الاقتصاد العراقي حالة انكماش وانخفاضًا في سرعة تداول الأموال. من 30 ألف دينار إلى 2500… قصة حمال تكشف حقيقة الاقتصاد العراقي

الاقتصاد العراقي حالة انكماش وانخفاضًا في سرعة تداول الأموال. من 30 ألف دينار إلى 2500… قصة حمال تكشف حقيقة الاقتصاد العراقي

الباحثة شذا خليل*

لا يحتاج الاقتصاد العراقي اليوم إلى مؤشرات معقدة أو تقارير مالية طويلة لفهم حجم الأزمة التي يمر بها، فربما تكفي قصة عامل بسيط في سوق الشورجة لتلخيص المشهد بأكمله. ففي أكبر سوق تجاري في العراق، كان أحد الحمالين يتقاضى قبل أشهر ما بين 20 إلى 30 ألف دينار يوميًا، بينما لا يتجاوز دخله اليوم 2500 إلى 5000 دينار في أفضل الأحوال. هذه ليست قصة فردية، بل مؤشر اقتصادي يعكس حجم الركود الذي أصاب الأسواق العراقية، وانخفاض القوة الشرائية، وتراجع النشاط التجاري بصورة غير مسبوقة.

لقد اعتاد الاقتصاديون القول إن أول من يشعر بالأزمات ليس الموظف الحكومي ولا كبار المستثمرين، وإنما العامل البسيط الذي يعتمد دخله على حركة السوق اليومية. فعندما تتراجع حركة البيع والشراء، ويتباطأ دوران الأموال، ويقل إنفاق المواطنين، يكون أول الضحايا الحمال، وسائق النقل، والباعة المتجولون، وأصحاب المحال الصغيرة. وما يحدث اليوم في الشورجة يؤكد أن الأزمة تجاوزت كونها مشكلة رواتب أو تأخر في تمويل الموازنة، لتصبح أزمة اقتصاد بأكمله.

وتشير البيانات الاقتصادية إلى أن الكتلة النقدية المصدرة تجاوزت 113.5 تريليون دينار حتى شهر أيار من العام الحالي، بزيادة بلغت نحو 13.7 تريليون دينار خلال خمسة أشهر فقط. وفي المقابل، تشير التقديرات إلى أن أكثر من 94% من النقد المتداول يوجد خارج الجهاز المصرفي، نتيجة تراجع ثقة المواطنين بالمصارف، والخشية من القيود المفروضة على التحويلات، وضعف الخدمات المصرفية. وهذا يعني أن القسم الأكبر من الأموال لا يشارك في تمويل الاستثمار أو النشاط الاقتصادي، وإنما يبقى مكتنزًا في المنازل وخارج الدورة الاقتصادية.

إن خروج هذه الكتلة النقدية الضخمة من النظام المصرفي لا يضر بالمصارف وحدها، بل يحرم الاقتصاد من أحد أهم مصادر التمويل. فالمصارف في جميع دول العالم تعتمد على الودائع لتمويل القروض والاستثمارات، وعندما تتراجع الودائع، تتراجع قدرة القطاع المصرفي على دعم النشاط الاقتصادي، فتزداد الحاجة إلى التمويل الحكومي والاقتراض الداخلي، وتتقلص السيولة المتاحة للقطاع الخاص.

وفي الوقت نفسه، يواجه العراق ضغوطًا مالية متزايدة نتيجة ارتفاع الإنفاق التشغيلي، واستمرار الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية. وإذا تعرضت الصادرات النفطية لأي اضطراب بسبب التوترات الإقليمية أو أزمة مضيق هرمز، فإن أول ما يتأثر هو قدرة الدولة على تمويل النفقات العامة، وفي مقدمتها الرواتب والخدمات الأساسية. وهذا يكشف هشاشة النموذج الاقتصادي الذي بُني خلال العقدين الماضيين، حيث جرى الاعتماد على النفط كمصدر شبه وحيد للإيرادات، من دون بناء قطاعات إنتاجية قادرة على تعويض أي تراجع في العوائد النفطية.

ولا يمكن الحديث عن الأزمة الاقتصادية من دون التوقف عند قطاع الكهرباء، الذي يمثل أحد أبرز نماذج ضعف كفاءة الإنفاق العام. فقد أظهرت تقارير ديوان الرقابة المالية أن الدولة أنفقت مليارات الدولارات سنويًا على شراء الكهرباء من المستثمرين ودول الجوار، في حين تجاهلت دراسات فنية كانت تشير إلى أن تأهيل المحطات الوطنية وتحويلها إلى الدورة المركبة كان سيزيد الإنتاج الوطني بكلفة أقل بكثير. كما أن بعض عقود “خذ أو ادفع” (Take or Pay) رتبت التزامات مالية على وزارة الكهرباء حتى في الحالات التي لم تستلم فيها الطاقة المتعاقد عليها، مما أدى إلى استنزاف موارد الدولة وزيادة النفقات التشغيلية على حساب الاستثمار طويل الأجل.

ولم يكن قطاع الكهرباء وحده من يعاني سوء الإدارة، فالقطاع الزراعي أيضًا يواجه تراجعًا مستمرًا بسبب شح المياه، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف الدعم الحكومي، وتأخر تنفيذ المشاريع الإروائية. ونتيجة لذلك، ازداد اعتماد العراق على استيراد المواد الغذائية، وأصبح الأمن الغذائي أكثر هشاشة في ظل أي اضطراب إقليمي أو عالمي. وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومات عن تنويع الاقتصاد، ما زالت الزراعة والصناعة تعانيان من ضعف الاستثمار، الأمر الذي أبقى الاقتصاد أسيرًا لتقلبات أسعار النفط.

إن ما يعيشه العراق اليوم ليس أزمة سيولة عابرة، ولا أزمة موظفين فحسب، بل هو نتيجة تراكم اختلالات هيكلية في إدارة الاقتصاد والمال العام. فالاعتماد المفرط على النفط، وضعف الثقة بالقطاع المصرفي، وتضخم الإنفاق التشغيلي، واستمرار العقود مرتفعة الكلفة، وتراجع الاستثمار في القطاعات الإنتاجية، كلها عوامل جعلت الاقتصاد العراقي أكثر هشاشة أمام أي صدمة خارجية.

إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بطباعة المزيد من النقود أو بالبحث عن حلول مؤقتة، بل بإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وتنشيط القطاع المصرفي، وتوجيه الإنفاق نحو الاستثمار بدلاً من الاستهلاك، ومراجعة العقود الحكومية ذات الكلفة المرتفعة، وإعادة تأهيل البنية التحتية للكهرباء، ودعم الزراعة والصناعة، وإنشاء صندوق وطني للاستقرار المالي يهيئ العراق لمواجهة الأزمات المستقبلية.

لقد كشفت قصة الحمال في الشورجة حقيقة مؤلمة؛ فحين يخسر العامل البسيط أكثر من ثمانين في المائة من دخله اليومي، فإن المشكلة لم تعد تخص فردًا أو سوقًا بعينه، بل أصبحت تعكس خللًا عميقًا في الاقتصاد الوطني. واليوم، لم يعد السؤال: هل ستُصرف الرواتب؟ بل أصبح السؤال الأهم: هل يستطيع العراق بناء اقتصاد متنوع وقادر على الصمود، أم سيبقى أسير النفط والأزمات المتكررة؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد مستقبل الاقتصاد العراقي، ومستقبل ملايين المواطنين الذين ينتظرون إصلاحًا حقيقيًا، لا حلولًا مؤقتة.

وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية