إيران على حافة الانفجار: اقتصاد ينهار وحرب قد تغيّر مستقبل المنطقة

إيران على حافة الانفجار: اقتصاد ينهار وحرب قد تغيّر مستقبل المنطقة

 

الباحثة شذا خليل*

على مدى أكثر من خمسة عقود، مر الاقتصاد الإيراني بتحولات حادة جعلته أحد أكثر اقتصادات الشرق الأوسط تقلباً. فمن دولة كانت تمتلك واحداً من أسرع الاقتصادات نمواً في آسيا خلال سبعينيات القرن الماضي، إلى اقتصاد يواجه اليوم مزيجاً معقداً من العقوبات الدولية، والحروب، والتضخم المرتفع، وانهيار العملة، وتراجع الاستثمار، وأزمة كهرباء تهدد القطاع الصناعي بأكمله.

واليوم، ومع تصاعد الضربات العسكرية التي استهدفت أجزاء من البنية التحتية للطاقة، يواجه الاقتصاد الإيراني تحدياً قد يكون الأخطر منذ انتهاء الحرب العراقية الإيرانية عام 1988. فالأزمة الحالية لم تعد مجرد نقص في الكهرباء أو ارتفاع في الأسعار، بل أصبحت تمثل اختباراً لقدرة الدولة على الحفاظ على الإنتاج، والاستثمار، والاستقرار الاجتماعي في وقت واحد.

من الطفرة النفطية إلى العقوبات

في سبعينيات القرن الماضي، استفادت إيران من الطفرة النفطية العالمية، وقفزت عائداتها النفطية بصورة غير مسبوقة. وبدأت الحكومة آنذاك تنفيذ مشاريع ضخمة في الصناعة والطاقة والطرق والتعليم، حتى أصبحت إيران من أسرع الاقتصادات نمواً في المنطقة.

لكن الثورة الإسلامية عام 1979 غيّرت المشهد بالكامل، إذ تبعتها الحرب مع العراق (1980-1988)، التي استنزفت الاقتصاد وأدت إلى تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية النفطية والصناعية.

وبعد انتهاء الحرب، دخلت إيران مرحلة إعادة الإعمار، لكنها لم تستطع استعادة زخمها الاقتصادي بسبب العقوبات الدولية المتزايدة، والعزلة المالية، وصعوبة جذب الاستثمارات الأجنبية والتكنولوجيا الحديثة.

ومنذ عام 2018، ومع إعادة فرض العقوبات الأمريكية، دخل الاقتصاد الإيراني مرحلة أكثر تعقيداً، إذ تراجعت صادرات النفط، وانخفضت قيمة الريال بصورة كبيرة، وارتفع التضخم إلى مستويات أضعفت القوة الشرائية للمواطنين.

اقتصاد يعتمد على النفطتكمن إحدى نقاط الضعف الرئيسية في الاقتصاد الإيراني في اعتماده الكبير على قطاع النفط والغاز.

عندما ترتفع أسعار النفط تتحسن الإيرادات الحكومية، لكن عند انخفاض الصادرات أو تشديد العقوبات أو تعرض البنية التحتية للطاقة للهجمات، تبدأ الضغوط المالية بالظهور سريعاً.

وهذا الاعتماد جعل الاقتصاد أقل قدرة على تنويع مصادر الدخل مقارنة بدول أخرى في المنطقة نجحت في تطوير قطاعات الصناعة والسياحة والخدمات والتكنولوجيا.

أزمة الكهرباء… ليست أزمة طاقة فقط

تبدو أزمة الكهرباء الحالية ظاهرياً مشكلة خدمية، لكنها في الحقيقة تمثل أزمة اقتصادية عميقة. فالكهرباء هي العمود الفقري للإنتاج الصناعي. كل ساعة انقطاع تعني:

توقف خطوط الإنتاج. تلف المواد الغذائية. انخفاض إنتاج المصانع. ارتفاع تكاليف التشغيل. خسائر في الصادرات. وزيادة البطالة.

كما أن المصانع التي تضطر للاعتماد على مولدات الديزل تتحمل تكاليف أعلى، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع داخل الأسواق.

والأخطر أن الأزمة لم تنتج فقط عن الحرب الأخيرة، بل كشفت عن مشكلة تراكمت لعقود نتيجة ضعف الاستثمار في محطات التوليد وتقادم شبكات النقل والتوزيع وارتفاع الفاقد الفني في الشبكة الكهربائية.

الحرب تضاعف الأزمة الحروب لا تدمر المباني فقط، بل تدمر رأس المال الاقتصادي.

فعندما تُقصف محطة كهرباء أو ميناء أو مصنع أو منشأة بتروكيماوية، فإن الاقتصاد لا يخسر الإنتاج الحالي فقط، بل يخسر أيضاً سنوات من الاستثمار والإيرادات المستقبلية.

وتؤدي الحرب كذلك إلى:

ارتفاع تكاليف التأمين. تراجع الاستثمار المحلي والأجنبي. زيادة هروب رؤوس الأموال. انخفاض قيمة العملة. ارتفاع التضخم. وتوسع البطالة. كما يصبح القطاع الخاص أكثر تردداً في إنشاء مصانع أو مشاريع جديدة، خوفاً من عدم الاستقرار الأمني.

التضخم… العدو الأكبر للمواطن الإيراني يعد التضخم أحد أخطر التحديات التي تواجه إيران اليوم. فعندما ترتفع الأسعار بوتيرة أسرع من نمو الأجور، تتآكل القوة الشرائية للأسر.

ومع استمرار انخفاض قيمة الريال، تصبح الواردات أكثر تكلفة، خاصة الأغذية والأدوية والمواد الخام، مما يخلق حلقة مفرغة يصعب كسرها. هجرة العقول من أخطر الآثار الاقتصادية غير المباشرة استمرار هجرة الكفاءات العلمية والمهندسين والأطباء ورواد الأعمال. فعندما يغادر أصحاب الخبرات، يخسر الاقتصاد أهم عناصر النمو المستقبلي، وهو رأس المال البشري. وهذا يعني انخفاض الابتكار والإنتاجية، وتراجع القدرة على تطوير الصناعات والتكنولوجيا المحلية.

هل يمكن أن تتكرر أزمة شبيهة بفنزويلا؟

رغم وجود بعض أوجه التشابه مثل العقوبات والتضخم والاعتماد على النفط، فإن الاقتصاد الإيراني أكثر تنوعاً من الاقتصاد الفنزويلي، كما يمتلك قاعدة صناعية وزراعية أكبر.

لكن استمرار الضغوط الحالية قد يدفع الاقتصاد إلى سنوات طويلة من النمو الضعيف، وليس بالضرورة إلى انهيار كامل.

السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: التعافي التدريجي إذا توقفت العمليات العسكرية، وتم إصلاح شبكة الكهرباء، واستقرت صادرات النفط، فقد يعود الاقتصاد إلى نمو محدود خلال عدة سنوات. لكن التعافي سيكون بطيئاً، لأن إعادة بناء الثقة والاستثمار تحتاج إلى وقت.

السيناريو الثاني: الركود الطويل

إذا استمرت العقوبات والأضرار الحالية دون توسع كبير للحرب، فمن المرجح أن يدخل الاقتصاد في مرحلة طويلة من: تضخم مرتفع. نمو اقتصادي ضعيف. بطالة متزايدة. انخفاض مستوى المعيشة وتراجع الاستثمار.

وهو سيناريو يشبه ما يسمى اقتصادياً بـ الركود التضخمي.

السيناريو الثالث: التصعيد العسكري

أما إذا اتسعت الحرب لتشمل مزيداً من البنية التحتية للطاقة والموانئ والمنشآت النفطية، فقد تصبح التداعيات أكثر خطورة، مثل: انخفاض حاد في الإنتاج الصناعي. توسع البطالة. تراجع الإيرادات الحكومية. ضغوط أكبر على العملة والتضخم. زيادة الفقر وعدم الاستقرار الاجتماعي. وتأخر مشاريع التنمية لسنوات. هذا السيناريو يبقى احتمالاً وليس نتيجة حتمية، إذ يعتمد على تطورات الصراع والسياسات الاقتصادية اللاحقة.

الخلاصة

الأزمة التي تعيشها إيران اليوم ليست أزمة كهرباء فقط، ولا أزمة حرب فقط، بل هي نتيجة تراكمات استمرت لعقود، بدأت بالاعتماد الكبير على النفط، ثم تعمقت بفعل العقوبات، وضعف الاستثمار، وتقادم البنية التحتية، وأخيراً جاءت الحرب لتكشف حجم الهشاشة الاقتصادية.

وإذا لم تتمكن إيران من تحديث قطاع الطاقة، وتنويع اقتصادها، وجذب استثمارات جديدة، واستعادة الاستقرار، فإن السنوات المقبلة قد تشهد استمرار الضغوط على النمو ومستوى المعيشة. أما إذا تحقق قدر أكبر من الاستقرار الأمني والاقتصادي، فقد يبدأ الاقتصاد مسار تعافٍ تدريجي، وإن كان ذلك سيستغرق سنوات وليس أشهراً.

 

وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية