إسرائيل والأمم المتحدة: سيرة ابتزاز

إسرائيل والأمم المتحدة: سيرة ابتزاز

عادت دولة الاحتلال الإسرائيلي، أخيراً، لتذكّر العالم بعلاقتها المستهترة بالأمم المتحدة، عبر تاريخ طويل منذ مشروع تقسيم فلسطين بالقرار 181 في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947. هذه المرة، وفي ذروة الحرب على قطاع غزة، صوّب الاحتلال سياسياً وإعلامياً على الأمين العام الحالي للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، لمجرد أن الرجل هاله ما يقوم به الاحتلال من تدمير، وإيصال الحياة في غزة إلى حافة الموت، ورفض وقف الحرب وفتح المعابر.

ولجأ غوتيريس، يوم الأربعاء الماضي، إلى تفعيل المادة 99 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تسمح للأمين العام بلفت انتباه مجلس الأمن الدولي إلى ملف “يمكن أن يعرّض حفظ السلام والأمن الدوليين للخطر”، لتنطلق حملة ممنهجة ضده، وفق نسق إسرائيلي معروف على مدار أكثر من 78 عاماً.

وحتى قبل استعانة غوتيريس بالمادة 99، وبعد تحذيراته من تفاقم الوضع الإنساني في غزة، ولفت الانتباه إلى إمكانية خرق القانون الدولي الأساسي بسبب الحرب، فتحت دولة الاحتلال النار على غوتيريس.

ومع أن الأمين العام للأمم المتحدة لم يتحرك بشكل فوري، بل بعد أسابيع من بدء العدوان على غزة، عندما صرّح في 8 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بأن سقوط أعداد كبيرة من المدنيين في غزة يوضح أن “هناك خطأ واضحاً في العمليات العسكرية”، داعياً “الجميع إلى احترام قوانين الحرب”، وتقديمه ما يشبه النصيحة بأن “الاحتياجات الإنسانية الكبيرة للشعب الفلسطيني لا تساعد إسرائيل في ما يتعلق بالرأي العام العالمي”.

تفاخر إسرائيلي بقتل فولك برنادوت
لم يرق للاحتلال الإسرائيلي أن يتحدث الأمين العام الأممي عن “الكارثة الإنسانية في غزة”، ولا إظهار مشاعر القلق. إذ مباشرة، وجدت تل أبيب أنه على الأمم المتحدة “إقالة غوتيريس”.

التأثير المعنوي والأخلاقي لتصريحات غوتيريس، وخصوصاً حين وصف غزة بتحولها إلى “مقبرة أطفال” بسبب القصف العشوائي والتدميري للاحتلال، أبان عن وجه دولة الاحتلال، التي اعتبرت أنه “فَقَد بوصلته الأخلاقية ولا يجب أن يبقى في منصبه دقيقة واحدة”، وفق ما ذهب إليه المندوب الإسرائيلي في الأمم المتحدة غلعاد إردان.

ذلك التوصيف لغوتيريس يتنافى بالطبع مع اعتبار بعض حكّام تل أبيب الرجل بعد تسلمه منصبه في عام 2017 “صديقاً لإسرائيل”. ويعيد الخطاب المتشنج ضدّه اليوم والأوصاف غير اللائقة بحقّه، ومطلب إقالته، تاريخاً طويلاً من علاقة الاحتلال بمؤسسة الأمم المتحدة، وأدوارها في القضية الفلسطينية.

يبرز هنا النمط الصهيوني في اللعب على وتر المحرقة النازية والضمير الغربي، وهو ليس أمراً مستجداً، بل شكّل منذ البداية أساساً لكل الابتزاز السياسي ونظريات تفوق الدولة الصهيونية على القوانين والقرارات الدولية.

يبرز النمط الصهيوني في اللعب على وتر المحرقة النازية والضمير الغربي

وعلاقة إسرائيل بالأمم المتحدة اتسمت بسيرة ابتزاز ممتدة منذ عام 1947. أحد أعمدتها يتمثل في نمطية قراءة الذات الصهيونية (وذراعها دولة الاحتلال) على أنها أعلى قيمة وأرفع من أن يتجرأ أي أمين عام، أو ممثل للأمم المتحدة، على انتقادها. والمطالبة بالأساس بضرورة الالتزام بميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان وبما تحتويه كل المعاهدات والقوانين الدولية، هو بالضبط ما يزعج دولة الاحتلال. وهنا أمثلة متعددة على علاقة الاحتلال بمسؤولي الأمم المتحدة.

بالعودة إلى فلسطين عام النكبة 1948، تُلاحَظ الصورة الدامية لعلاقة الحركة الصهيونية بالأمم المتحدة، واحتقارها إلى حد اغتيال مبعوثها ووسيطها الكونت السويدي فولك برنادوت (وهو من سلالة الأسرة المالكة في استوكهولم).

انتدبت الأمم المتحدة برنادوت، الآتي من منظمة الصليب الأحمر، وسيطاً في فلسطين بعد قرار التقسيم عام 1947. لم تأبه الحركة الصهيونية للقرار 181، وباشرت عملية تطهير عرقي وارتكاب مذابح على يد أبرز عصابات الإرهاب الصهيونية.

خلال أشهر، كان على الوسيط برنادوت، الذي ساهم للمفارقة في إنقاذ كثيرين من اليهود أثناء عمله في الصليب الأحمر عام 1945، العمل على تثبيت هدنة لمدة 4 أسابيع (بين جيش الإنقاذ والصهاينة)، من أجل التوصل إلى تسوية متعلقة بقرار التقسيم واللاجئين المهجرين بعد سلسلة مذابح واستهدافات لترك مدنهم وقراهم.

تهديد العصابة الصهيونية “ليحي” وسيط الأمم المتحدة فولك برنادوت بالقتل، موجود في المتحف الصهيوني في تل أبيب

الهدنة الثانية التي اقترحها برنادوت جاءت بعد ما سُمّي بإعلان دولة الاحتلال. ولأن الأمر قام على عصابات إرهابية، أبرزها “إرغون” و”هاغانا” و”شتيرن” (ليحي)، فإن مهمة وقف القتال، ومنع العصابات من اقتحام القدس، والتركيز على عودة اللاجئين، قابله اغتيال من تلك العصابات.

هددت “ليحي” علانية وسيط الأمم المتحدة فولك برنادوت تحت مقولة: “استوكهولم لك، القدس لنا”، وهو ما يحتويه المتحف الصهيوني حتى اليوم في تل أبيب في فرع المنظمة الإرهابية “ليحي”.

في 17 سبتمبر/أيلول 1948، كان برنادوت يقود السيارة برفقة العقيد الفرنسي أندريه سيروت، مسؤول مراقبي الأمم المتحدة في القدس، فخرج له 4 مسلحين يرتدون لباس “تساحال”، الجيش الصهيوني الذي تأسس حديثاً، وهم بالأصل من المليشيا الإرهابية “ليحي”، أردوهما بالرصاص على الفور.

وعلى الرغم من افتضاح أمر ارتكاب عمليات إرهابية متعددة، بما في ذلك قتل وسيط دولي بوزن برنادوت، اعتلى رجالات ذلك الإرهاب أعلى مناصب السياسة في تل أبيب، وعلى وجه الخصوص إسحاق شامير الذي ارتبط اسمه بقتل برنادوت، ومناحيم بيغن، الذي بحثت عنه السلطات البريطانية كإرهابي.

تقارير عربية
75 عاماً على النكبة… تهميش في أروقة الأمم المتحدة
ولا يتنصل إرهابيو الصهيونية من اغتيال برنادوت، بل يبررون ذلك الاغتيال حتى اليوم في المتحف الصهيوني، على اعتبار أن خطته في يونيو/حزيران 1948 لإقامة دولة فلسطينية على خطوط التقسيم (1947) وإعادة اللاجئين إلى ديارهم “لم يكن من الممكن بعدها أن تتمتع الدولة اليهودية بأي استمرارية إقليمية”، بحسب ما يعرض متحف “ليحي”.

ومنذ أن أظهرت الصهيونية عبر أذرعها الإرهابية ذلك التوحش بالتصفية الجسدية التي لم تكترث لا بالمنظمة الدولية ولا بالوسطاء، ساد نوع من الابتزاز والتشهير بالأمم المتحدة ورجالاتها. ذلك لم يجرِ من دون حماية اللوبيات الصهيونية وأذرعها الإعلامية في الغرب، مع موقف أميركي غطى ذلك بنسبة كبيرة من خلال حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي، ما أتاح التفلت من القوانين الدولية واتفاقيات الأمم المتحدة.

حتى غوتيريس، الذي تفتح عليه إسرائيل وأذرعها في الغرب النار، كان يوصف بالـ”مدافع عن إسرائيل” منذ توليه منصبه. إذ وعد في إبريل/نيسان 2017 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة “بالعمل ضد المد العالمي لمعاداة السامية، الذي يعبّر عنه في شكله الحديث بإنكار حق دولة إسرائيل في الوجود”.

ومنح المؤتمر الصهيوني العالمي في 2020 غوتيريس جائزة “تيودور هرتزل”، “امتناناً لأقوال وأفعال الأمين العام للأمم المتحدة، بعد أن أظهر أنه صديق حقيقي ومخلص للشعب اليهودي ودولة إسرائيل”. وفي عهد الأمين العام الحالي، جرى انتخاب إسرائيليين في مناصب رئاسية في لجان الأمم المتحدة، رغم معارضة وفود عربية ووفد فلسطين. كل ذلك لم يشفع لغوتيريس، لمجرد أنه اقترب من وضع دولة الاحتلال تحت سقف مبادئ الأمم المتحدة والقوانين الدولية.

الأمر لا يختلف كثيراً عن أسلاف غوتيريس، فالأمر غير متعلق بالشخص الذي يترأس الأمم المتحدة، بل برفض صهيوني واضح من أن يسري ميثاق المنظمة على “دولتهم.” ومع أنه لولا قرار التقسيم 1947 لما كان بالإمكان أن تنشأ “الدولة الإسرائيلية” باعتماد القرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة (كانت فقط 57 دولة)، بقيت تل أبيب تعتبر نفسها محمية غربياً لرفض قرارات ومطالب الأمم المتحدة.

“خطيئة” داغ همرشولد
في فترة أمانة داغ همرشولد للأمم المتحدة بين 1953 و1961، ومع تنامي حالة التحرر الوطني من الاستعمار وزيادة أعضاء الأمم المتحدة، برز الصدام مجدداً عشية “العدوان الثلاثي” (1956) على مصر (بريطانيا – فرنسا – إسرائيل) بين همرشولد وتل أبيب. فقد اعتبرته الأخيرة على لسان (رئيس حكومة الاحتلال آنذاك) دافيد بن غوريون “عدو إسرائيل الأول بعد الاتحاد السوفييتي”، وأنه “مؤيد لمصر”.

لم تكن خطيئة همرشولد سوى أنه استطاع تمرير تأسيس “قوة طوارئ” خاصة بالأمم المتحدة، بعد توافق سوفييتي أميركي نادر على رفض احتلال سيناء وأجزاء من قناة السويس، وهو ما أدى إلى تأسيس تعبير “الخوذ الزرقاء”.

لقى همرشولد مصرعه بصورة غامضة في أفريقيا، حيث يؤمن البعض بأن طائرته أسقطت عن عمد، ولم يحل اللغز حتى اليوم.

كورت فالدهايم
مارست إسرائيل الغطرسة والاستعلائية تجاه قرارات الأمم المتحدة، بحماية بريطانية أميركية في مجلس الأمن

في الفترة الممتدة من حرب احتلال الأراضي العربية والفلسطينية في يونيو/حزيران 1967 إلى تسلم النمساوي كورت فالدهايم الأمانة العامة للأمم المتحدة بين 1972 و1981، ظلت تل أبيب تمارس ذات الغطرسة والاستعلائية تجاه قرارات الأمم المتحدة، باستمرار الحماية البريطانية الأميركية في مجلس الأمن، وتفسير على هواها للأراضي المحتلة التي وجب الانسحاب منها وفق القرار 242.

شكلت فترة فالدهايم النموذج الأكثر وضوحاً عن اختلال العلاقة بين دولة عضو والمنظمة الدولية. وذكّر الرجل بأن دولة الاحتلال ليست معفية من احترام سيادة الدول الأخرى، بعد عملية كوماندوس لتحرير طائرة خطفت نحو أوغندا في 1976، وعلاقات تل أبيب بدولة الأبارتهايد في جنوب أفريقيا، وتنامي الحملة الدولية المنتقدة لهما.

وأطلقت سهام اللوبيات الصهيونية في وجه فالدهايم، بل واعتبرته بعض أذرعها الإعلامية “يقود مركز قيادة عالمياً للفاشية”. وتزايدت التوترات بعدما خرجت لجنة معنية بالحقوق الفلسطينية “غير القابلة للتصرف” بتقرير يتعلق بتلك الحقوق، التي رفضت بفيتو أميركي، ووصفت قراراتها تل أبيب بأنها “تهدف إلى تدمير إسرائيل”.

بطبيعة الحال، ونظراً لطبيعة الفترة التي ترأس فيها فالدهايم الأمم المتحدة، في ذروة الكفاح المسلح الفلسطيني، وخطاب الزعيم الراحل ياسر عرفات أمام الجمعية العامة عام 1974، فقد حظيت القضية الفلسطينية باهتمام عالمي غير مسبوق، ما زاد حنق الدولة الصهيونية على الأمم المتحدة ممثلة بأمينها العام فالدهايم.

تعرض الرجل بعد ترك منصبه لحملة إعلامية صهيونية. وفي عام 1986 وخلال تأهبه لخوض الانتخابات الرئاسية، نشرت أسبوعية نمساوية مستندات تثبت انضمامه إلى القوات النازية الألمانية. وفي يونيو/حزيران 1986، انتخب رئيساً، لكنه تعرض لمقاطعة دبلوماسية من الدول الغربية، بل إن القضاء الأميركي وضعه في قائمة الأشخاص غير المسموح لهم بدخول البلاد.

خافيير بيريز دي كوييار
وإذا كانت فترة فالدهايم مثّلت أعلى مستوى في تدهور علاقة تل أبيب بالأمم المتحدة، فإن فترة خلفه خافيير بيريز دي كوييار بين 1982 و1991، بناء على نتائج اجتياح لبنان 1982 وحرب تحرير الكويت 1991، شهدت توترات دخل على خطها الطرف الأميركي.

كانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى في ذروتها عام 1990 حين وقعت مذبحة المسجد الأقصى، عندما باشرت جماعة “أمناء الهيكل” اليهودية المتطرفة اقتحام باحات المسجد، لوضع حجر أساس “الهيكل”، وسط حماية جنود الاحتلال الذين فتحوا النار على الفلسطينيين المحتجين.

قدرة دي كوييار على جمع مجلس الأمن الدولي لإدانة المذبحة، التي راح ضحيتها 17 شهيداً وأكثر من 150 جريحاً، من خلال القرار 673، لم يكن سوى حبر على ورق. لم تستطع الأمم المتحدة طيلة فترة ولايته تشكيل أي محاكمة أو تحقيق بجرائم الاحتلال. وساهم الرجل أيضاً في تدوير زوايا المحاولات العربية لطرد تل أبيب من الجمعية العامة، وسط تهديد أميركي بوقف تمويل المنظمة الدولية.

بطرس غالي
بالانتقال إلى فترة أمانة (المصري) بطرس غالي للأمم المتحدة بين 1992 و1996، فإن تل أبيب لم تغيّر من صلفها واعتبار كل الأمم المتحدة لا تعنيها بقدر ما يعنيها ثبات الحماية الأميركية. فلم يرق لتل أبيب اتخاذ غالي مواقف، وإجرائه تحقيقاً عسكرياً أممياً حمّل دولة الاحتلال مسؤولية ارتكاب مذبحة قانا 1996 في جنوب لبنان، على مرأى “الخوذ الزرقاء”. لم يرق غالي للطرف الأميركي (زمن الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون)، فعاقبه نيابة عن الصهيونية بأن جعله أول أمين عام للمنظمة لا يحظى بدورة ثانية، أيضاً باستخدام حق النقض.

كوفي أنان وبان كي مون
في فترة تولي كوفي أنان الأمانة العامة للأمم المتحدة، بين 1997 و2006، اتسمت العلاقة بين إسرائيل والمنظمة الأممية بترويض صهيوني واضح. فمع أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اعتبر أن أنان “خدم إسرائيل بجعل الأمم المتحدة أقل معاداة لها، وحارب معاداة السامية وأنشأ يوماً عالمياً لذكرى المحرقة”، إلا أن اندلاع الانتفاضة الثانية في عام 2000، ولعب أنان الدور المنوط به، دفع الاحتلال إلى اعتباره معادياً له.

ما صرح به أنان في 2002 عن معاملة قوات الاحتلال للمدنيين وتدمير بيوت الفلسطينيين واقتحام القرى والمخيمات بالدبابات وقصف طاول المدارس، لم يرق لأرئيل شارون، الذي شن حملة على أنان. أجبرت الحملة الصهيونية أنان على ترويض تصريحاته وشعوره بالفزع لعدم احترام الاحتلال سيارات الاسعاف وقتل عمال القطاع الإسعافي وعمال “أونروا”.

راح أنان يعيد التأكيد، من دون تمحيص في محتويات مواد منظمته الدولية، على “الحق الكامل لإسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد الإرهاب”، وطلبه البسيط كان ضرورة “التزامها باحترام المبادئ والقواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني وقانون النزاعات المسلحة في ما يتعلق بمعاملة المدنيين وحمايتهم في الأراضي المحتلة، والحماية التي يجب منحها للمرافق مثل المستشفيات والمدارس”. ذلك القدر من التصريحات التي جاءت على لسان أنان لم تعفه من عدم رضا أذرع الصهيونية، التي كانت تضغط نحو مزيد من المواقف الباهتة وغير المؤثرة.

وجاء خليفته بان كي مون، بين 2001 و2017. ومع أن الأخير لم يبدِ مواقف تعكس إرادة الأمم المتحدة، وسط ظروف عربية وفلسطينية مختلفة ومتراجعة على مستوى المنظمة الدولية، فإن تعبيره عن القلق بسبب القوة غير المتناسبة لدولة الاحتلال في العدوان المتكرر على غزة، دفعت نتنياهو إلى استخدام معزوفة الصهيونية المفضلة لترويض المؤسسات الدولية باتهام بان كي مون بأنه “يقوم بتشجيع الإرهاب”، وفقط لأن الأخير قال إن “نصف قرن من الاحتلال وتوقف عملية السلام يزيدان من الإحباط، ما يخلق حاضنة قوية للكراهية والتطرف”.

تسلق انتهازي
ذهبت الانتهازية الصهيونية مع بدايات نقل قضية فلسطين إلى أروقة الأمم المتحدة إلى التعبير عن “الامتنان والتقدير” للأمم المتحدة، قبل أن تبدأ فتح النار عليها.

سُمح، قبل نشوء دولة الاحتلال الإسرائيلي على أنقاض مدن وقرى فلسطينية عام 1948، بدخول “الوكالة اليهودية” إلى أروقة المنظمة الدولية، حيث كانت تلك الوكالة تمارس الضغوط من أجل دعوتها إلى جلسات الاستماع في سان فرانسيسكو، إلى جانب نحو 5 دول عربية حديثة النشأة، ممن وقفت إلى جانب الحلفاء في الحرب العالمية الثانية.

فلسطين التي وقعت تحت “الانتداب البريطاني” احتوت في ذروة “الهجرة اليهودية” (حتى مايو/أيار 1948) نحو 650 ألف يهودي، بتأييد غربي لتلك الهجرة، بينما كان الفلسطينيون ليسوا أقل من مليون ومائتي ألف مواطن. بقيت مناورات “الوكالة اليهودية”، المسنودة بإرهاب جماعات يهودية، وعلى رأسها “إرغون” و”شتيرن”، تركز على ضرورة تهيئة الأرض والأجواء لأجل دعم إقامة “وطن لليهود المضطهدين”، بحسب أجواء أربعينيات القرن الماضي.

الحركة الصهيونية، التي خلقت ذراعها “الوكالة اليهودية”، مارست كل الضغوط لأجل تمرير وقوف المتحدثين باسمها في “عصبة الأمم” (قبل الانتقال إلى مسمى الأمم المتحدة) لأجل ممارسة الانتهازية وتسول قبول “الهجرة اليهودية” إلى فلسطين تحت الانتداب البريطاني.

في كل الأحوال، ومنذ ما قبل الإعلان الرسمي عن تأسيس الدولة الإسرائيلية، لعب المتنفذون الصهاينة على وتر الاضطهاد الأوروبي لليهود، لجعل أرضيات الابتزاز وإسكات الأفواه تصل إلى منظمة الأمم المتحدة التي تمثل المبادئ التي قامت عليها قوانين الحروب والسلام وعدم جواز الاستيلاء على الأرض، بما تشمله اتفاقية جنيف الرابعة، وغيرها من مبادئ تتعلق بالإبادة والتطهير وقوانين دولية وإنسانية.

وإذ تبدو المنظمة الدولية اليوم عاجزة ومتساوقة مع سياسات الاحتلال بالقفز عن كل قوانين الحروب ومعاملة الناس تحت الاحتلال، وجعل الاحتلال وصياً على ما يدخل للناس من أساسيات البقاء أحياء، وهو أمر يوضح مع غيره أن الهدف ليس غوتيريس ومن سبقوه، بل إبقاء إسرائيل أعلى من كل القرارات، بما في ذلك قرار التقسيم والاعتراف المشروط بتطبيقه، والقرار 194 لعودة اللاجئين، والقوانين الدولية. وكل القيم والمبادئ العالمية تلزم الدول الأخرى بتطبيقها إلا تل أبيب.

ولعل الجرائم المفضوحة في غزة حالياً قدمت أحد أهم الأمثلة على اختلال كل ما تحتويه منظمة الأمم المتحدة من سماح لجرائم الحرب بالمرور والتبرير تحت مسمى “حق الدفاع عن النفس”، رغم أن بنودها الأخرى تعطي الحق للشعوب الواقعة تحت الاحتلال بمقاومته بكافة السبل.