مذكرة التفاهم وتأثيرها على منظومة الأمن الخليجي العربي (18).

مذكرة التفاهم وتأثيرها على منظومة الأمن الخليجي العربي (18).

عادت الأوساط الإقليمية والعربية للحديث عن صفقة سياسية وهدنة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران تتم خلالها فتح مضيق هرمز واعتماد الأسس الواقعية التي اقراها مذكرة التفاهم المشتركة التي وقعت في 17 حزيران 2026، ويبقى الحديث عن أي اتفاقيات أو حوارات ثنائية قائم على سؤال مهم مفاده كيف يمكن ضمان الحالة الأمنية لاقطار الخليج العربي ؟ وكيف يمكن تحويل حالة التوجس الميداني إلى مبدأ من مبادئ الاتحاد الخليجي وفق الرؤية السياسية التي اقرها البيان الختامي الذي تم به الإعلان عن تأسيس مجلس التعاون الخليجي العربي في كانون الأول 1981؟ واعتماد التكامل الدفاعي والسياسي والاقتصادي أساس لمنظومة أمنية متكاملة تحمي في اركانها المشاريع التنموية والاستثمارات المالية وتحافظ على هيكلية الدولة الخليجية وسيادتها على أرضها.
تخلى الإيرانيون عن تنفيذ مذكرة التفاهم بسبب سياسة التعنت وإظهار القوة وعدم الالتزام بتعهداتهم، وأصبحت بنودها تمثل حالة نظرية ولكنها أصبحت نقطة تحول رئيسية في معادلة الأمن الإقليمي وامتداداته نحو الشرق الأوسط، فهي لم تكتفي بالوقوف عن حدود مناقشة تفكيك البرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات الاقتصادية وإطلاق الأموال المجمدة وتحييد الصواريخ الباليستية وإيقاف الدعم والمساندة للمليشيات والفصائل المسلحة المتمسكة بتنفيذ المشروع السياسي الإقليمي الإيراني، بل أصبحت تمس مباشرة البنى والمرتكزات الأساسية التوازنات السياسية والأمنية والاستراتيجية في منطقة الخليج العربي التي تعتبر من أهم المناطق التي تلقى اهتمامًا دوليًا وإقليميًا كونها الحاضنة الرئيسية لأسواق الطاقة العالمية والتجارة الدولية والأكثر حضورًا وتأثيرًا للمتغيرات والتحولات التي تهم مصالح وغايات دول العالم.
اتسمت مذكرة التفاهم المشتركة بخاصية مهمة اعتمدت سياسية انتقال الولايات المتحدة الأمريكية من سياسة الضغط الأقصى إلى سياسة الاحتواء التفاوضي وإدارة الخطر، وهو ما يعني التوازن بين التحكم بمنع إيران من أنشطتها النووية وتطوير برامجها الصاروخية وبين التعامل معها كدولة لها حضورها ودورها الإقليمي، وتلويح ضمني لأقطار الخليجية بأن أمنها لم يعد حالة مضمونة بصورة تلقائية عبر الضمانة والدعم الأمريكي بل أصبح جزءًا من مقايضة جيوسياسية بابعادها الواسعة.
إيران تعمل جاهدة على التمسك بمضيق هرمز في سعي لتحقيق مكاسب سياسية لها في أي حوار وجلسة تفاوض قادمة وتعتمد صيغة التعامل مع سياسة (واقع الحال) خلافًا لجميع القوانين الدولية باستخدام استراتيجية سياسية أمنية عسكرية تمنع الوصول إلى سواحلها البحرية وممراتها المائية وإن لم تحقق غاياتها كاملة، لكنها جعلت من المرور البحري لناقلات الطاقة والمواد الأساسية والضروية للصناعات الرئيسية مكلفًا وذات مخاطر عديدة بزرعها للالغام البحرية واستخدام الصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيرة، وهي الأساليب والوسائل التي تتعارض مع حرية الملاحة البحرية.
وجاء تصريح المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء ( أبراهيم ذو الفقاري) ليؤكد السلوك الإيراني في التعامل الميداني بقضية مضيق هرمز بقوله (من دون التطلع إلى الأمام أو الوراء، إنه إذا جرى تنفيذ التهديدات بشأن استهداف البنى التحتية لإيران، فإن البنى التحتية في المنطقة سيجري تدميرها عن بكرة أبيها بحيث لا يبقى لها أثر وكأنها لم تكن موجودة في الأساس)، وهي تعتمد على معادلة أمنية تهدد الأوضاع الداخلية لدول مجلس التعاون الخليجي العربي وحرية الملاحة البحرية قائمة على أن (لا قطرة نفط أو غاز تعبر المضيق إن لم يعبر النفط والغاز من إيران).
تعلم الأقطار العربية وتحديداً منطقة الخليج العربي أن سياسات النظام الإيراني ونهجه في تصعيد المواجهة إنما يعمل على توسيع دائرة الصراع وزيادة التكلفة المالية الباهظة للمواجهة العسكرية التي يتحملها الإقليم اذا ما اندلعت بصورة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، ولهذا فهي تسعى دائمًا إلى منع التصعيد والعمل على توسيع مسار الحوار والتفاوض بديلًا عن مسار الحرب والقتال، ومع جميع الأدوار السياسية لبعض من دول الخليج العربي وسعيها لإيجاد قنوات للحوار والعودة للتفاوض بين واشنطن وطهران، فان المسؤولين الإيرانيين لا يزالون في تصعيد لخطابهم السياسي الشعبي وبغض النظر عن التكلفة الهائلة التي يعاني منها أبناء الشعوب الإيرانية من اضطراد في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وارتفاع في نسبة البطالة والتضخم وانخفاض شديد في العملة المحلية وانحدار في المستوى المعيشي وارتفاع كبير في أسعار المواد الغذائية والاساسية مع تراجع ملموس في الخدمات العامة ( الكهرباء والمياه والوقود).
أن الموقع الجغرافي السياسي الذي تتمتع به إيران، يُستخدم ورقة ضغط يتمثل في مضيق هرمز ولكنه إذا ما استمر في التعامل بها واعتمادها أساسًا في بقائه ومناورته السياسية فإنه سيخسر علاقاته الدولية والإقليمية بفعل التقارب الذي سيحصل بين اقطار الخليج العربي والقوى الدولية لضمان حرية الملاحة بنما يمنح أي تحرك أميركي ضد إيران غطاءً أوسع، ولكن وجود الأوساط السياسية الإيرانية المتشددة من المحافظين والقريبين من دائرة المرشد مجتبى خامنئي والتي تدعو دائمًا بعدم التخلي عن التحكم بمضيق هرمز لضمان منع واشنطن من مهاجمة طهران التي تخشى من أزمة دولية في إمدادات النفط والغاز والأسمدة، والتمسك الدائم بالسلاح النووي وإبقاء النشاط الإيراني الميداني في إنتاج القنبلة النووية قائم كضمان لبقاء وديمومة النظام الإيراني وهيمنته على الأوضاع الداخلية ودوره الإقليمي، وهذا الحال مستمر في أروقة النظام الإيراني بسبب عدم رؤية المرشد مجتبى الذي لا يراه أحد ولا يسمعه إلا عبر رسائل مكتوبة باسمه وليس بصوته، ومجلس الأمن القومي الإيراني الذي يضم عديد من القادة العسكريين والأمنيين فإن قراراته تكون بما يلائم سياسة وأهداف الحرس الثوري الإيراني الذي يشرف علية الجنرال أحمد وحيدي الذي يعتبر الرجل الأكثر تأثيرا في إيران، وما عبر عنه مجتبى في احدى رسالاته بقوله ( أن إيران المنتصرة ألحقت هزيمة شنيعة بأميركا) وما صرح به رئيس مجلس الشورى (محمد باقر قاليباف) بانتصار إيران وتثبيت حالات النصر في المجال الجيوسياسي، له الدليل الواضح لسياسة وتوجهات إيران.
واقع الحال يشير الى أن إيران ليست على استعداد للتخلي عن سيطرتها على مضيق هرمز وسلاحها النووي وبرامجها الصاروخية ودعم أذرعها المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، وما تتحدث به وتصرح بقولها أنها مع أي اتفاقيات وحوارات ووساطات إقليمية عربية، إنما هو نوع من إطالة الوقت والتسويف وإبقاء الحال على ما عليه في جعل المضيق رهينة لديها تتحكم فيه حسب مصالحها وأهدافها الإقليمية.
عند قيام المواجهة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية لم يكن مضيق هرمز هو الهدف الأساسي وإنما كانت هناك اهدافًا عديدة منها ما يتعلق بتفكيك البرنامج النووي وانهاء نشاطاته وفعالياته والحد من مديات الصواريخ البالستية وإضعاف النظام الإيراني والسعي لاسقاطه، ولكن بمرور الوقت واشتداد المواجهة برز على السطح السياسي واعتمد في مذكرة التفاهم المشتركة مبدأ السعي لفتح مضيق هرمز والسماح بمرور الناقلات والسفن حماية للأوضاع السائدة في السوق العالمية للنفط ومسيرة التجارة الدولية والالتزام بأمن الملاحة الدولية ومراعاة للالتزام بالقوانين الدولية.
التحدي الذي بدأت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تواجهه في الوصول إلى تسوية دائمة وتفاهم مستمر مع إيران والحصول على مكتسبات واقعية أو اعتماد المواجهة العسكرية المباشرة والتصعيد العسكري أساسًا في إنهاء الصراع القائم في منطقة الخليج العربي، ومع قبول واشنطن لعديد من الوساطات السياسية وتصريح ترامب المستمر ولعدة مرات بإيقاف الهجمات العسكرية داخل العمق الإيراني، فالظاهر أن واشنطن تفضل مسار التفاوض والحوار وتعتبره أولوية في رؤيتها للتعامل مع إيران، وهي تدرك أن الوقت بدأ بالضغط عليها مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية النصفية في تشرين الثاني 2026، في حين أن إيران تراهن على الحصول على صفقة أوسع ومكتسبات أكثر بخصوص رفع العقوبات الاقتصادية وإطلاق الأموال المجمدة وضمان بقاء نظامها السياسي وعدم العودة لأي عمليات عسكرية قادمة تستهدف وجوده، فالمرشد مجتبى خامنئي اعترف مؤخرًا أن الوضع الاقتصادي يشكل ( نقطة الضعف الرئيسية) لنظامه ولا انفراح اقتصادي إلا برفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية، ولا رفع لها دون العودة إلى أولويات وشروط الولايات المتحدة بتفكيك البرنامج النووي الإيراني واعتماد اتفاق شامل ونهائي يرضي جميع الأطراف.
اصرار الرئيس ترامب على فتح مضيق هرمز للملاحة الدولية من دون قيود ولا رسوم، يواجه بموقف إيراني ثابت بأن المضيق ملك لها وستستمر في الحفاظ عليه وتحمل جميع النتائج وإن كانت باهظة لأنها ترى فيه الأداة الباقية لها في حماية أمنها والحفاظ على سيادتها، ومهما استمرت الهجمات الجوية والصاروخية تجاه أراضيها ومواقعها العسكرية والأمنية ومنصات الصواريخ ومخازن الأسلحة والطائرات المسيرة والصواريخ البالستية لإضعاف قدرتها وارادتها ، فإنها ستعمل على توجيه فعالياتها وضرباتها تجاه المصالح الأمريكية باستهداف اقطار الخليج العربي ووصولها إلى أراضي المملكة الأردنية الهاشمية، فعن أي كلام وحديث البدأ بتفيذ بنود مذكرة التفاهم عبر العودة للحوار وقبول الوساطة الباكستانية القطرية الجديدة وبدعم من الرياض، ستبقى وعود لا مجال لتنفيذها وكلام ليس في الواقع منه جديد، وما الجديد الذي ستحدثه بعد أن أقرت في حزيران 2026 (60) يومًا للتفاوض والحوار ومع ذلك استمرت المواجهة دون تحقيق اتفاق نهائي..
لا تتحقق النتائج إلا بتسوية شاملة واتفاق يؤخذ بنظر الاعتبار إيقاف الأنشطة النووية وتفكيك البرنامج النووي وتحيد الصواريخ الباليستية ووقف الدور السياسي الإقليمي الإيراني، ليتم بعدها وقع العقوبات وإطلاق الأموال المجمدة والتعامل السياسي مع النظام الإيراني.

وحدة الدراسات الإيرانية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة