مسعود بزشكيان : مصارحة ومكاشفة وفرصة للتفاهم

مسعود بزشكيان : مصارحة ومكاشفة وفرصة للتفاهم

حديث صريح ومكاشفة ميدانية طرحها الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في 18 آيار 2026 عند لقائه مع مسؤولي العلاقات العامة في المؤسسات الحكومية، تطرق فيها إلى النتائج الاقتصادية والاجتماعية التي حدثت نتيجة الضربات الأميركية والإسرائيلية في 28 شباط 2026 وطبيعة تاثيراتها على المجتمع الإيراني، مؤكدًا على اعتماد الصراحة مبدأ صادقًا في أي تصريح وحديث يوجه للمواطنين بقوله ( من يتصدر المسؤولية يجب أن يتحدث بصدق مع المجتمع والمواطنين ولا ينبغي أن يقدم معلومات أو رسائل مضللة، فلا يجب أن يُخيل الناس أن العدو ينهار بينما نحن نعيش في حالة ازدهار، لن نضحي بعزة بلدنا وكرامتها من أجل الراحة أو المصالح الشخصية)، كلام دقيق ورسالة واضحة لوسائل الإعلام التابعة للحرس الثوري الإيراني أو التي ترتبط بعلاقة وطيدة مع قياداته الميدانية باعتمادها الخطاب الشعبوي وابتعادها عن الحقائق الشاخصة والآثار المدمرة والخسائر الكبيرة التي لحقت بالبنى التحتية الإيرانية على جميع الأصعدة العسكرية والاقتصادية والتنموية والصناعية، فالدعوة للمكاشفة طريق إيجابي لتحقيق المعرفة الذاتية والادراك المجتمعي لما أدت إليه المواجهة العسكرية ونتائجها ولكي يكون المواطن على بينة واضحة دون تزييف أو خداع.
أن التشخيص الموضعي الذي تحدث به الرئيس بزشكيان نابع من فهمه للمخاطر التي قد تلحق بالشعوب الإيرانية إذا ما استمر المسار العسكري في العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية والابتعاد عن مسار التفاوض السياسي والحوار الدبلوماسي الذي من الممكن أن يحقق لإيران غاياتها وأهدافها في رفع العقوبات وإطلاق اموالها المجمدة، وهذا ما أكده بالدفاع عن مساعي حكومته للتفاوض مع واشنطن، معتبراً أن الحوار هو السبيل المنطقي لتحاوز الأزمة وضرورة التخلي عن دعوات التصعيد.
الخطاب الذي يتحدث به الرئيس الإيراني يتناغم مع ما تبحث عنه أدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الحصول على اراء تمثل القاسم المشترك في الجلوس لطاولة المفاوضات والعودة للمباحثات التي تفضي لاتفاق شامل يتعلق بجميع القضايا المتعلقة والتي تهم كلًا من الولايات المتحدة الأمريكية وإيران والعمل على إيجاد حلول جذرية لها والوصول إلى إجماع مشترك ينهي حالة القتال واستمرار المواجهة العسكرية.
مصارحة الشعوب الإيرانية بالأزمة الاقتصادية وتداعياتها وشموليتها واثارها البارزة وحقيقة معناة المجتمع وما يعاني من كاهل كبير في تحمل تبعيات الحياة المعيشية وصعوبتها، هو ما أراد الوصول إليه الرئيس بزشكيان وهو يخاطب مسؤولي العلاقات العامة في حكومته بالقول ( أن البلاد تخوض معركة اقتصادية صعبة، وعلى المواطنين تقبل مشقة المرحلة وعدم الانسياق وراء ادعاءات الازدهار المضللة)، رسالة واضحة للمواطنين الإيرانيين بضرورة الصبر والمطاولة واعتماد التقشف الاقتصادي في حياتهم والسعي لجهد متواصل للوقوف مع الحكومة ودعمها واعتماد صيغة الدعم المعنوي والتماسك المجتمعي، ولم يغفل أن يقول لهم عليكم أن لا تنصتوا لمن يتحدث اليكم بالتضليل والخداع ويسوغ صور التقدم والازدهار خلافًا للواقع الميداني.
أن حديث الرئيس الإيراني يبتعد كثيرًا عن ما تعلنه قيادات الحرس الثوري أو ما يتحدث به المسؤولين عن مؤسسة خاتم الأنبياء من حالة المواجهة وعدم وجود أي أزمات داخلية وأن الأوضاع الاقتصادية مستقرة ولم يكن هناك أي تأثير سلبي احدثته المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وهو ما يؤكد حالة الانقسام السياسي والفكري في التعامل مع كافة المبادرات السياسية التي تتلقاها إيران من حلفائها الاستراتيجين أو أصدقائها الإقليميين والتي تتعلق بالعودة للمفاوضات واعتماد المرونة السياسية سلوكًا منهجيًا للوصول إلى أهدافها بوقف القتال ورفع الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية والشروع بمعالجة ارصدة الأموال المجمدة.
واعتمد الرئيس بزشكيان صورة عملية لكي يوصل ما يريده من معاناة حقيقة وخطورة قائمة داخل مؤسسة الحكم الإيراني بأشارته إلى صعوبة تصدير النفط ومشتقاته والغاز المسال بسبب الحصار البحري قائلاً ( أن الحكومة لا تملك الدولارات الكافية لاستيراد البنزين، مما يتطلب تقشفًا وإدارة صارمة لاستهلاك الطاقة) مع اعترافه بتفاقم الأزمات الاقتصادية وتداعيات الحصار بأنواعه، مؤكدًا على ضرورة مصارحة الشعب بحقيقة الأوضاع مع اعتماد الدبلوماسية مسارًا للحوار لتخفيف حدة الأوضاع الداخلية وما يعانيه المواطنين.
وجاء تقرير المستشارين منظمة (متحدون ضد إيران النووية) (UANI)، وهي منظمة أمريكية تأسست عام 2008 ومقرها الرئيسي في مدينة نيويورك. تهدف إلى منع النظام الإيراني من تحقيق طموحاته في امتلاك أسلحة نووية، وتعمل على تتبع ناقلات النفط الإيرانية بدقة وإصدار بيانات مستمرة حول الدول والشركات التي تشتري النفط من طهران، وتقديم تحليلات سياسية واستخباراتية موسعة حول الحرس الثوري الإيراني والميليشيات التابعة له في الشرق الأوسط والوطن العربي، ويعمل في مجالسها الاستشارية والقيادية مسؤولين حكوميين سابقين من الولايات المتحدة وعدة دول غربية، من بينهم خبراء أمنيون ودبلوماسيون سابقون ومتخصصون في مجالات السياسة الخارجية والدفاع،
أصدرت قبل أيام تقريرًا أكدت فيه أن صور الأقمار الصناعية تعكس ضغوطاً متزايدة على مرافق التخزين وتأخرًا واختناقات واضحة في منظمومة التصدير، مما اضطر طهران لتقليص إنتاجها النفطي تدريجيًا لعدم القدرة على تصريف الفائض لديها.
أن حديث الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والتقارير الميدانية والمعلومات الخاصة بالواقع الإيراني، تؤكد حجم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها إيران، في وقت تتصاعد فيه حدة الخطابات التي تصدر من قبل القيادات العسكرية والأمنية للحرس الثوري الإيراني فيما تتواصل المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية لمنع العودة للمواجهة العسكرية والضربات الجوية والصاروخية مرة أخرى وسط تهديدات متبادلة واحتمالات تصعيد قادم في المنطقة، واعتماد الوسيط الدبلوماسي الباكستاني وبدعم من القيادة الصينية على المضي في سياسة دبلوماسية العد التنازلي، ومحاولة إعادة الثقة بين واشنطن وطهران والابتعاد عن أي تأثيرات قد تعيق عملية العودة للمفاوضات، وهي الخطوات التي تتزامن مع إشارات للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تمهد الرأي العام الداخلي لقبول تنازلات متبادلة مع وجود تطور جوهري لدور اسلام أباد بعد زيارة وزير الداخلية الباكستاني لطهران والتي كانت من أهم نتائجها أن ادت إلى صياغة مقترحات جديدة ميدانية قد تفضي الي نهاية محتملة للانسداد القائم بين واشنطن وطهران.

وحدة الدراسات الإيرانية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتجية