المواجهة الأمريكية – الإيرانية بوصفها محفزاً للاستقلال الاستراتيجي الخليجي.. (20)

المواجهة الأمريكية – الإيرانية بوصفها محفزاً للاستقلال الاستراتيجي الخليجي.. (20)

اياد العناز

أظهرت المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية معطيات سياسية واقتصادية كان من أهمها تكوين إرادة حقيقية ومواقف مبدئية راسخة قائمة على ضرورة أعداد منظومة أمنية خليجية متكاملة أساسها استقلالية القرار السياسي كشرط مهم وركيزة مبدئية في تحقيق أداة الشراكة الاستراتيجية القائمة على التوازنات الإقليمية وحفظ الأمن وإدارة الأزمات وكان من نتائجها رسم الملامح الرئيسية للمنظومة الأمنية المشتركة والتي حددت المستوى الميداني لاقطار مجلس التعاون الخليجي العربي في معالجة أي أزمة إقليمية داخلية وفق رؤيتها والالتزام بمراعاة مصالحها وثوابتها الوطنية مع تحديد واضح لحدود التعاون العسكري مع الحلفاء الرئيسين دون الاخلال بحرية القرار السياسي ومنح مبدأ الجمع بين المرونة الدبلوماسية والردع العسكري أهميته في سياق التعامل القادم على تعزيز التعاون الخليجي المشترك في مواجهة أي تحولات ومتغيرات سياسية عبر بناء منظمومة أمنية قادرة على الاستمرار مع تغيير الارادات والتحولات الأمريكية.
أن النظر إلى مبدأ الاستقلال الاستراتيجي لا يعني الابتعاد عن مجمل التحالفات الدولية، فبعض من اقطار الخليج العربي إن كانت ضمن تحالفات عسكرية واقتصادية وجزء فاعل فيها، فإنها تحتفظ بحرية تقديرها للتهديدات واتخاذ الإجراءات المناسبة التصدي لها واختيار توقيت المشاركة حدودها وتحقيق السيادة واعتمادها قرارًا رئيسيًا أهم من الاكتفاء الذاتي.
يقوم الاستقلال الاستراتيجي على بناء القدرات العسكرية التي تشمل الصناعات الدفاعية وتعزيز قدرة الأجهزة الاستخبارية والأمنية وبناء منظومة علمية من الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وبقيادة كفوءة فاعلة في السيطرة والأداء الميداني وحماية خطوط الملاحة البحرية والتجارة العالمية والطاقة الدولية كي لا تبقى رهينة لأي تحول سياسي يؤدي لانقطاع الدعم الخارجي في أي أزمة تواجهها.
تحديد أدوات الاستقلال الاستراتيجي تجعل قرار الدولة ثابتًا وطنيًا رغم وجود حالة من العلاقة المشتركة والاتفاقيات المعلنة بينها وبين حلفائها من الدول الأخرى، فالحفاظ على مبدأ التعاون وتعزيز الردع المشترك يتناغم مع التمسك في قرار استخدام القوة بمحدداته السيادية، والاستقلال الاستراتيجي يقاس بمدى قدرة الدولة على تقليل أدوات الاعتماد الخارجي في الأزمات الحرجة دون الالغاء الكامل لها.
الاستقلال الاستراتيجي الخليجي يتحقق بقدرة مجلس التعاون الخليجي على صياغة بيئتها الأمنية واتخاذ قراراتها السياسية والعسكرية بصورة جماعية مع الحفاظ على شراكاتها وتحالفاتها الدولية باعتبارها عناصر تعزز قوتها وليست بديلة عن إرادتها السيادية.
وأمام هذه المعطيات الميدانية والآفاق الاستراتيجية، يمكن أن نحدد مبادئ الاستقلال الاستراتيجي الخليجي بقدرة اقطارها على تقدير التهديدات وصياغة بيئة أمنية راسخة واتخاذ القرار السياسي والعسكري وتنفيذها بقدرات ذاتية وشركات متوازنة بما يحقق المصالح الجماعية دون الارتهان لارادة خارجية، ولكي يتحقق المضمون الحقيقي والإيجابي لهذه المحددات ويكون واقع حال يجب أن يقوم على تعزيز وحدة الإدراك الاستراتيجي بفهم مشترك يحدد أولويات وأهداف التهديد الخارجي ومدى فاعليته وأدواته ووسائله المستخدمة في استهداف الأمن الوطني الخليجي لكي يكون القرار واضحًا وايجابيًا ويكون له إمكانياته في الردع والمواجهة معتمدًا إرادة سياسية مستقلة قادرة على اتخاذ قرارها الصائب في الوقت المناسب، وهنا تكمن أهمية القدرات العسكرية التي تتسم بقيادات فاعلة وسيطرة ميدانية دقيقة ومنظومة للدفاع الجوي والصاروخي بكفاءة عالية وقدرة علمية تتكفل بالمعلومات الاستخبارية والأمنية وحماية للأمن البحري وخطوط الملاحة فيه.
يحتاج الاستقلال الاستراتيجي لاقتصاد قادر على تمويل فعاليات المواجهة والردع العسكري وتمتين الصناعات الدفاعية ودعم التقنيات العلمية والتكنولوجيا المتقدمة والحرص على استخدام الأمن السيبراني بكامل أدواته ووسائله التنفيذية، وتعزيز التعاون المشترك نحو العمق الإقليمي باتجاه الدول المرتبطة بأمن الخليج العربي في البحر الأحمر وشرق البحر الأبيض المتوسط لتوسيع المجال الاستراتيجي في تعزيز القدرة الدفاعية وحماية الممرات البحرية.
لا يتحقق الاستقلال الاستراتيجي بمفاهيمه الكاملة وأدواته التنفيذية إلا بمواجهة فعلية ومتابعة ميدانية دقيقة للتهديدات الموجهة من قبل المليشيات والفصائل المسلحة والقدرة الفعلية على التعامل معها بشكل حاسم وإيقاف تهديداتها الدائمة.
أن الاستقلال الاستراتيجي عامل اساسي في تحديد القدرة على الاختيار، أي أن تمتلك اقطار الخليج العربي حرية التحرك بشكل منفرد عندما تقتضي صالحها وحماية أمنها الوطني وأن يكون الرد جماعيًا ليكون أكثر تأثيرًا وفعالية تجاه التهديدات، وأن تتحرك مع حلفائها عندما يخدم ذلك أمنها من دون أن يفرض عليها أحد هذه الخيارات، فالشراكة الدولية المتوازنة مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأخرى تكون عامل قوة وإسناد وليس بديلًا عن بناء القدرات وتعزيز الامكانيات الخليجية العربية.
يمكن تحقيق الاستقلال الاستراتيجي الخليجي عبر دائرة موسعة تمتلك النضج السياسي في تعزيز الإرادة المشتركة والتكامل للقدرات العسكرية والاقتصادية والعلمية ورؤية استراتيجية موحدة تتجاوز إدارة الأزمات إلى صناعة البيئة الأمنية المشتركة، أمام تحقق هذه المبادئ الأساسية بصورتها الدقيقة فإن الاستقلال الاستراتيجي لن يكون بديلًا عن التحالفات، بل سيكون الإطار الذي ينظمها وعندها تصبح المنظومة الأمنية الخليجية قادرة على الانتقال من ردود الفعل إلى المبادرة ومن حماية الحدود إلى تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية بما يحقق الاستقرار ويحافظ على المصالح الخليجية العليا، والاستقلال الاستراتيجي لا يعني استبدال الولايات المتحدة الأمريكية بحليف آخر وإنما يعني أن تصبح اقطار الخليج العربي هي المركز الرئيسي لإنتاج الأمن الإقليمي وتتحول الشراكات الدولية إلى أدوات لدعم هذا الإنتاج، وتكون المنطقة ودولها هي إحدى الجهات الفاعلة في صياغة الأمن الإقليمي وقيادته بالتعاون مع حلفائها الرئيسي.
مع استمرار المواجهة الأمريكية الإيرانية فإن من أهم نتائجها السياسية والأمنية هو تشكيل الاستقلال الاستراتيجي بعد أن أصبحت التهديدات الإيرانية عابرة للحدود ولا يمكن التعامل معها بالوسائل التقليدية وأصبح الدور الخليجي أكثر حضورًا في إدارة الأزمة القائمة واكثر تحملًا لمسؤوليته الأمنية وضرورة امتلاكه قدرة على التخطيط العلمي المساند والمبادرة الميدانية، والمواجهة العسكرية سرعت في طرح الاستقلال الاستراتيجي كخيار عملي فرضته البيئة الأمنية الجديدة ولا يمكن الوصول إليه بصورة إيجابية إلا عبر
مرحلة من النضج السياسي الجماعي وإيجاد قاسم مشترك للإرادة السياسية والعسكرية التي تحدد المسارات الطبيعة والوسائل الإيجابية لتحقيق الأمن الخليجي العربي المشترك.
الاستقلال الاستراتيجي الخليجي ليس قرارًا سياسيًا يُتخذ، بل ثقافة استراتيجية وعمل جماعي أساسه قاسم مشترك في إدراك المصالح العامة والتهديدات التي تواجهها اقطار مجلس التعاون الخليجي والتي تترجم إلى مؤسسات وقدرات سياسية، واستمرار المواجهة الأمريكية الإيرانية قد لا تدفع إلى تحديث القدرات العسكرية، بل العمل على إعادة بناء العقل الاستراتيجي الخليجي الذي سيصبح التحول الأهم ليس في الأسلحة أو التحالفات وإنما في طريقة التفكير في الأمن الإقليمي والتي ستكون أكثر حضورًا من أي تحول عسكري ميداني.
الاستقلال السياسي الجماعي لمجلس التعاون الخليجي هو الروح التي تمنحه الفاعلية والاستقلال الاستراتيجي هو المرحلة التي تبلغ فيها هذه الروح درجة النضج فتتحول من التنسيق إلى الفعل المشترك.

وحدة الدراسات الإيرانية 

مركز الروابط والبحوث والدراسات الاستراتيجة