الجولة الأولى بين واشنطن وطهران مسار سياسي ومكاسب مالية

الجولة الأولى بين واشنطن وطهران مسار سياسي ومكاسب مالية

 

انتهت أعمال الجولة الأولى من المفاوضات الأمريكية الإيرانية في مراحلها الأولى والتي عقدت في منتجع ( بورغنشتوك) السويسري باعتماد أسس وركائز وخطة عمل ميدانية قائمة على متابعة فنية استشارية وتدقيق لتنفيذ مباشر لما اتفق إليه بحضور الوسطاء الدوليين ( باكستان وسويسرا وقطر)، ويمكن تحديد أهم النقاط الرئيسية التي ارتكزت عليها المناقشات وتوصلت إلى حلول مرضية ومكاسب حققتها الساعات الثمانية التي استغرقتها جولة الحوار بالتوصل إلى آلية عن إيجاد خط مباشر يضمن إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا واعتماد مبدأ عدم الاحتكاك بما يخص الأوضاع القائمة في الجنوب اللبناني وارساء مسار الاجتماعات الفنية التقنية، وهي المحاور التي أشار إليها وزير الخزانة الأميركي (سكوت بيسنت) بقوله ( في إطار المحادثات البناءة التي أجريت في سويسرا، تعهدت إيران بضمان حرية العبور من مضيق هرمز من دون عوائق والسماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدخول إيران)، ومقابل التعاون الإيراني والثبات حسن النوايا من قبل الإدارة الأمريكية فقد أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية ترخيصًا عامًا مؤقتًا لمدة 60 يومًا يجيز إنتاج النفط الإيراني وتسليمه وبيعه.
أعطت ساعات الحوار الأمريكي الإيراني انطباعًا واضحاً للوسطاء بانتقال العلاقة بين واشنطن @وطهران من مرحلة إدارة الحرب إلى مرحلة اختبار التنفيذ، ولكن علينا الأخذ بنظر الاعتبار أن الطريق لا يزال غير سالك بصورة تامة نحو اتفاق شامل وواسع لكل الملفات الأكثر تعقيداً والتي لم يتم حسمها بعد، بل أعطيت مهمتها إلى الجلسات المتوالية للفرق الفنية والآليات الجديدة، ومنها ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني ودور فرق التفتيش الدوليين والنظر في أصول الأموال الإيرانية المجمدة.
القرارات الأكثر حضورًا في المفاوضات كانت موافقة الوفد الأمريكي على تعليق العقوبات المفروضة على صادرات النفط والبتروكيماويات ورفع الحصار البحري الأمريكي والإفراج عن بعض الأصول المجمدة.
أن الموافقة على المساعي التي بموجبها تم إطلاق بعض من الأموال الإيرانية المجمدة تحدث عنها نائب الرئيس الأميركي (فانس) بالقول (يشترط أن توجه الأموال التي سيتم الإفراج عنها إلى شراء منتجات أمريكية وأن تذهب حصرًا إلى الشعب الإيراني)، وهذا تأكيد على ضرورة التزام إيران بعدم استخدام الأموال لأغراض سياسية وأهداف أمنية تخدم مشروعها السياسي الإقليمي، وكما حددها فانس بعدم اعتمادها في (تمويل الإرهاب).
اخذت المفاوضات ابعادًا إيجابية كونها حققت تقدمًا تنظيمياً وسياسياً بعد اللقاء الوحيد الذي تم في إسلام آباد في نيسان 2026، ولكن تبقى هناك خلافات وتباين في الآراء لعديد من المسائل الجوهرية بما يتعلق بالأنشطة النووية وبرنامج الصواريخ البالستية والخزين من اليورانيوم المخصب، والتي تم الاتفاق على تحديد سقف قراراتها بالاعداد للجان إشراف ومجموعات عمل فنية متخصصة.
تبقى المحادثات مستمرة وفي حال انعقاد دائم ومن الممكن عدم توصلها إلى حلول جذرية وتفاهم ميداني واتفاق شامل خلال الستين يومًا، وهناك احتمال وارد لتمديد المسار التفاوضي لفترة إضافية.
أن الموافقة الإيرانية على عودة فرق التفتيش التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية يُعد مؤشرًا مهمًا على استعداد إيران للتقدم خطوات عملية مقابل خطوات تعلق برفع محدد للعقوبات الاقتصادية وإطلاق الأموال المجمدة، وأصبحت كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإيران تتدركان أن أي حالة من عدم الاستقرار الأمني في مضيق هرمز سينعكس تمامًا وبشكل فوري على أسواق الطاقة العالمية والتجارة الدولية وعلى الأمن الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي العربي، ولهذا تبقى أهمية التواصل الثنائي عبر الوسيط الإقليمي الباكستاني والعربي القطري قائمة لتحقيق أمن الملاحة في مضيق هرمز ضمن التفاهمات السياسية والابتعاد عن المسار العسكري في التعامل مع هذه المسألة ذات الاهتمام الدولي والإقليمي.
كان للحضور الباكستاني والدعم العربي الذي تمثل بعدد من الزيارات التي قام بها الجانب القطري والحضور الرسمي الذي تمثل بتواجد رئيس الوزراء الباكستاني والقطري أثره البالغ في انشاء لجان سياسية وفنية وقنوات اتصال وآليات متابعة ميدانية تتعلق بمضيق هرمز لتفادي أي حادث طارئ وضمان استمرار الملاحة البحرية فيه ولمتابعة وقف العمليات العسكرية على الأراضي اللبنانية ، وهو ما عكس رغبة الجانبين الأمريكي والإيراني في التمسك بالحوار الدبلوماسي والتفاوض السياسي ومنع عملية أي انهيار للمفاوضات كما حدث في المراحل السابقة، واعتماد سياسية احتواء التصعيد وصولاً لإدارة تسوية سياسية شاملة وبناء اساس تفاوضي يساهم في تحويل مذكرة التفاهم لعمل تنفيذي وبمتابعة جادة رقابة مستدامة.
القرار الأمريكي الذي تم اتخاذه بالسماح بتصدير الإنتاج الإيراني من المواد البتروكيماويات المشتقات النفطية، يعتبر حالة متقدمة في التفاهم الأمريكي الإيراني واستجابة سياسية واقتصادية لما طرحه الوسطاء من أجل تعزيز حالة الاطمئنان وتحقيق الضمانة السياسية التي ترغب فيها إيران، والقرار الأمريكي سيدر على إيران مبالغ جيدة من العملة الأجنبية الصعبة، رغم معرفة واشنطن أن هذه المرافق الحيوية من الطاقة مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، وجاء الإجراء المناسب الأمريكي مع عملية الترخيص بإنتاج وبيع وشحن النفط الإيراني عبر مضيق هرمز والى أسواق الطاقة العالمية.
التمسك الإيراني بتنفيذ البند الخاص الأوضاع القائمة في لبنان له دلالاته واعتباراته السياسية التي تتناسب والغايات الإيرانية لاثبات دورها القائم والمساند لحزب الله اللبناني، وأنها ليست على استعداد لخسارة ثانية بعدما تعرضت لهزيمة سياسية قاسية باسقاط نظام بشار الأسد وغيابها عن الساحة السورية التي تعتبرها تشكل المربع الذهبي لمشروعها الإقليمي في الشرق الأوسط والوطن العربي.

وحدة الدراسات الإيرانية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة