نعم العالم مهدد بالفناء.. والسبب هو نحن

نعم العالم مهدد بالفناء.. والسبب هو نحن

لماذا نسينا واجبنا الأخلاقي في الحفاظ على البيئة، وأوغلنا في صبّ اللعنات على حكومات وشركات الدول الكبرى بوصفها المسؤول الأول والأخير عن التدمير الذي لحق بالمناخ؟

هل حقا أن الوقود الأحفوري هو السبب الوحيد في حدوث ظاهرة التغيّر المناخي الذي نشهده؟ وإن كان هو المسؤول، هل يعفينا ذلك كأفراد من تحمل المسؤولية؟

اجتماع دول العالم في غلاسكو لاقتراح حلول لا يعفينا من تحمل المسؤولية، نحن شركاء بسلوكنا اليومي في جريمة تدمير كوكب الأرض.

دعونا ننسى للحظات مسؤولية الدول الصناعية الكبرى عن غازات الاحتباس الحراري. صحيح أننا لا نصنع وسائل النقل، المسؤول الأول عن التلوث البيئي، ولكننا نستخدمها، ونستخدمها بشكل عشوائي.

ما يتسبب فيه النشاط البشري والحيواني من انبعاثات تتكفل بإزالته الأشجار والمحيطات التي تقوم بامتصاصه. ومحصلة المعادلة يجب أن تكون صفرا

الهدر، هي الكلمة الوحيدة التي يمكن لها أن تصف استخدامنا للموارد الطبيعية.

التحذيرات من مستقبل نواجه فيه شحا في المياه قد يؤدي إلى حروب وصراعات أهلية، ومخاطر التصحر وما يمثله من تهديد لأمننا الغذائي، تعاملنا معها على أنها أمور ستحدث للآخرين أو أنها ستحدث في المستقبل البعيد.

ثقافة “أنا ومن بعدي الطوفان” هي الثقافة التي سادت مجتمعاتنا وطبعت سلوكنا حتى هذه اللحظة التي تداعت فيها دول العالم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

دمار البيئة ليس مجرد قضية سياسية أو اقتصادية أو أمنية. إنه في الدرجة الأولى قضية أخلاقية وثقافية وتربوية.

ألف ولا تؤلفان، ألا تبدو هذه الكلمات مألوفة؟ العالم مصيره إلى الفناء، فلماذا نشغل أنفسنا بالتفاصيل إذا؟

نعم العالم مهدد بالفناء، والسبب هو نحن، أنا وأنت، سلوكنا القائم على التبذير والهدر هو السبب.

لن يجانب الصواب من يقول إن الفوضى التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اليوم سببها التغيرات المناخية.

بقليل من الجهد يمكن أن نرى الرابط بين الهجرة من الريف إلى المدينة وبين الجفاف وشح المياه الذي دفع بالمزارعين وأبنائهم إلى التخلي عن حرفة مارسوها لآلاف السنين في وقت تزايدت فيه أعداد السكان، وكان من أول نتائجها تزايد أعداد العاطلين عن العمل بين الشباب، خاصة في صفوف المتعلمين وحاملي الشهادات العليا.

خريجو معاهد طبية وهندسية اضطروا للعمل سائقي سيارات أجرة وفي أعمال دنيا لتأمين خبزهم كفاف يومهم، فما بالك بخريجي العلوم الإنسانية.

لقد شكلوا وقودا للفكر المتطرف، مدفوعين بحقد اجتماعي له ما يبرره، بعد أن تخلت عنهم حكوماتهم وتركتهم يواجهون مصيرهم دون أي دعم.

لم تكترث الحكومات الثورجية في الشرق الأوسط وفي شمال أفريقيا للظاهرة التي أدت إلى النزوح من الريف إلى المدينة، ولم تتخذ أي مبادرات لوقف الظاهرة، بل على العكس شجعت عليها.

هذا ما فعله بوضوح العسكر في مصر وسوريا والعراق وليبيا والجزائر.. الذين اخترعوا أعداء وهميين يقاتلونهم، وشجعوا شباب الأرياف على النزوح إلى المدن غير عابئين بالدمار الذي لحق بمهنة الزراعة، مصدر الدخل الأساس لتلك الدول، وأدى إلى ما نشاهده اليوم من انعدام للأمن الغذائي.

المهم فقط أن يحيا العسكر. لماذا يشغلون أنفسهم بقضايا البيئة، طالما أن في مقدورهم أن يلقوا باللائمة على الدول الاستعمارية الغربية؟

لدول الخليج حكاية مختلفة مع التغير المناخي، حيث حصلت على نصيبها من درجات الحرارة القصوى، وشهدت موجات حارة غير مسبوقة. ومع ارتفاع درجات الحرارة، ارتفعت معدلات الرطوبة، ما يعني تعرض الملايين من الأشخاص لخطر الإجهاد الحراري.

معروف أن العلماء يقيسون درجة حرارة الوسط المحيط والرطوبة المصاحبة بمقياس يسمى “درجة حرارة المصباح الرطب”، وتبلغ أعلى درجة قد يحتملها الجسد البشري على هذا المقياس 35 درجة، إذ يعجز الجسم البشري حال تجاوزها عن تبريد نفسه عن طريق إفراز العرق.

وتشير دراسة نُشرت في مجلة “نيتشر” العلمية إلى أن عددا من المدن الساحلية المنخفضة، بما فيها أبوظبي ودبي والدوحة والظهران السعودية، تعد الأكثر عرضة لخطر تجاوز درجات حرارة المصباح الرطب سقف ما يحتمله الجسم البشري.

لم تقف دول الخليج مكتوفة الأيدي أمام هذه التحديات، ويشكل رهان بناء مدن ذكية قادرة على التكيف مع المتغيرات الجوية على صعيد مكافحة الاحتباس الحراري، أبرز معالم الخطط الحكومية التي أطلقتها لمواجهة أيّ تداعيات قد تعرض سكانها للخطر.

وعملت على تبني نهج منفتح لإحداث تغييرات بيئية جذرية تنقذ المنطقة والعالم من الانبعاثات. حيث سجل في الإمارات استحداث وزارة مختصة بالتغير المناخي والبيئة، إضافة إلى إطلاق السعودية للبرنامج الوطني للاقتصاد الدائري للكربون والمساهمة في الحد من الانبعاثات.

لقد نسينا على مدى عقود عدة، رغم ارتفاع الأصوات المحذرة، أن مشكلة الاحتباس الحراري معادلة من طرفين، الطرف الأول انبعاثات الغازات، والطرف الثاني التخلص من هذه الانبعاثات.

ما يتسبب فيه النشاط البشري والحيواني من انبعاثات تتكفل بإزالته الأشجار والمحيطات التي تقوم بامتصاصه. ومحصلة المعادلة يجب أن تكون صفرا.

عرفت البشرية هذه الحقيقة منذ زمن بعيد؛ دليل ذلك احتفال العالم بالشجرة وإقامة عيد لها؛ ليس لأنها جميلة المنظر، بل لأنها سلاح البشرية لحماية البيئة.

أقامت قرية موندونيدو الإسبانية أول مهرجان موثق لزراعة الأشجار في العالم الذي نظمه عمدة المدينة عام 1594. وفي الولايات المتحدة أعلن عن أول يوم شجرة في مدينة نبراسكا في العاشر من أبريل 1872.

لم تكترث الحكومات الثورجية في الشرق الأوسط وفي شمال أفريقيا للظاهرة التي أدت إلى النزوح من الريف إلى المدينة، ولم تتخذ أي مبادرات لوقف الظاهرة، بل على العكس شجعت عليها

في عام 1906 طلب رئيس دائرة الغابات في الولايات المتحدة غيفورد بنكوت من الرئيس الأميركي تيودور روزفلت أن يتحدث إلى طلاب المدارس عن الحفاظ على البيئة. وفي الخامس عشر من أبريل 1907 أصدر روزفلت “إعلان يوم الشجرة لطلاب المدارس” حول أهمية الأشجار ودورها في الحفاظ على البيئة.

أصبح يوم الشجرة احتفالا عالميا، وإن كانت كل دولة تحتفل به في تاريخ مختلف.

صادف كتابة هذه السطور احتفال تونس بعيد الشجرة (الثاني من شهر نوفمبر)، ومع الأسف، كما في الدول الأخرى لم تحظ تلك المناسبة بأي تغطية إعلامية، بينما انشغلت وسائل الإعلام بتغطية فعاليات مهرجان قرطاج السينمائي.

لن يتوقف اعتماد الإنسان على الوقود الأحفوري، والطاقة بمختلف أشكالها، على الأقل في المستقبل القريب، ولكن ما يمكن توقفه هو ثقافة الهدر وعدم الاكتراث، واستبدالها بمنظومة أخلاقية في التعامل مع البيئة.

العرب