تنوع هندسة المنظومة الأمنية الخليجية في ظل المواجهة الأمريكية الإيرانية. (8).

تنوع هندسة المنظومة الأمنية الخليجية في ظل المواجهة الأمريكية الإيرانية. (8).

تصاعد حدة الضربات الجوية والصاروخية الأمريكية التي تستهدف الموانئ والمنصات البحرية وطرق النقل في منطقة ( بندر عباس) بمستويات مضاعفة وقدرات عالية تجاوزت المواجهة الأولى التي انطلقت في 28 شباط 2026 وأصبحت الخسائر المادية والاقتصادية باهضة وتخطت المجال الواسع في استهداف البنية التحتية إضعاف ما وصلت إليه من إضعاف للقدرة العسكرية الإيرانية، وأشارت المعلومات الميدانية الأخيرة إلى استهداف محيط المنطقة في إطار حملة أوسع لخنق حركة الإمداد البحري واللوجستي، ويمكن أن ننظر في هذه التحولات والمتغيرات الميدانية عبر أبعاد عديدة ابتدأت بشل عقدة التجارة الإيرانية في ميناء رجائي الذي يعتبر البوابة الرئيسية للتجارة البحرية ويستوعب النسبة الأوسع من حركة الحاويات والواردات والصادرات النفطية والغازية والمواد الأساسية الأخيرة التي تدخل في ميادين الصناعة والتجارة والبناء، وأي تعاظم في الضربات الأمريكية يشكل تأثيرًا مباشرًا على طرق الإمداد والتجارة.
وتأخذ القوات الامريكية الضاربة في أهدافها وغاياتها توسيع ضرباتها على المرافق والاماكن الحيوية للحرس الثوري الإيراني لعلمها أن الموانئ الجنوبية ليست مرافق تجارية، بل ترتبط بقدرات النقل البحري والدعم اللوجستي للقوات البحرية لعناصر الحرس الثوري وأي استهداف لها يزيد من حالة التباطئ بنقل وتوريد السلاح والعتاد وإضعاف طرق ووسائل الإمدادات، وهنا تظهر حالة استثنائية تؤثر على طبيعة وسير المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران، فعند تقليص القدرة على التأثير في مضيق هرمز يكون الضرر أكثر تأثيرًا عندما تستهدف طرق المواصلات والموانئ ومرافئها ومحاور السكك الحديدية والجسور، تصبح القدرة الإيرانية نتيجة هذه التحولات أكثر صعوبة على إدارة عملياتها البحرية وفرض ضغوط مستمرة في مضيق هرمز.
ثم نتيجة التزامن الحاصل في الضغط العسكري والاقتصادي ترتفع تكلفة على الإيرانيين باستهداف البنية اللوجستية ويكون تأثيرها واضحًا ميدانيًا في مضمار التجارة والتأمين البحري وانسيابية البضائع وهو ما يعطي ملامح أكثر اتساعًا في الجانب الاقتصادي الذي يلقي بظلالها على العملية العسكرية.
استمرار الحالة الميدانية وتعاظم المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، تعيد تشكيل ميزان القوى في الإقليم، وقد تنتقل مراكز الثقل التجارية والبحرية تدريجياً نحو موانئ اقطار الخليج العربي وتعزيز دورها في طرق الإمداد للتجارة العالمية والطاقة الدولية ستكون له اثاره التي تتجاوز الجانب العسكري إلى الجغرافية الاقتصادية والسياسية للمنطقة بأكملها، وهو الهدف الذي يمثل حالة انتقال من حرب تدميرية للقدرات العسكرية الإيرانية إلى استنزاف للبنية الاستراتيجية لها والتي تستخدمها كأدوات ووسائل في تمويل الضربات الجوية والصاروخية على اقطار مجلس التعاون الخليجي وتطيل من أمد المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وإضعاف دورها ونفوذها البحري وسيطرتها على مضيق هرمز إضافة للاهداف العسكرية المستمرة في ضرب منصات الصواريخ والطائرات المسيرة وشبكات الرادارات، وهو ما سيعيد رسم الخريطة الأمنية والاقتصادية للخليج العربي ومضيق هرمز.
إذا استمرت القوات الامريكية في عملياتها العسكرية باستهداف البنية البحرية واللوجستية الإيرانية، فإن التأثير لن يقتصر على إيران، بل يمتد إلى هندسة المنظومة الأمنية الخليجية نفسها، باعتماد مبدأ وقائي إيجابي ببناء منظمومة خليجية قادرة على معرفة واستشعار المخاطر الإيرانية وحماية الموانئ البحرية والممرات المائية والبنية التحتية للطاقة وخطوط الملاحة قبل وقوع أي تهديد مباشر، مع إعطاء أهمية بارزة لتعزيز الأمن البحري الجماعي بتوسيع عملية التعاون والتنسيق المشترك لمجلس التعاون الخليجي العربي بتكامل أنظمة المراقبة والرادارات وربط القوات البحرية في إطار عمليات مشتركة لحماية مضيق هرمز وبحر العرب.
لم يعد أمن الخليج العربي مقتصرًا على حماية الحدود، بل أصبح مرتبطًا مباشرة بأمن الموانئ وخطوط الإمداد للتجارة الدولية والطاقة العالمية ومنشأت الطاقة، وهذا ما يدفع نحو منظمومة أمنية اقتصادية متكاملة تدفع باتجاه تعزيز التعاون الاقتصادي الدولي والإقليمي وأوسعها مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية ودول آسيوية تعتمد على توريد النفط من بعض الاقطار الخليجية بهدف ضمان أمن الممرات البحرية واستقرار تدفقات التجارة العالمية.
واعتماد مبدأ مهم في إعادة تعريف مفهوم الردع ليكون أكثر تركيزًا وشمولية من التركيز على القوة العسكرية لينتقل إلى ردع متعدد الأبعاد يشمل (الأمن السيبراني وعلم الاستخبارات والدفاع الجوي والصاروخي) بموازاة حماية البنية التحتية الحيوية، والذي يكون بداية جديدة لبناء وإعداد منظمومة خليجية عربية بأسس وركائز فاعلة ذات أهداف وغايات سياسية واقتصادية وابعاد استراتيجية لضمان الاستقرار والأمن الدائم للاقليم.
تراجع القدرة العسكرية الإيرانية عن مواجهة الضربات الأمريكية في الداخل، يجعل من القيادات الميدانية للحرس الثوري نقل التكلفة التي تعانيها مؤسساتهم ومواقعهم وأدوات ووسائل الدفاع من منصات ورادارات وأجهزة مراقبة ومخازن للصواريخ والطائرات المسيرة نتيجة الضربات الصاروخية والجوية الأمريكية إلى استهداف عمق المنظومة الأمنية والاقتصادية لاقطار الخليج العربي بصورة مباشرة أو عبر عمليات تعرضية مساندة لها من قبل حلفائها ووكلائها من المليشيات والفصائل المسلحة الداعمة للمشروع الإيراني الإقليمي.
ستكون غالبية الضربات الإيرانية موجهة إلى استهداف الموانئ البحرية ومنشآت تصدير النفط والغاز بهدف ارباك المؤسسات الاقتصادية الخليجية واستنزافها والتأثير على عملها وديمومة استمرارها ورفع تكاليف التأمين والشحن للناقلات والسفن البحرية، مع تكثيف الهجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ البالستية على المنشآت الحيوية، في محاولة لإثبات قدراتها وأنها القوة الإيرانية لازالت تمتلك أدوات الردع المقابل.
تصعيد العمل تجاه المنظومة الأمنية الخليجية عبر هجمات سيبرانية تستهدف شبكات الطاقة والمصارف المالية وموانئ النقل والشحن البحري وأنظمة الاتصالات، وتوسيع التأثير على مسارات الملاحة البحرية بزيادة عمليات زرع الألغام البحرية والتنوع في توجيه الزوارق السريعة وتعطيل الممرات الحيوية، حتى في حالة التقدم في العمليات العسكرية الأمريكية تجاه مضيق هرمز والساحل الإيراني.
هذه الأساليب والأدوات الإيرانية ستزيد من حالة الدفاع المشترك والسريع ببناء منظمومة دفاعية خليجية تتمثل في قيادة موحدة للانذار المبكر وتهيئة شبكة من الدفاع الجوي والصاروخي بشكل متكامل وتشكيل قيادة بحرية مشتركة لحماية الممرات البحرية وادامة المصالح المتعلقة بالتجارة العالمية والطاقة الدولية وتعزيز حالة التعاون والتكامل في الأنشطة الاستخبارية والسيبرانية بين جميع دول مجلس التعاون الخليجي العربي.
التوجية نحو تعزيز فاعلية العمل السياسي الدبلوماسي الخليجي مع الحلفاء الدوليين والاوربيين لحماية البنية التحتية الصناعية والتجارية والاستثمارات المالية، فحماية الحدود والأمن الوطني تبرز أهميته وقوته ببناء منظمومة أمنية اقتصادية داعمة له، لأن المنشآت الخيرية من موانئ بحرية وحقول للنفط والغاز ومحطات وشبكات للكهرباء وخطوط للملاحة البحرية، أصبحت اهدافًا مهمة ورئيسية لا تقل أهمية عن حماية المنشآت والقواعد والمواقع العسكرية.

وحدة الدراسات الإيرانية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاس