مضيق هرمز منع للانفجار أم طريق للاستسلام

مضيق هرمز منع للانفجار أم طريق للاستسلام

يمكن اعتماد عدد من القضايا الرئيسية التي رافقت زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في 13 آيار 2026 إلى الصين ولقائه مع الرئيس شي جين بينغ ومنها ما كان لها تأثيرها على الأوضاع القائمة في منطقة الشرق الأوسط في المداولة التي ناقشت الإجراءت الإيرانية في غلق مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية والتجارة الدولية وتصدير الطاقة العالمية من النفط والغاز والمواد الأساسية الداخلة في الصناعات الرئيسية والتأثير على المصالح والمنافع الدولية والإقليمية.
أهمية المداولة أنها افصحت عن الموقف الرسمي للقيادة الصينية برفض جميع التوجهات الإيرانية والدعوة لفتح المضيق واستعادة التجارة العالمية دورها ومنع إيران من أخذ أي مبالغ نقدية لقاء مرور السفن البحرية وناقلات الطاقة العملاقة مع التأكيد على عدم تزويد إيران بأي نوع من الأسلحة والمعدات الثقيلة والمواد ذات الاستخدام المزدوج الداخلة في تطوير برنامج الصواريخ الباليستية ومنعها من حيازة السلاح النووي والقيام بأي أنشطة نووية.
أن القيادة الصينية تدرك جيدًا الثوابت الرئيسية للعقيدة السياسية والعسكرية الإيرانية بامتلاكها مشروعًا توسعيًا يتسم بالتمديد والنفوذ والهيمنة على منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي، وأنها تعمل جاهدة للحفاظ على مصالحها وادامة أهدافها الاقتصادية وتنمية مشاريعها واستثماراتها المالية بما يضمن لها حرية الحركة واستمرار تدفق الطاقة من النفط والغاز إليها، وهذا ما يدعو إلى قيامها باعتماد سياسة التهدئة ومنع حدوث اي تطورات ميدانية لإعادة المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية مرة أخرى، لكي تستمر علاقتها السياسية الإيجابية وتجارتها الاقتصادية مع دول مجلس التعاون الخليجي العربي ومنع استهدافها من قبل إيران، والاحتكام إلى رؤية ميدانية تهدف إلى عدم التصعيد واعتماد الحكمة والتدبر في إنهاء أي خلافات ونزاعات في الإقليم، وهذا ما تعتمده في حديثها وحوارها مع المسؤولين الإيرانيين وما أبلغت به وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عند زيارته للعاصمة الصينية ( بكين) قبل يوم من الزيارة التاريخية للرئيس ترامب.
تمكنت القيادة الصينية من إيجاد مفاعيل سياسية في توطيد علاقتها الثنائية مع الولايات المتحدة الأمريكية عبر إعادة تقسيم مناطق النفوذ الإقليمي بما يتيح لها حرية الحركة في بحر الصين وأفريقيا على أن تبتعد عن دول أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز والضغط على إيران لإعادة هيكلية سياستها واجراءاتها في التعامل مع الحصار البحري والنظر في السماح بمرور الناقلات والسفن البحرية وكل ما يتعلق بالشحن الدولي للبضائع والمواد الأساسية، وهذا ما حصل بعد وصول الرئيس ترامب لواشنطن، بإعلان عباس عراقجي بالسماح بمرور سفن الشحن الحاملة للطاقة والمواد دون أي اعتراض وتسهيل وصولها إلى وجهتها، باستثناء الناقلات والسفن التابعة للولايات المتحدة وإسرائيل والتي أطلقت عليها تسمية ( دول العدوان).
أمام هذا الموقف الإيراني ورفضه تقديم أي تنازلات مقنعة للإدارة الأمريكية فإن العلاقة بين واشنطن وطهران دخلت مرحلة ( المعضلة الاستراتيجية) بعدم استعداد الطرفين لكسر حالة الجمود القائمة بينهما وعدم موافقة إيران للعودة للتفاوض السياسي والحوار الدبلوماسي، وهذا مايعني تحمل إيران تكاليف عالية في استمرار سياسية الضغط الأقصى التي لا زالت واشنطن تعتمدها في توسيع الحصار البحري ومنع وصول البضائع ومرور ناقلات النفط من الموانئ السواحل الإيرانية ومتابعتها بدقة عبر المراقبة البحرية والاقمار الصناعية وأجهزة المراقبة الجوية.
لا زالت إيران تعتمد مضيق هرمز كورقة ردع وتستخدمها بشكل استراتيجي للوصول إلى أهدافها في التأثير على الرئيس ترامب واحراجه داخلياً وإضعاف موقفه كما تعتقد أمام خصومه من الحزب الديمقراطي وهو يتجه نحو الانتخابات النصفية مع إرتفاع أسعار الأسهم والطاقة في سوق التعاملات المالية.
تتسم صورة العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بأنها تقع ضمن إطار التفاوض تحت التصعيد ولكنها لا تتسم بحرب شاملة ولا تسوية نهائية، بل اتخذت جانبًا مهمًا في السعي لصراع طويل بدأ يؤثر على الجانب الأمني في الخليج العربي ومن يملك التحكم بقواعده.
وجاء التأكيد الإيراني من مساعد وزير الخارجية غريب آبادي بقوله ( لا يمكن بناء سلام حقيقي بلغة التهديدات وفرض التنازلات القسرية، وأن مبادئنا واضحة وهي وقف دائم للحرب والتعويض عن الأضرار ورفع الحصار والعقوبات).
أن اعتماد منطق الحصار وغلق مضيق هرمز كأساس في الرؤية الإيرانية سوف لا يحقق لها أي نتيجة أو كما تعتقد بأنه طريق لتحقيق نصر ميداني لها، بل ستدفع باتجاه تغيير المسار الدبلوماسي الأمريكي إلى تصعيد واسع للمسار العسكري وأن أي مواجهة قادمة ستفضي إلى نتائج وخيمة وخسائر كبيرة وسوف لا تؤدي إلى توازنات جديدة بل تكون أشد ضغطًا وبدرجة أكبر تفوق حدود التحمل.
وهناك مسألة مهمة القت بظلالها على طبيعة الحوار الأمريكي الصيني والتي تتعلق بنتائج أزمة مضيق هرمز والتي لا ترتبط فقط بالنفط والغاز وإنما تمتد الى مادة لاتقل أهميتها من الطاقة وأنواعها وهي (غاز الهيليوم) أحد أكثر الغازات حساسية للصناعات الرئيسية، فمع بداية المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية في 28 شباط 2026 تعطلت صادرات دولة قطر التي كانت تصدر نحو 33٪ من إمدادات الهيليوم وأدت إلى أزمة قد تؤدي لضرب صناعة الرقائق الإلكترونية وأجهزة الرنين المغناطيسي والطيران والفضاء خلال الأشهر القادمة.
أهمية الهيليوم أنه يستخدم لتبريد الأنظمة فائقة الحساسية وتعتمد عليه مصانع أشباه الموصلات المتقدمة خاصة تقنيات الطباعة الضوئية ( EUV, DUV) إضافة لأجهزة الرنين المغناطيسي والصناعات الفضائية والبحث العلمي.
عام 2025 استوردت تايوان 88٪ من غازاتها النادرة من قطر، وبلغ استيراد الصين نسبة 61٪ فيما كانت نسبة 65٪من حصة كوريا الجنوبية و35٪ لليابان، وهذه البلدان هي قلب صناعة أشباه المواصلات العالمية مما يجعل أي تعطيل طويل للامدادات يشكل تهديدًا لإنتاج الرقائق والهواتف والحواسيب والسيارات والأجهزة الذكية،وتبقى خاصية نقل الهيليوم السائل معقدة لأنه يحتاج إلى حاويات تبريد خاصة لا تستطيع الاحتفاظ به لأكثر من 45 يوم بسبب ظاهرة ( التبخر التدريجي) ولهذا يعتبر مضيق هرمز المسار الاقصر والأكثر كفاءة للدول الآسيوية،وأي استمرار في عملية تأخير هذه المادة الخيرية يعني زيادة في أسعار الهواتف والحواسيب والأجهزة الذكية واضطرابات في سلاسل التوريد الصناعية.
القيادة الصينية ستعمل على اتباع إجراءات واسعة وبادوات ووسائل فاعلة وباتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية على أن تكون اللاعب المحوري والتضامن الرئيسي لإيران في أي اتفاق شامل وبدعم المبادرة الباكستانية، والعمل باتجاه تسوية تضمن مخرج مشرف لكل من واشنطن وطهران والابتعاد عن أي خيارات عسكرية حاسمة وحسم موضوع الحصار البحري وفتح مضيق هرمز، ومنع أي توجه لحصول انفجار إقليمي يهز الاقتصادي العالمي ويهدد مصالحها الاستراتيجية
ولكن الضغط السياسي والاقتصادي الصيني على إيران سيكون لمنع الانفجار وليس دفعها للاستسلام الكامل لواشنطن.

وحدة الدراسات الإيرانية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة