عدنان مندريس وقسوة المصير

عدنان مندريس وقسوة المصير

معمر فيصل خولي 

اليوم،  17 أيلول/ سبتمبر، 2026م، تصادف الذكرى الخامسة والستون على اعدام عدنان مندريس أول رئيس وزراء تركي منتخب من قبل الشعب التركي .فإذا كنت تسير في إحدى شوارع الولايات التركية وسمعت الآذان يرفع باللغة العربية فما عليك سوى أن تتذكر ذلك الرئيس. فبعد شهر من انتخابه رئيسا لوزراء تركيا في عام 1950م، أعيد رفع الآذان باللغة العربية بدلا من اللغة التركية في المساجد التركية بعد حظر دام ما يقارب 18 عاما.

هذا القرار وإلى جانب قرارات أخرى متصالحة مع القيم والهوية الإسلامية منها على سبيل المثال أعيد فتح مدارس الأئمة والخطباء وأعيد فتح كلية الشريعة وإلقاء المحاضرات الدينية، هذه القرارات عملت على استفزاز القوى العلمانية المتطرفة التي شجعت أنصارها للخروج بمظاهرات عارمة في المدن التركية وتحدبدًا في اسطنبول وأنقرة للتنديد بسياسات مندريس. لتشهد تركيا في عام 1960م، أول انقلاب عسكري، وأول محكمة صورية اتهمت عدنان مندريس في قيام دولة دينية وانتهاك مبادىء جمهورية التركية، وبعد أيام فقط، أصدرت المحكمة  حكمها بالإعدام على عدنان مندريس ووزير خارجيه فطين رشدي ووزير ماليته وحسن بولاتكان  في سبتمبر/ أيلول عام 1961م.

ليرتبط بعد ذلك، اسم عدنان مندريس بألقاب عديدة كالشهيد الأول أو شهيد الآذان في الذاكرة التركية المعاصرة، ويصبح أيضًا أول ضحايا النخبة العسكرية الكمالية. ولم يمنع هذا المصير المؤلم من انصافه ولو بعد عقود من قبل تورغوت أوزرال ورجب طيب اردوغان.

ففي  الذكرى 29 لإعدام عدنان مندريس ، قرر الرئيس التركي الأسبق تورجت أوزال في عام ١٩٩”م، في إعادة الاعتبار له، وذلك عندما اصدر  قراره  بنقل رفات عدنان مندريس ورفاقه من جزيرة ياسي أدا، إلى مقبرة خاصة أقامتها بلدية إسطنبول على تلة قريبة من منطقة طوب قابي. وأعقب ذلك إطلاق اسم عدنان مندريس على عدد من المناطق، وجامعة حكومية، والمطار الدولي بولاية إزمير.

وفي  أيار/ مايو 2020 افتتح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان جزيرة الديمقراطية والحريات” يأسي أدا سابقا”  في إسطنبول، تزامناً مع الذكرى الستين لانقلاب 27 أيار/ مايو ١٩٦٠م.

وألقى الرئيس التركي كلمة في حفل افتتاح الجزيرة، قال فيها :” إن يوم انقلاب 27 مايو كان أحد أسوأ الأيام في تاريخ تركيا، إذ تعرَّضت قيادات الدولة في حينها لأسوأ التصرفات والانتهاكات غير الإنسانية”، مضيفاً “أن محاكمة مندريس كانت غير شرعية،  وكانت محاكمة لشعبنا وتاريخه ولأمتنا، وتلك خطوط سوداء لن تُمحَى من جبين الذين أصدروا قرار الإعدام بحق مندريس وزملائه”.

شكل انقلاب ٢٧ أيار/ مايو عام ١٩٦٠م، بقيادة جمال كورسيل ، ضربة موجعة للحياة السياسية التي تبنت التعددية الحزبية بدلا من سيطرة الحزب الواحد ” حزب الشعب الجمهوري على مقاليد الدولة التركية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

فرض هذا الانقلاب على تركيا بشكل أو بآخر نهج أصعب بكثير من النظام الحزب الواحد، ألا وهو وصاية المؤسسة العسكرية  على النظام السياسي التركي، هذه الوصاية التي شوهت الحياة الديمقراطية التركية،التي كانت تسير في طريقها الصحيح لولا ذلك الانقلاب. فأصبح العمل الحزبي مرهون بمدى رضا تلك المؤسسة على هذا الحزب أو ذاك وتماهيه مع مبادىء كمال العلمانية ، وأن أي حزب يبتعد عن ذلك الخط، فمصيره الحل ومصير أعضاؤه المعتقلات.

وكان هذا الانقلاب مقدمة لانقلابات عسكرية شهدتها تركيا في آذار/ مارس عام١٩٧١م، وانقلاب أيلول/ سبتمبر عام ١٩٨٠م، وانقلاب شباط/ فبراير عام ١٩٩٧م. كل هذه الانقلابات حدثت للتأكيد على أمر واحد فقط وصاية المؤسسة العسكرية على النظام السياسي في تركيا ولكن مع مجيء حزب العدالة والتنمية  إلى الحكم في تشرين الثاني / نوفمبر عام ٢٠٠٢م، شهدت تركيا نتيجة الإصلاحات السياسية والقانونية والاقتصادية التي قامت بها حكومات الحزب، استقرارا سياسيا، وتراجعا في  دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية لتتحول من الوصاية السياسية إلى الحماية الدولة من الاعتداءات الخارجية .

 خلاصة القول، احتاجت تركيا لعقود من الزمن لعودة المؤسسة العسكرية في تركيا إلى مهامها التقليدية، بعد أن دفع عدنان مندريس ثمن توغلها – انذاك- في الحياة السياسية حيث واجه قسوة المصير.