لماذا قد تكون هذه الحكومة نقطة التحول الأهم في تاريخ الاقتصاد العراقي؟

لماذا قد تكون هذه الحكومة نقطة التحول الأهم في تاريخ الاقتصاد العراقي؟

الباحثة شذا خليل*

لم يكن خطاب رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي مجرد إعلان عن برنامج حكومي جديد، بل جاء محملاً برسائل اقتصادية وسياسية تعكس حجم التحديات التي تواجه الدولة العراقية في لحظة مفصلية من تاريخها. فعندما تتحدث الحكومة عن إصلاح اقتصادي شامل، ومحاربة الفساد، وتنشيط الاستثمار، ودعم القطاع الخاص، فإنها تعترف ضمناً بأن العراق لا يواجه أزمة مالية عابرة، بل يواجه أزمة هيكلية تراكمت عبر سنوات طويلة وأثرت في قدرة الدولة على تحقيق التنمية المستدامة.

فالعراق اليوم ما زال يعتمد بصورة شبه كاملة على عائدات النفط لتمويل موازنته العامة، بينما تبقى القطاعات الإنتاجية الأخرى محدودة التأثير. وهذا ما يعرف اقتصادياً بالاقتصاد الريعي، وهو نموذج يجعل مستقبل الدولة مرتبطاً بأسعار النفط العالمية أكثر من ارتباطه بالإنتاج والاستثمار والابتكار. وفي ظل التحولات العالمية المتسارعة نحو الطاقة البديلة والتكنولوجيا الحديثة، يصبح استمرار هذا النموذج محفوفاً بالمخاطر على المدى البعيد.

ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن دعم القطاع الخاص. فالمسألة لا تتعلق فقط بتشجيع رجال الأعمال أو جذب المستثمرين، بل بإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والاقتصاد. فالحكومات لا تستطيع الاستمرار إلى ما لا نهاية في استيعاب مئات الآلاف من الشباب داخل القطاع العام، بينما يحتاج العراق سنوياً إلى خلق فرص عمل جديدة تستوعب الأعداد المتزايدة من الخريجين والباحثين عن العمل. ولذلك فإن بناء اقتصاد منتج وقادر على خلق القيمة المضافة لم يعد خياراً، بل ضرورة استراتيجية.

لكن يبقى ملف الفساد هو التحدي الأكبر والأكثر تعقيداً. فالفساد في العراق لم يعد مجرد تجاوزات إدارية أو مخالفات فردية، بل أصبح منظومة متشابكة أثرت على كفاءة المؤسسات واستنزفت الموارد وأضعفت ثقة المواطن والمستثمر على حد سواء. ولهذا فإن أي مشروع إصلاحي حقيقي لن يقاس بعدد التصريحات أو اللجان المؤقتة، بل بقدرة الحكومة على بناء منظومة رقابية ومؤسسية قادرة على كشف مكامن الخلل ومحاسبة المسؤولين وإغلاق الثغرات التي تسمح بتكرار الأخطاء.

وإذا كانت الحكومة جادة في مواجهة هذا الملف، فإن الأمر يتطلب الانتقال من مبدأ ملاحقة القضايا الفردية إلى مبدأ المراجعة الشاملة لأداء الدولة منذ عام 2003. فالإصلاح الحقيقي يبدأ بفهم ما حدث خلال السنوات الماضية، وكيف أُنفقت الموازنات الضخمة، وما هي النتائج التي تحققت فعلياً على أرض الواقع. ومن هنا تبرز الحاجة إلى هيئة وطنية مستقلة تضم خبراء اقتصاديين وماليين وقانونيين وفنيين تتولى مراجعة المشاريع الحكومية والإنفاق العام وتقييم الأداء المؤسسي في مختلف الوزارات والمحافظات.

إن الهدف من هذه المراجعة لا يقتصر على كشف الأموال المهدورة أو تحديد المسؤوليات، بل يتعداه إلى قياس الكلفة الاقتصادية الحقيقية للفساد. فكل مشروع متوقف أو متلكئ، وكل عقد جرى تضخيم كلفته، وكل فرصة استثمار ضاعت بسبب سوء الإدارة، تمثل خسارة مباشرة للنمو الاقتصادي وفرص العمل والخدمات العامة. وبعبارة أخرى، فإن الفساد لا يسرق الأموال فقط، بل يسرق سنوات من التنمية كان يمكن أن تغير حياة ملايين المواطنين.

كما أن مثل هذه المراجعة ستسمح بتقييم كفاءة السياسات الحكومية والقيادات الإدارية التي أدارت المؤسسات خلال المراحل السابقة، ومعرفة ما إذا كانت المناصب العليا قد أُسندت على أساس الخبرة والكفاءة أم على أساس المحاصصة السياسية والانتماءات الحزبية. وهذه النقطة تحديداً تمثل أحد المفاتيح الأساسية لأي إصلاح طويل الأمد، لأن بناء دولة قوية يبدأ ببناء مؤسسات يقودها أصحاب الخبرة والاختصاص.

سياسياً، يحمل هذا المسار أهمية لا تقل عن أهميته الاقتصادية. فالدول لا تُقاس فقط بحجم مواردها، بل بقدرتها على إدارة تلك الموارد بكفاءة وعدالة وشفافية. وكلما ارتفعت مستويات المساءلة والحوكمة، ازدادت ثقة المواطنين بالدولة، وازدادت قدرة العراق على جذب الاستثمارات وبناء علاقات اقتصادية قوية مع العالم.

إن العراق يقف اليوم أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر كثيراً. فإما أن يتحول الإصلاح إلى مشروع دولة حقيقي يعيد بناء المؤسسات ويحرر الاقتصاد من الاعتماد المفرط على النفط ويضع أسس التنمية المستدامة، وإما أن تبقى الإصلاحات محصورة في إطار الوعود والشعارات. وفي النهاية، فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل العراق ليس كم يملك من ثروات طبيعية، بل كيف يدير هذه الثروات، وكيف يحولها من مصدر دخل مؤقت إلى قاعدة لبناء اقتصاد قوي ودولة مؤسسات قادرة على مواجهة تحديات المستقبل.

وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية