نفط بـ111 دولاراً.. هل بدأ الانهيار الاقتصادي العالمي من مضيق هرمز؟

نفط بـ111 دولاراً.. هل بدأ الانهيار الاقتصادي العالمي من مضيق هرمز؟

عندما ترتفع أسعار النفط إلى أكثر من 111 دولاراً للبرميل خلال أيام قليلة، فإن الأسواق لا تتفاعل مع الأخبار فقط، بل تتفاعل مع الخوف، ومخاطر الإمدادات، واحتمال دخول الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة من عدم الاستقرار الطاقي. فالتصعيد الأخير بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل لم يعد مجرد أزمة جيوسياسية، بل بدأ يتحول إلى صدمة اقتصادية عالمية قد تعيد تشكيل التضخم، وأسعار الفائدة، وحركة التجارة، والأسواق المالية حول العالم.

العنصر الأخطر في هذه الأزمة هو مضيق هرمز. فقرابة 20% من النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم يمر يومياً عبر هذا الممر البحري الضيق. وعندما قامت إيران فعلياً بإغلاق أو تعطيل هذا الطريق رداً على الضربات العسكرية، فهمت الأسواق الرسالة فوراً: إمدادات الطاقة العالمية يمكن أن تتحول إلى سلاح اقتصادي.

ولهذا السبب ارتفعت أسعار النفط بهذه السرعة. فأسواق الطاقة لا تنتظر حدوث النقص الفعلي، بل تسعّر الخوف من النقص قبل وقوعه. المتداولون يدركون أن أي تعطيل جزئي في مضيق هرمز قد يسحب ملايين البراميل يومياً من السوق، ما يدفع العرض إلى ما دون الطلب بشكل فوري تقريباً. وفي الاقتصادات الحديثة، النفط ليس مجرد وقود، بل هو المحرك الأساسي للنقل، والصناعة، والشحن، والطيران، والزراعة، وحتى توليد الكهرباء. وعندما ترتفع أسعاره بقوة، تبدأ تكلفة كل شيء تقريباً بالارتفاع.

ومن هنا بدأ القلق الحقيقي لدى البنوك المركزية. فالتضخم كان أصلاً مرتفعاً في العديد من الاقتصادات قبل تصاعد الأزمة، أما الآن فإن ارتفاع أسعار الطاقة يهدد بإطلاق موجة تضخم جديدة في وقت كانت فيه الدول تحاول استعادة الاستقرار بعد سنوات من الاضطرابات الاقتصادية.

ارتفاع عوائد السندات الأمريكية فوق 4.6% يعكس هذا الخوف بوضوح. فالمستثمرون باتوا يعتقدون أن البنوك المركزية قد تضطر للإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وربما رفعها مجدداً للسيطرة على التضخم. فكل ارتفاع في أسعار النفط يعني ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج وأسعار السلع الاستهلاكية، لينتشر التضخم تدريجياً في جميع قطاعات الاقتصاد.

النتيجة المحتملة خطيرة للغاية: تباطؤ اقتصادي مصحوب بتضخم مرتفع في الوقت نفسه، وهي الحالة التي يطلق عليها الاقتصاديون اسم “الركود التضخمي”. وهذا من أخطر السيناريوهات الاقتصادية لأن الحكومات والبنوك المركزية تفقد جزءاً كبيراً من قدرتها على المناورة. فإذا رفعت الفائدة بقوة، قد تدخل الاقتصادات في ركود. وإذا لم تفعل، فقد ينفلت التضخم بشكل أكبر.

الضغط بدأ يظهر بالفعل في أسواق السندات العالمية. تكاليف الاقتراض الحكومي ترتفع في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان في آنٍ واحد. ووصول عوائد السندات اليابانية طويلة الأجل إلى مستويات قياسية يحمل دلالة مهمة، لأن اليابان عاشت لعقود في بيئة تضخم منخفض ونمو ضعيف. وارتفاع العوائد هناك يعني أن المستثمرين لم يعودوا ينظرون إلى الأزمة الحالية كحدث مؤقت، بل كمصدر طويل الأمد لمخاطر التضخم العالمي.

قطاع الطيران كان من أوائل المتضررين. فالوقود يمثل جزءاً أساسياً من تكاليف التشغيل، وأي قفزة في أسعار النفط تهدد أرباح شركات الطيران مباشرة. وتحذير شركة رايان إير بشأن حالة عدم اليقين المرتبطة بمضيق هرمز يعكس مشكلة أوسع تشمل الطيران، والسياحة، والشحن، والخدمات اللوجستية. فالشركات لا تستطيع التخطيط بشكل مستقر عندما تصبح أسعار الطاقة غير قابلة للتوقع.

لكن الخطر الأعمق هو الخطر النفسي. فالأسواق بدأت تخشى أن تتحول الأزمة إلى مواجهة إقليمية واسعة. فالهجمات الإيرانية، وحوادث الطائرات المسيّرة قرب منشآت حيوية في الإمارات، وتصاعد النقاشات الأمريكية حول الخيارات العسكرية، كلها تعزز الانطباع بأن منظومة الطاقة في الشرق الأوسط قد تدخل مرحلة عدم استقرار طويلة.

وعندما تبدأ الأسواق بتسعير المخاطر الجيوسياسية كخطر دائم وليس مؤقتاً، تصبح التقلبات أكثر عنفاً وصعوبة في السيطرة.

تصريحات دونالد ترامب بأن “الوقت ينفد” أضافت طبقة جديدة من التوتر. فالأسواق المالية تفسر الخطاب السياسي الحاد على أنه إشارة إلى فشل المسار الدبلوماسي. وكل تصريح يوحي باحتمال التصعيد العسكري يزيد من احتمالات تعطل الإمدادات أو توسيع العقوبات أو استهداف البنية التحتية للطاقة.

ولهذا فإن النفط اليوم لا يرتفع بسبب نقص فعلي فقط، بل بسبب عدم اليقين نفسه.

الاقتصاد العالمي يقف الآن أمام مفترق خطير. فإذا فشلت المفاوضات واستمر اضطراب مضيق هرمز، فقد ترتفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى بكثير، ما قد يطلق صدمة تضخمية عالمية شبيهة بأزمات الطاقة التاريخية. أما إذا نجحت الدبلوماسية وأعيد فتح خطوط الملاحة، فقد تهدأ الأسواق سريعاً. لكن حتى تتضح الصورة، تستعد الحكومات والمستثمرون والشركات لما وصفه بعض الاقتصاديين بالفعل بـ”صيف الألم الاقتصادي”.

وفي النهاية، فإن الرسالة الحقيقية وراء نفط الـ111 دولاراً لا تتعلق بالطاقة فقط، بل تكشف مدى هشاشة الاقتصاد العالمي عندما تتصادم الجغرافيا السياسية، والتضخم، وأسواق الديون، والتصعيد العسكري في وقت واحد.

وحدة الداراسات الاقتصادية /مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية