(الحوثيون وهندسة الأمن الخليجي).. أداة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. (9)

(الحوثيون وهندسة الأمن الخليجي).. أداة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. (9)

تطور في العلاقات السياسية بين المملكة العربية السعودية وجماعة الحوثيين في اليمن، بعد قيام الحكومة الشرعية اليمنية المعترف بها دوليًا بمنع هبوط طائرة مدنية تابعة لشركة ( ماهان إير) الايرانية في مطار صنعاء الدولي عبر قصف مدرجه في 13 تموز 2026 من قبل القوات المسلحة اليمنية بسبب السماح بهبوط الطائرة الإيرانية وأكد رئيس رئيس مجلس القيادة الرئاسي في اليمن رشاد العليمي ( أن العملية جاءت في إطار الإجراءات الدفاعية اللازمة لحماية السيادة الوطنية).
يأتي هذا الإجراء غداة إصدار هيئة الطيران المدني في عدن تعميمًا يحظر دخول الإقليم الجوي اليمني دون إذن مسبق.
نتيجة هذه العملية قامت جماعة الحوثيين بتوجيه عدد من الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة مستهدفة مطار أبها الدولي في جنوب الأراضي السعودية، ردًا على العملية العسكرية اليمنية، وحذر الناطق الرسمي لجماعة الحوثيين ( شركات الطيران من التحليق في الأجواء السعودية قبل رفع الحصار عن مطار صنعاء) وتوجيه الاتهام المباشر للرياض بمسؤوليتها عن قصف مطار صنعاء الدولي والحصار المستمر على الموانئ والمطارات الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، وقررت هذه المجموعة في 20 تموز فرض حظر ملاحة بحرية شامل على المملكة العربية السعودية.
تأتي الإجراءات والممارسات للحوثيين في ضوء استهداف واضح وموجه تجاه منظمومة الأمن الخليجي العربي عبر سياسة إيرانية مستدامة باستخدام وكلائها ومليشياتها وفي مقدمتهم الحوثيين باعتبارهم أهم أدوات الضغط الإيراني في منطقة البحر الأحمر وباب المندب، ويؤكد القرار الخاص بمنع الرياض من استخدام المجال البحري والتهديد باستهداف الملاحة المرتبطة به، أن إيران وفي استراتيجيتها وعقيدتها القتالية قررت توسيع مديات المواجهة العسكرية من الخليج العربي الى البحر الأحمر وباب المندب والضغط على المنظومة الأمنية الخليجية، وتوجيه رسالة لاقطار مجلس التعاون الخليجي العربي بأن أي مشروع خليجي لإعادة هندسة الأمن الإقليمي سيواجه افعالًا ومواجهات عديدة عبر حلفائها ووكلائها في الإقليم، وهي بذلك تتجه نحو معرفة حقيقية للرد الدولي والإقليمي في الدفاع عن حرية الملاحة في الممرات المائية والمضايق البحرية، لأن أمن هذه الممرات أصبح جزءًا مهمًا وحيويًا من منظومة الأمن الاقتصادي الخليجي، ومواجهة أي تقارب أمني عربي خليجي أوربي أمريكي برفع تكلفته بالتهديد الدائم لسلاسل وطرق الإمداد لطرق الطاقة الدولية والتجارة العالمية، وهذا ما يحقق لإيران هامش من المناورة السياسية فهي تستطيع نفي أي علاقة لها بما يجري في المياه الإقليمية للبحر الأحمر وتوجيه وكلائها باستمرار ضغوطهم وفاعلية عملياته التعرضية العسكرية وهجماتهم الصاروخية على أهداف ومواقع عسكرية ومدنية داخل عمق الاراضي السعودية.
أن التوجه الإيراني يعمل لمواجهة الأهداف والغايات التي تسعى لها المنظومة الأمنية الخليجية في حماية الممرات البحرية وربط الدفاع الجوي والصاروخي بالتكامل الاقتصادي واعتبارها ركيزة أساسية لتحقيق الأمن الشامل، ومواجهة أي آلية فاعلة مشتركة لحركة وتهديدات الحوثيين والوكلاء الآخرين الذي يمكن اعتباره جزء من معادلة الأمن البحري الإقليمي.
ورغم جميع المحاولات الإيرانية، تبقى قدرة وإمكانية الحوثيين محدودة عبر الإجراءات العسكرية السعودية وحالة الردع المشترك للمنظومة الخليجية الأمنية، وهناك إمكانية ضئيلة قادرة على ارباك الرد المقابل إذا ما بقي التنسيق الأمني ضيئلًا معتمدًا على ردود الأفعال لا المواجهة المباشرة.
الحوثيون يمتلكون عدد من الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة والألغام البحرية والزوارق المسيرة ولكنها تشمل قدرًا معينًا لا يسمح لهم بالسيطرة البحرية الدائمة لمواجهة عسكرية غير متكافئة، قد يتمكنون من تعطيل الملاحة وزيادة مخاطرها في مضيق باب المندب جنوب البحر الأحمر، ولكن من الصعوبة غلق هذه الممرات لمدة طويلة بسبب قرب القوات البحرية الإقليمية والدولية من منطقة الحدث، ويتقلص الفعل العسكري المناور لجماعة الحوثيين كلما اتسمت منظومة الأمن الخليجي بتكاملها في الدفاع الجوي والبحري وتبادل فوري للمعلومات الاستخبارية والانذار المبكر.
قدرة الحوثيين الآنية تتمثل في رفع تكاليف الشحن والتأمين وتحقيق جزء من عدم الاستقرار السياسي والتأثير الاعلامي وجعل البعد الاقتصادي جزء أساسي من المواجهة العسكرية،وهذا يمكن أن يتصاعد بدور ودعم إيراني مستدام يتلقاه الحوثيين باستمرار التسليح والتدريب واطلالة أمد الاستنزاف في جبهات المواجهة ولكنه سوف لا يحقق تغييرًا جوهريًا بميزان القوى.
يمكن أن يتحول التهديد العسكري للحوثيين من مرحلة تكتيكية إلى مرحلة قابلة للاحتواء والمواجهة الميدانية إذا ما تحققت أدوات البناء الإيجابي والصحيح للمنظومة الأمنية الخليجية في جميع ملامحها ووسائلها واحسنت التعاون والتنسيق الدولي وتمكنت من ربط جميع القدرات العسكرية والاقتصادية والاستخبارية في منظومة واحدة ذات فاعلية كبيرة وتأثير مباشر على أرض الواقع.
إن نجاح هندسة الأمن الخليجي العربي لا يتوقف على حجم القدرات العسكرية، بل على قدرة دول الخليج على تحقيق إرادة سياسية وسيادية مشتركة تحول الرؤية الأمنية إلى منظومة قرار جماعي قادر على الردع والاستجابة وإدارة الأزمات.

وحدة الدراسات الإقليمية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة