدد مشتركي الخدمة إلى 22 مليون مواطن طبقًا لبعض التقديرات.

دعم مشروط:

وقد اعتمدت القاعدة الانتخابية للرئيس حسن روحاني في الأساس على فئة الشباب المنتمي للطبقة الوسطى الأكثر تأثرًا بسياسات الرئيس السابق أحمدي نجاد، حيث أبدت هذه الفئة دعمًا واضحًا للرئيس روحاني بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية عام 2013، مكنه من تبنى سياسات اقتصادية تقشفية، وتمرير قانون رفع أسعار الوقود. غير أن حالة الاحتقان التي سُرعان ما ظهرت على صفحات التواصل الاجتماعي والتي تبادل مستخدموها صور أثرياء “انستجرام” الإيرانيين؛ تؤشر إلى أن الوضع الاقتصادي في إيران لا يزال يتصدر أولويات المواطنين، وبالمستوى الذي يكفل لهم الحياة بشكل كريم، ويوفر لهم الحد المقبول من تطلعاتهم الحياتية، لا سيما بعد الظهور العلني لفئة من الأثرياء بشكل غير مبرر، بالنظر إلى وضع الدولة المُحاصَرَة اقتصاديًّا، والمحافِظَة اجتماعيًّا، والمتشددة دينيًّا. وعلى ضوء ذلك، ربما يمكن القول إن استمرار هذا الدعم يرتبط بمدى النجاح الذي يُمكن للرئيس روحاني تحقيقه على الصعيد الاقتصادي بشكل خاص، وعلى صعيد الحريات بشكل عام.

نقلا عن المركز الاقليمي

Print Friendly, PDF & Email