إيران… التفاوض مع واشنطن سيكون قرارًا أمنيًا.. (3)

إيران… التفاوض مع واشنطن سيكون قرارًا أمنيًا.. (3)

اياد العناز 

اثبت التغييرات في هيكلية المنظومة العسكرية والأمنية الإيرانية التي أحدثها المرشد الأعلى مجتبى خامنئي انها تندرج ضمن سياق العمل الميداني والرؤية المستقبلية للمواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية، فتعيين محسن رضائي أمينًا عامًا لمجلس الأمن القومي يعزز الحضور العقائدي للمشروع السياسي الإقليمي الإيراني ويعطي دلالة مهمة في التأثير الأمني على صناعة القرار الإيراني في المنظومة القيادية السياسية، وأنها تحمل مؤشرات عديدة على إعادة تنظيم القرار الأمني والعسكري بما يتلائم والتطورات القائمة والوقائع الميدانية والتي تتجه داخليًا نحو استكمال عملية ربط هيئة أركان الحرس الثوري مع مؤسسة خاتم الأنبياء ذات النفوذ الاقتصادي والاستخباري.
أن التعيينات الجديدة سيكون لها وقعها وتأثيراتها على مستقبل المواجهة الأمريكية وهندسة منظومة الأمن الخليجي العربي ضمن أبعاد محددة أهمها، أن ملامح المواجهة مع الولايات المتحدة ستصبح ذات أدوات ووسائل أمنية وتبتعد قليلًا عن الردع العسكري المباشر وتشهد سيطرة واضحة من قبل القيادات الأمنية للحرس الثوري على استراتيجية القرار السياسي للدولة الإيرانية، وهذا لا يعني اعتماد المواجهة المباشرة للنزاع مع واشنطن وإنما ستكون هناك وسائل تعتمد الانضباط في استخدام والاحتفاظ بأدوات الردع والضغط والمساومة.
تعيين محسن رضائي في أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي يأتي في وقت تستمر فيه الترتيبات الميدانية والحوارات المباشرة والرسائل المتبادلة مع الإدارة الأميركية عبر الوساطات العربية والإقليمية لوضع اللمسات الأخيرة لترتيبات خاصة تتعلق بمضيق هرمز وحركة الملاحة الدولية وحماية الممرات البحرية، وهذا يشير إلى أن المؤسسة الأمنية التي تفكر بمنطق وأهداف الأمن القومي والحرب والردع المماثل أصبحت أقرب لمركز التفاوض واتخاذ القرار السياسي في استمرار الحوار الدبلوماسي، وهي تحدد معادلة مستقيمة قائمة على ردع محدد وضغط غير مباشر وتفاوض عند الضرورة ثم إعادة لبناء القوة، وهي السياسية التي سيعتمدها محسن رضائي في تحول الرد العسكري مع الولايات المتحدة الأمريكية إلى إدارة الصراع طويل الأمد.
وأول اختبار لهذه السياسية سيكون آلية التعامل مع مضيق هرمز وما ستتمخض عنه نتائج الحوارات والتفاهمات العُمانية الإيرانية في ضوء المعلومات الميدانية التي تشير إلى أن الطرفين اقتربا من اتفاق بشأن مسار الملاحة في المضيق، ولكن الشرط الإيراني يلزم الجميع بإعادة فتحه بتنازلات أمريكية في ملفات العقوبات الاقتصادية وإطلاق الأموال المجمدة وضمانات بعدم العودة للقتال والدعوة لاسقاط النظام الإيراني.
أصبح مضيق هرمز أداة تفاوض استراتيجية لإيران ومفتاح مهم في ميدان الجغرافية السياسية وليس ممر ملاحي بحري فقط، فإن تمكنت إيران من استخدامه للضغط على الإدارة الأمريكية من دون إعلان مواجهة عسكرية واسعة، فهذا يعني نجاح لنموذج الدولة الأمنية التي بدأت بإدارة الأحداث بعد التشكيل الجديد الذي واكب عمليات التغييرات في الجانب الأمني والعسكري.
ولكن إذا عاودت المنظومة الأمنية والعسكرية بقيادة الحرس الثوري توجهاتها والدعوة لفرض ترتيبات جديدة خاصة بالمرور البحري للناقلات والسفن والتأثير على خطوط التجارة الدولية والطاقة العالمية، فإن عودة المواجهة العسكرية ستكون حاضرة بكل ضراوتها وقسوتها، وهذا ما سيجعل اقطار مجلس التعاون الخليجي العربي أكثر حضورًا في تشكيل ردع خليجي قادر على العمل المتكامل مع الولايات المتحدة الأمريكية والذي سيكون أحد نتائج المواجهة التي انطلقت في 28 شباط 2026 في أن الخليج العربي لا يمكن أن يبقى معتمدًا بالكامل على ضامن خارجي بل يحتاج إلى قدرات دفاعية خليجية أساسية بوجود شراكات متعددة وردع متكامل.
التغييرات الإيرانية ستعمل على تسارع التوجه الخليجي السياسي الأمني لتعزيز منظومة الأمن الخليجي المشترك إذا ما انطلقت إيران في تغيير سلوكها السياسي إلى الاعتماد الكلي على عسكرة النظام واعتماد الصيغ الأمنية في إدارة الحكم، وهنا ستكون الأقطار الخليجية أمام التعامل مع كل أزمة على حدة وباجراءات منفردة ، أو الذهاب لبناء منظومة أمنية مشتركة يتحدد فيها وسائل الانذار المبكر ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي وتأمين مستلزمات الأمن البحري في مضيق هرمز وتعزيز الإجراءات باستخدام الأساليب والأدوات العلمية القائمة على الأمن السيبراني وتنشيط العمل الاستخباري وتبادل المعلومات الأمنية وحماية المنشآت النفطية والغازية وشبكات الكهرباء والمياه.
وتبرز نقطة مهمة تمثل التوجه الإيراني في اعتماد سلوك وإدارة الدولة الأمنية، فكلما تصاعد هذا السلوك ازدادت حاجة إيران لقوة خارجية منظمة وكلما ازدادت هذه القوة تنظيماً، ازدادت حاجة الخليج العربي لمنظومة أمنية متكاملة مشتركة.
الأبعاد الميدانية لنجاح الحوار العُماني الإيراني سينعكس على المواجهة الأمريكية الإيرانية بانتقال طهران من الرد المباشر إلى إدارة الصراع وهذا ما ترغب به القيادة العسكرية التي أمر بإعادة تنظيمها المرشد مجتبى خامنئي بالانتقال إلى إدارة مواجهة طويلة وليس الرد على الضربات الأمريكية، فبعد القرار الإيراني بدمج مراكز القيادة وإسناد مواقع حساسية لشخصيات سبق لها العمل في تشكيلات الحرس الثوري، يعني محاولة تقليل الازدواجية بين الجيش والحرس وتسريع القرار الميداني أثناء المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا توجه استراتيجي فالتجربة الميدانية كشفت أن المشكله ليست في امتلاك أدوات القوة بل في سرعة التنسيق وتماسكه القيادة.
التفاوض مع الإدارة الأميركية سوف لا يبتعد عن منظور التعامل السياسي الإيراني ولكنه سيكون أكثر ارتباطاً بالقرار العسكري ومن هنا تبرز الأهمية التي اعتمدت في اختيار محسن رضائي لامانة مجلس الأمن القومي الإيراني، وهذا يعطي مسار لسياسة قائمة على أن التفاوض لا يعني التراجع عن الردع الذي بدوره لا يعني الذهاب لحرب شاملة، وهو تعقيد لمسار الصراع الأمريكي الإيراني، وسيكون مضيق هرمز جزءًا حيويًا من معادلة الأمن القومي الإيراني وليس مجرد ملف اقتصادي وعندها ستتسع مساحة الاحتكاك مع اقطار مجلس التعاون الخليجي العربي إذا اعتبرت إيران أن أي تعاون خليجي مع واشنطن في قضية مضيق هرمز جزء من المواجهة بل أساس لها.
أن التغييرات الإيرانية ستكون عامل إيجابي في بناء منظومة أمنية خليجية متكاملة، ومجتبى بقراراته لا يعيد تشكيل المؤسسة العسكرية لحماية حكمه، بل يعيد تشكيلها لتصبح أداة لصراع طويل مع الولايات المتحدة الأمريكية مع ضبط للداخل الإيراني في الوقت ذاته، وهذا يعني تغيير طبيعة المواجهة من صراع عسكري مباشر إلى صراع مركب ( أمني عسكري – اقتصادي – تفاوضي)، لتصبح المعادلة الإقليمية أكثر وضوحاً بأنه كلما زادت قدرة إيران على أدارة الصراع ازدادت الحاجة الخليجية إلى إدارة جماعية متماسكة للأمن الجماعي.
مضيق هرمز لم يعد مجرد ورقة ضغط إيرانية في المواجهة، بل تحول إلى جزء من تعريف الأمن القومي الإيراني نفسه.
والتطورات الأخيرة تؤكد ذلك بوضوح؛ فالأمين الجديد للمجلس الأعلى للأمن القومي، محسن رضائي، أعلن أن المضيق سيبقى مغلقاً ما لم تستجب واشنطن لشروط طهران، في حين ما زالت المفاوضات بوساطة عُمان تبحث ترتيبات المرور فيه.
ويتحدد حديث رضائي بمسائل جوهرية تتأخذ من مضيق هرمز خط ردع لم تعد إيران تنظر إليه باعتباره ممرًا بحريًا يمكن تعطيله، بل يمثل لها قدرة استراتيجية تستطيع خلالها من رفع تكلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها ولذلك أصبح قرار فتحه أو إبقائه مغلقًا مرتبط بالمفاوضات وبشروط الأمن القومي الإيراني، التي تعتبر حرية الملاحة ليست منفصلة عن طبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران، وبالمقابل ترى واشنطن أن حرية الملاحة في المضيق مسألة دولية لا يمكن أن تصبح أداة ابتزاز سياسي، لذلك فإن أي تفاهم حول مضيق هرمز سيكون جزءًا من التسوية الاشمل للمواجهة العسكرية وليس اتفاقاً ملاحيًا منفردًا.
تحول أمن المضيق لمسألة أمن إقليمي سيكون أكثر خطورة على الإقليم، فإذا أصبح المضيق أداة ردع إيرانية فإن أمنه لا يمكن أن يبقى مسؤولية إيران والولايات المتحدة الأمريكية وحدهما، بل أن الأقطار الخليجية العربية معنية مباشرة بحرية الملاحة ومستلزماتها.
أن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي يعيد بناء منظومة الحكم على أساس أمني عسكري ليجعل مضيق هرمز جزءًا من الأمن القومي ليمنح المؤسسة الأمنية والعسكرية ملفًا استراتيجيًا يتجاوز الدفاع عن الأراضي الإيرانية إلى إدارة واحدة من أهم نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي.