الباحثة شذا خليل*
بعد أكثر من أربع سنوات على الحرب في أوكرانيا، اعتقد كثيرون أن أوروبا نجحت في طي صفحة اعتمادها التاريخي على الغاز الروسي. فقد تراجعت حصة روسيا من واردات الغاز الأوروبية بصورة حادة، ووسّع الاتحاد الأوروبي وارداته من الولايات المتحدة والنرويج وقطر، واستثمر في محطات الغاز الطبيعي المسال والطاقة المتجددة. لكن تطورات صيف 2026 أعادت فتح السؤال من جديد: هل تخلّصت أوروبا فعلاً من الاعتماد على روسيا، أم أنها استبدلت اعتماداً مباشراً بمخاطر أكثر تعقيداً وكلفة؟
الحالة البلجيكية تقدم مثالاً لافتاً. ففي يوليو/تموز 2026، كانت روسيا المورد الوحيد لواردات بلجيكا من الغاز الطبيعي المسال (LNG)، بنحو 400 ألف طن، رغم أن الاتحاد الأوروبي يستعد لحظر الغاز المسال الروسي بالكامل. ولا يعني ذلك أن بلجيكا اعتمدت كلياً على روسيا في احتياجاتها من الغاز، إذ استمرت في تلقي الغاز عبر الأنابيب من النرويج والمملكة المتحدة، لكنه يكشف تناقضاً مهماً بين القرار السياسي الأوروبي وضرورات السوق.
أوروبا غيّرت الاعتماد ولم تُلغِه
قبل 2022، كان الغاز الروسي يمثل نحو 40% من واردات الاتحاد الأوروبي، وكانت خطوط الأنابيب توفر كميات ضخمة للأسواق الأوروبية، خصوصاً للاقتصاد الألماني والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
بعد الحرب، نجحت أوروبا في تنويع مصادرها بصورة كبيرة. لكن جزءاً أساسياً من الغاز الروسي جرى استبداله بالغاز الطبيعي المسال المستورد بحراً.
وهنا تكمن المفارقة.
فأوروبا خفّضت مخاطر الاعتماد على مورد واحد، لكنها أصبحت أكثر تعرضاً لتقلبات السوق العالمية للغاز المسال.
فالناقلة التي تتجه إلى أوروبا يمكن أن تتحول إلى آسيا إذا ارتفع السعر هناك، كما أن اضطراباً في الخليج أو مضيق هرمز يمكن أن يقلل المعروض العالمي ويرفع تكلفة الغاز في أوروبا، حتى لو لم تكن الدولة الأوروبية تستورد مباشرة من المنطقة المتضررة.
وبذلك انتقلت أوروبا جزئياً من مخاطر المورد الروسي إلى مخاطر السوق العالمية.
مضيق هرمز يعيد روسيا إلى المعادلة
اضطرابات الشرق الأوسط في 2026 كشفت هذه الثغرة بوضوح. فمضيق هرمز يمثل ممراً بالغ الأهمية لتجارة الطاقة العالمية، وأي اضطراب في حركة ناقلات LNG عبره يؤدي إلى زيادة المنافسة على الشحنات المتاحة.
وعندما ينخفض المعروض، تتغير حسابات المشترين.
في الظروف الطبيعية تستطيع أوروبا إعطاء الأولوية للاعتبارات السياسية والاستراتيجية عند اختيار المورد. أما في أوقات النقص وارتفاع الأسعار، فتزداد أهمية ثلاثة عوامل: توافر الغاز، سرعة وصوله، وسعره.
وهنا يعود الغاز الروسي إلى المعادلة، ليس لأن أوروبا قررت استراتيجياً العودة إلى موسكو، وإنما لأن السوق قد يجعل الغاز الروسي المتاح أكثر أهمية في لحظة الأزمة.
وهذا تحديداً ما يجعل الحالة البلجيكية مهمة: روسيا لم تستعد هيمنتها، لكنها أثبتت أنها لا تزال قادرة على ملء فجوة يتركها الآخرون.
الخطر الأكبر ليس نقص الغاز وإنما سعره
التحدي الأوروبي لا يتعلق فقط بتوفير الكميات اللازمة للشتاء. المشكلة الأعمق هي تكلفة الطاقة على الاقتصاد الأوروبي.
فالغاز ليس مجرد وقود لتدفئة المنازل، وإنما مدخل أساسي للصناعة وإنتاج الكهرباء والكيماويات والأسمدة والزجاج والمعادن وغيرها.
وإذا ظلت أسعار الطاقة الأوروبية أعلى من منافسيها لفترة طويلة، فإن القضية تتحول من أزمة طاقة إلى أزمة قدرة تنافسية.
الشركات الأوروبية لا تنافس بعضها فقط؛ بل تنافس شركات تعمل في الولايات المتحدة والصين والشرق الأوسط وآسيا. وإذا أصبحت تكلفة الإنتاج في أوروبا أعلى بصورة هيكلية، فقد تتجه الاستثمارات الصناعية الجديدة إلى مناطق توفر طاقة أرخص.
وهنا تصبح فاتورة التخلص من الغاز الروسي أكبر من قيمة الغاز نفسه.
هل تستطيع روسيا استعادة سيطرتها السابقة؟
على الأرجح لا.
الاتحاد الأوروبي اتخذ قراراً استراتيجياً وقانونياً بالتخلص التدريجي من الغاز الروسي. وفي يناير/كانون الثاني 2026 أقر مجلس الاتحاد الأوروبي قواعد تنص على التخلص التدريجي من الواردات الروسية، مع استهداف حظر LNG الروسي بالكامل اعتباراً من 2027 وإنهاء الغاز الروسي عبر الأنابيب لاحقاً في العام نفسه، مع ترتيبات انتقالية للعقود القائمة.
لذلك فإن عودة روسيا إلى حصة تقارب 40% كما كانت قبل الحرب تبدو بعيدة.
لكن ذلك لا يعني أن موسكو فقدت كل نفوذها.
ففي أسواق الطاقة، لا تتحدد القوة فقط بحجم الحصة السوقية، وإنما أيضاً بالقدرة على توفير الكمية الإضافية التي يحتاج إليها السوق في لحظة النقص.
قد تمتلك روسيا مستقبلاً 5% أو 10% فقط من سوق معينة، لكن إذا كانت هذه النسبة هي التي تسد الفجوة بين العرض والطلب أثناء أزمة، فقد يصبح تأثيرها في الأسعار أكبر بكثير من حجم حصتها.
وهذه هي الورقة الروسية الجديدة: الانتقال من المورد المهيمن إلى المورد الهامشي المؤثر.
معركة 2027
سيكون عام 2027 اختباراً حقيقياً للاستراتيجية الأوروبية.
إذا دخل الحظر الروسي في وقت تتوافر فيه إمدادات كبيرة من LNG الأميركي والقطري ومصادر أخرى، وتتوسع الطاقة المتجددة وتنخفض الحاجة الأوروبية إلى الغاز، فإن التخلص من روسيا قد يمر بتكلفة يمكن تحملها.
أما إذا تزامن الحظر مع اضطرابات في الشرق الأوسط، ومخزونات أوروبية منخفضة، ومنافسة آسيوية قوية على LNG، فإن الأسعار قد ترتفع، وعندها سيصبح النقاش داخل أوروبا اقتصادياً بقدر ما هو سياسياً.
والسؤال لن يكون: هل نريد الغاز الروسي؟
بل: ما السعر الذي نحن مستعدون لدفعه حتى لا نحتاج إليه؟
الخلاصة
ما حدث في بلجيكا لا يعني عودة الهيمنة الروسية على أوروبا، لكنه يحمل رسالة اقتصادية مهمة.
أوروبا نجحت في خفض اعتمادها على روسيا، لكنها لم تنجح بعد في جعل غياب الغاز الروسي بلا تكلفة.
وهذا هو الفارق الحقيقي.
حتى عام 2030، لن تُقاس قوة الاستراتيجية الأوروبية بنسبة انخفاض الواردات الروسية فقط، وإنما بقدرتها على توفير طاقة آمنة وبأسعار تحافظ على تنافسية الصناعة الأوروبية.
فإذا نجحت أوروبا في بناء مصادر متنوعة، وتوسيع الطاقة المتجددة والتخزين والشبكات، ستفقد روسيا تدريجياً ورقتها الأوروبية.
أما إذا كان كل اضطراب في سوق LNG يعيد أوروبا إلى البحث عن الغاز الروسي أو يرفع أسعار الطاقة بصورة حادة، فإن موسكو قد تخسر حصتها التاريخية في السوق، لكنها ستحتفظ بشيء لا يقل أهمية:
القدرة على التأثير في كلفة استقلال أوروبا عنها.
وحدة الدراسلت الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الر وابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
