
الباحثة شذا خليل*
رغم الاجتماعات المكثفة بين الرئيس الأمريكي Donald Trump والرئيس الصيني Xi Jinping في بكين، خرج العالم من القمة دون اختراق حقيقي في ملف الحرب الإيرانية، ما كشف أن الصراع لم يعد مجرد أزمة إقليمية، بل تحول إلى معركة عالمية على الطاقة والنفوذ والاقتصاد الدولي.
الولايات المتحدة كانت تريد من الصين ممارسة ضغط أكبر على إيران لفتح مضيق هرمز وإنهاء تهديد الملاحة النفطية، لكن بكين لم تبدُ مستعدة للذهاب بعيداً في خدمة الاستراتيجية الأمريكية. الصين تدرك أن إيران ليست مجرد حليف نفطي، بل ورقة جيوسياسية مهمة في مواجهة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط وآسيا. لهذا خرجت القمة برسائل دبلوماسية عامة، بينما بقيت الأزمة الحقيقية دون حل.
الأخطر اقتصادياً أن الحرب دخلت يومها السابع والسبعين، بينما لا يزال مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط والغاز العالمية، تحت ضغط التهديدات والقيود الإيرانية. هذا يعني أن العالم لا يواجه فقط أزمة سياسية، بل تهديداً مباشراً لأمن الطاقة العالمي وسلاسل الإمداد والتضخم وأسعار الوقود.
واشنطن حاولت تصوير القمة وكأنها حققت توافقاً مع الصين بشأن “حرية الملاحة” ومنع تحويل مضيق هرمز إلى ورقة ضغط إيرانية، لكن البيان الصيني كان مختلفاً تماماً. بكين تحدثت عن وقف إطلاق النار والحلول السياسية والاستقرار الإقليمي، لكنها تجنبت دعم الموقف الأمريكي بشكل مباشر بشأن إيران أو المضيق. هذا التباين كشف أن الطرفين ما يزالان يتحركان وفق مصالح متعارضة رغم لغة الحوار.
اقتصادياً، الصين تخشى شيئاً واحداً أكثر من الحرب نفسها: انهيار تدفق الطاقة. بكين تعتمد بشكل ضخم على نفط الخليج، وأي إغلاق طويل أو اضطراب في هرمز قد يرفع تكاليف الطاقة الصينية ويضرب الصناعة والنمو وسلاسل التوريد. ولهذا بدأت الصين تفكر بجدية في تقليل اعتمادها على المضيق عبر زيادة شراء النفط الأمريكي وتوسيع استثماراتها في خطوط الطاقة البديلة.
لكن في المقابل، الولايات المتحدة تدرك أن استمرار الأزمة يخدم جزءاً من استراتيجيتها الاقتصادية والسياسية. فكلما ارتفعت المخاطر الجيوسياسية، ارتفعت أهمية الطاقة الأمريكية، وازدادت حاجة أوروبا وآسيا إلى الحماية العسكرية الأمريكية وإمدادات النفط والغاز القادمة من واشنطن. لذلك تبدو الحرب بالنسبة لبعض دوائر النفوذ الأمريكية أداة لإعادة تشكيل خريطة الطاقة والتحالفات العالمية.
ماذا قد يحدث لاحقاً؟
إذا استمرت الحرب وفشلت الجهود الدبلوماسية، فإن العالم قد يدخل مرحلة اقتصادية شديدة الخطورة خلال الأشهر المقبلة. أول سيناريو متوقع هو ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قد تتجاوز 120 أو حتى 150 دولاراً للبرميل إذا تعرض مضيق هرمز لإغلاق أوسع أو لهجمات مباشرة على ناقلات النفط.
هذا الارتفاع لن يؤثر فقط على الوقود، بل سيقود إلى موجة تضخم عالمية جديدة، لأن النفط يدخل في النقل والصناعة والغذاء والكهرباء والشحن العالمي. ومع ارتفاع تكاليف الطاقة، سترتفع أسعار السلع في معظم دول العالم.
السيناريو الثاني يتمثل في اضطراب سلاسل الإمداد العالمية. أي تعطيل طويل للمضيق سيؤخر شحنات النفط والغاز والبضائع، ما قد يعيد العالم إلى أجواء أزمات الشحن التي شهدها بعد جائحة كورونا، لكن بصورة أخطر وأسرع.
أما السيناريو الثالث فهو تسارع الانقسام العالمي بين المعسكرين الأمريكي والصيني. الصين قد تزيد تعاونها الاقتصادي مع إيران وروسيا لتأمين الطاقة، بينما ستعمل واشنطن على بناء تحالفات طاقة وأمن جديدة لعزل طهران وتقليل نفوذ بكين في المنطقة.
كما قد نشهد سباقاً عالمياً أكبر نحو:
الطاقة البديلة
الممرات التجارية الجديدة
خطوط الأنابيب البرية
تقليل الاعتماد على مضيق هرمز
وهذا قد يغير خريطة الاقتصاد العالمي خلال السنوات القادمة.
أما أخطر الاحتمالات فهو توسع الحرب إلى مواجهة إقليمية أوسع تشمل الخليج والبحر الأحمر، ما قد يرفع تكاليف التأمين والشحن البحري بشكل هائل، ويؤدي إلى هروب استثمارات من الأسواق الناشئة، وانخفاض النمو العالمي بشكل حاد.
الخلاصة أن فشل قمة ترامب وشي لم يكن مجرد تعثر دبلوماسي، بل إشارة إلى أن القوى الكبرى نفسها غير قادرة حتى الآن على فرض تسوية سريعة للحرب. وهذا يعني أن العالم قد يكون أمام مرحلة طويلة من التوتر الاقتصادي والطاقة المرتفعة وإعادة رسم موازين القوة العالمية.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية