مذكرة التفاهم قليل من الحقيقة وشلال من التضليل

مذكرة التفاهم قليل من الحقيقة وشلال من التضليل

اياد العناز

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الأحد 14 حزيران 2026 إتمام الاتفاق وإيقاف العمليات العسكرية في المواجهة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية التي انطلقت بالضربات الجوية والصاروخية في 28 شباط 2026، بعد مباحثات وحوارات امتدت لأكثر من شهرين بدأها رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بدعم دولي من قبل القيادة الصينية وتأييد إقليمي تركي وعربي ضمن المساعي السياسية لدول التعاون الخليجي العربي.
بدأت عملية الحوار السياسي والتفاوض الدبلوماسي بجهود مكثفة من قبل الوسيط الباكستاني للتوصل إلى اتفاق دائم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بعد أشهر من المواجهة العسكرية والتصعيد الميداني والعمل على تحويل الهدنة المؤقتة التي اتفق عليها في 8 نيسان 2026 إلى مذكرة تفاهم مشتركة تفتح آفاق الحوار والنقاش لحل جميع المعضلات والمشاكل بين واشنطن وطهران، وكان للدور القطري أهمية بارزة في إتمام الاتفاق على توقيع مذكرة التفاهم عبر الاتصالات السياسية والفنية التي أدت إلى وضع حلول وآليات وأسس لبنود ستناقش بعد التوقيع الذي سيتم في العاصمة السويسرية (جنيف) في 19 حزيران 2026 والتي تم تحديدها ب(60) يومًا.
أن من أهم بنود المذكرة المشتركة هي تهدئة الأوضاع العسكرية في منطقة الشرق الأوسط بإعادة الفتح الفوري لمضيق هرمز والشروع بمرور السفن والناقلات وتأمين حركة الملاحة والتجارة الدولية دون فرض أي رسوم عبور من قبل الجهات الإيرانية، مع البدأ بتخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران شرط امتثالها وتنفيذها للالتزامات والتعهدات الدولية المطلوبة منها، وأن أي إطلاق للاموال المجمدة الإيرانية عليه أن يوافق تقدم ميداني تقني تقوم به إيران في تعزيز دورها عبر مذكرة التفاهم على الميدان.
وتبقى المسألة الأكثر أهمية هي عملية تفكيك البرنامج النووي وإيقاف النشاطات النووية الإيرانية والتي رسم لها ملامح إطار عملي واضح لتحديد مسارات التعامل مع مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪ وكميته البالغة (400) كغم حيث تقرر إطلاق جولة من المفاوضات الفنية النووية المباشرة على أن تباشر أعمالها خلال فترة الستين يومًا المحددة لوقف إطلاق النار للوصول إلى حلول دائمية.
أعطي الاتفاق الأمريكي الإيراني أهميته السياسية والاقتصادية بإشراف مجلس الأمن القومي الإيراني على سير عمليات التفاوض التي تمت عبر الوسيطين الباكستاني والقطري ورغم الإعلان عن وجود تحفظات شديدة داخل الأوساط السياسية الإيرانية المتشددة حول العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية وعدم وجود تجانس واتفاق متكامل في أروقة النظام الحاكم في طهران إلا أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أكد السير الإيجابي لإعلان الموافقة الرسمية للتوقيع على مذكرة التفاهم التي لم تكن تتم لولا الموافقة الضمنية من المؤسسات الأساسية التي ترتبط بدوائر القرار السياسي الإيراني وخاصة القريبة من المرشد الأعلى مجتبي خامنئي الذي أعطى الصلاحيات التامة للمفاوضين الإيرانيين،ولكن لايزال القرار يفتقد للاجتماع التام.
التيار المحافظ المتشدد يرى أن أي تفاهم مع إدارة الرئيس ترامب إنما يشكل مخاطرة سياسية وأيديولوجية إذا ما رافقها حلقات ودوائر من القيود المستقبلية حول النشاطات النووية الإيرانية ومدى تأثير الدور الإقليمي الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، ولهذا نرى الماكينة الاعلامية التابعة المؤسسات النظام تتجه في توجهاتها وتقاريرها إلى تسويق الاتفاق مع واشنطن على أنه اعتراف أمريكي بسيادة إيران وقدرتها على الصمود والمواجهة العسكرية الميدانية.
أن القرار السياسي الاستراتيجي الإيراني اعتمد سياسية المضي نحو التفاهم مع الولايات المتحدة واستخدام المرونة الواقعية في إدارة الاتفاق وشروط التنفيذ بانتقال ملف العلاقة مع واشنطن إلى مستوى القرار السيادي للدولة الإيرانية بإشراف مجلس الأمن القومي على سير المفاوضات،
والتي اخذت عدة اتجاهات منها التوافق بين الهيئات السياسية والعسكرية ومؤسسات الدولة للذهاب نحو الموافقة على مذكرة التفاهم باستكمال المصادقات الداخلية وإعطاء الصلاحيات المباشرة للوفد المفاوض مع اعتماد وسائل إعلامية لخطاب داخلي محدد يعترض على كيفية إدارة الحوار، ثم احتواء حالة التحفظ السياسي من قبل التيارات السياسية داخل بعض الدوائر السياسية والأمنية وضمان ظهورها بموقف موحد يمنح قوة واقتدارًا لإيران في المفاوضات، ورغم تصاعد الخلافات الداخلية وتعثر عملية الاتفاق في الأيام الأخيرة إلا الأدوات الإيرانية والتوجه الاستراتيجي للسياسة الداخلية للنظام ذهبت باتجاه إنجاح جولات التفاهم عبر المحاولات التفاوضية في إمكانية إضافة نقاط أخرى تحقق لإيران مكاسب سياسية، وجميعها تم احتواها وتم الاتفاق النهائي على اعتماد المذكرة الأساسية في تحديد نقاط رئيسية تكون بداية لمفاوضات دائمية تحقق المنافع والمصالح لجميع الأطراف.
وكان تصريح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية (إسماعيل بقائي) أثناء لقاءه مع عدد من الصحفيين في 13 حزيران 2026، ليؤكد حقيقة الموقف السياسي باتخاذ طهران لخطوات لإدارة حركة المرور الآمنة في مضيق هرمز بما يتماشى وحماية الأمن الإقليمي ويحقق المصالح العامة للمجتمع الدولي، واعطى مساحة من التوجيه الاعلامي للداخل الإيراني بقوله (أن الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة جزء اساسي من الاتفاق المدمع توقيعه مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب).
أن القادم من الايام سيشهد زيادة واضحة في حركة مرور السفن والناقلات عبر مضيق هرمز وتأمين حركة الملاحة الدولية وإعادة الحياة للتجارة العالمية وسوق الطاقة ستكون أكثر وضوحًا وحركة في الايام القادمة لتعزيز فعالية المرور البحري وتأمين الحماية الدولية، وعلى مستوى الفعاليات العسكرية في جبهات أخرى وتحديدًا في المسار اللبناني، أمد مسؤول أمريكي ( أن انسحاب إسرائيل من لبنان ليس شرطًا من شروط الاتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران)، كما سيكون موضوع تخفيف العقوبات وإطلاق الأموال المجمدة الإيرانية مرهون بعملية تفكيك البرنامج النووي وعدم تمويل الأذرع والوكلاء من المليشيات والفصائل المسلحة المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.
وتبقى الايام القادمة ولحين التوقيع النهائي لمذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية بحضور الوسيط الباكستاني في العاصمة السويسرية (جنيف) حافلة بالأحداث الميدانية والتطورات السياسية.

وحدة الدراسات الإيرانية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة