مستقبل النظام في إيران… بين المحافظة الإصلاحية والبرغماتية المؤسساتية

مستقبل النظام في إيران… بين المحافظة الإصلاحية والبرغماتية المؤسساتية

تمر إيران بمنعطف سياسي يحدد ملامح المستقبل السياسي لنظامها القائم ويرسم المسارات العريضة والمنعطفات الميدانية التي تمثل حالة الاختيار بين بقاء الدولة ومؤسساتها عبر مجموعة من الإصلاحات والتغيرات الجوهرية في سلوك وتوجهات النظام أو تعزيز الحالة القائمة بدعم أدوات التوجه الثوري وتمكينها أمنيًا واستخباريًا، وهنا تبرز مجموعتين، الأولى تسعى لانفتاح اقتصادي ومرونة سياسة عبر استمرار المفاوضات الدبلوماسية والحوارات السياسية واللقاءات غير المباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية للوصول إلى مسار يفضي لرفع العقوبات الاقتصادية وإطلاق الأموال المجمدة وتأمين استمرار تدفق الطاقة الإيرانية من النفط والغاز والعودة بشكل إيجابي لسوق التعاملات التجارية الدولية ومنظمات الطاقة العالمية، وتحديد أفاق مستقبلية جادة لانفتاح سياسي مع كافة دول العالم والوصول إلى تحسين العلاقات معهم باتفاقيات تجارية واستثمارات مالية ومشاريع اقتصادية كبرى، تنعكس بصورة إيجابية على تحسين الأوضاع الداخلية ومعالجة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية وسوء الأحوال المعيشية التي يعاني منها المجتمع الإيراني، بارتفاع نسبة التضخم إلى 69٪ وانخفاض الناتج المحلي الى نحو 300 مليار دولار وانكماش في الاقتصاد الحقيقي بنحو 6،1 مع ارتفاع في التضخم الغذائي بنسبة 105٪ بالتزامن مع انهيار للعملة المحلية وازمات متفاقمة في قطاعي الكهرباء والماء خلال عام 2026.
والمجموعة الأخرى التي تسعى جاهدة لتوسيع نفوذها وهيمنتها على مجمل الأوضاع العامة التي تشكل عصب الإدارة والقيادة في النظام الإيراني باتباع أساليب وأدوات تحاول فيها إظهار حرصها على حماية الدولة وديمومة بقائها واتباع جميع الخطوات التي تمكنها من تعزيز الإطار الأمني والاستخباري في الإبقاء على الاسلوب الثوري في قيادة إيران ومنع أي حالة من التجاوب مع المبادرات السياسية الدولية والإقليمية والاستمرار باتباع نهج توسعي وتنفيذ المشروع السياسي الإيراني الإقليمي في التمدد والنفوذ ودعم الفصائل والمليشيات المسلحة والوكلاء والحلفاء المرتبطين بأهداف وتوجهات قيادات فيلق القدس والحرس الثوري الإيراني، وتتفق هذه المجموعة برفضها لأي انفتاح سياسي تجاه الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية ويرفض أي تعاون ثنائي اقتصادي، لأنهم يرون أن الوصول لنتائج ناجحة تعطي أولويات للمسار الاقتصادي والاستثمار المالي والذي من الممكن أن يؤدي لبناء علاقات سياسية توسع من دائرة الإصلاح والتغيير وبالتالي تؤثر على دور المؤسسات الاقتصادية التابعة للحرس الثوري وتضعف قدرتها في تحقيق أهدافها وتعزيز امكانياتها الاستراتيجية، وترى في اعتماد المرونة والسلوك المتزن حالة تراجع عن مبادئ الثورة في حين أنهم يسعون للحفاظ على نموذج ( الدولة الأمنية الثورية).
تتداخل مواقف المسؤولين الإيرانيين بين هاتين المجموعتين، ويقف الرئيس مسعود بزشكيان في دائرة اصلاح الدولة الإيرانية من داخل النظام عبر توجهاته وادارته لحكومته ومكاشفته لأبناء الشعوب الإيرانية في حقيقة الأوضاع التي تمر بها البلاد ولقاءاته مع المرشد الأعلى مجتبى خامنئي ومصارحته له بضرورة إيجاد مفاعيل خاصة لمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والوقوف بصورة واضحة أمام المداخيل المالية التي أصبحت لا تكفي لتلافي المشاكل البنيوية والمعاناة التي يمر بها المجتمع الإيراني ومطالبته بالتعامل الدقيق مع مذكرة التفاهم لرفع كفاءة الإدارة وتحسين العلاقة مع المجتمع الدولي وتخفيف الضغوط الاقتصادية، وهذه الأهداف والغايات لا يمكن تحقيقها إذا لم تلقى الدعم المباشر من قبل السلطة الدينية ومراكز القوى السياسية في هيكلية النظام الإيراني.
وبدأت بعض من الشخصيات الإيرانية المحسوب على تيار المحافظين تتباين في مواقفها وترى أن استمرار بقاء الدولة وقوة النظام السياسي يتطلب تحديث أدوات الحكم والتعامل بمرونة محسوبة على أن لا تبتعد عن خصوصية تغييرهوية النظام، وهناك من يساند بعض هذه المفاهيم من المجموعة التي لا زالت تحمل في فكرها الإرث السياسي للرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني رغم غيابه لكنها تتسم ببقاء تأثيرها في أروقة النظام السياسي الإيراني والتي تقوم على فكرة ( أن الدولة القوية تحتاج لاقتصاد قوي اكثر من حاجتها لشعارات ثورية) على أن يكون ارتكازها ممثلًا بمبادئ التنمية المجتمعية المستدامة وإعادة الإعمار والبناء وإصلاح البنية التحتية وتحقيق الانفتاح الاقتصادي بكافة جوانبه وأدواته الفاعلة.
ويتماشى الموقف الميداني الاقتصادي لمؤيدي رفسنجاني مع الآراء العلمية في الإدارة العملية للشخصيات التكنوقراطية ومنهم ( خبراء الاقتصاد ومديري الشركات وبعض اساتذة الجامعات) الذين يرون أن استمرار الأزمات الاقتصادية يمثل التهديد الأكبر لاستقرار النظام، ويتفقون مع الرأي الداعم لاقتصاد محلي متقدم باستثمارات مالية مشجعة تدعم التوجه السياسي في تخفيف العزلة الدولية بالانفتاح المؤثر في بناء علاقات متوازنة واتفاقيات تجارية دائمة مع مختلف البلدان الدولية والإقليمية لتحسين الاقتصاد الإيراني ورفع مستويات قدراته وإمكانياته في تقوية مؤسسات الدولة للقيام بواجباتها التنفيذية والتشريعية ومراعاة حماية النظام السياسي القائم دون الصدام مع أسسه الدستورية، ويعتمدون الرأي البراغماتي المتمسك بعدم تغيير مرتكزات الدولة الإيرانية وإنما جعلها أكثر قدرة على الاستمرار والبقاء ومن أبرز هؤلاء المسؤولين ( حسن روحاني ومحمد جواد ظريف وعلي خاتمي).
ويبقى السؤال الأكثر حضورًا في السياسة الإيرانية رغم التباين الواضح في المواقف الميدانية بين التيار الإصلاحي والتيار المحافظ، هل تتمكن إيران من التعامل مع تيار يعبر عن ( المحافظة الإصلاحية) أو ( البراغماتية المؤسسية) الذي يسعى للحفاظ على النظام مع إعادة تكييفه؟ وما هو المعيار الرئيسي الذي يحدد قدرة إيران على الدخول في مرحلة ( التكيف المستدام) أو (التآكل البطئ)؟.
أسئلة محورية تنطلق أهميتها من طبيعة التطورات الميدانية والمتغيرات السياسية التي يمر بها ويتعايش معها المشهد السياسي العام في إيران، ويمكن الانطلاق منها نحو إجابة جوهرية وفكرة أكثر شمولية وواقعية، إن التحدي الحقيقي لإيران لم يعد في كيفية مواجهة خصومها فقط، بل كيفية إعادة بناء التوازن بين الدولة والمجتمع، وهل يمكنها النجاح في تحقيق هذه المهمة واستعدادها في الاستمرار بالاعتدال، أم أن اتساع الفجوة بين المجتمع ومؤسسات الحكم سيؤدي إلى تآكل النظام تدريجياً، حتى لو بقي قويًا ومتمكنًا أمنيًا وعسكريًا.
ليست المشكلة الأساسية في قدرة إيران ونظامها على التكيف، فقد أثبتت هذه القدرة في مراحل عديدة، ولكن المشكلة تكمن في أن أدوات التكيف التي نجحت خلال العقود الأربعة الماضية، قد تصبح أقل فاعلية في مواجهة التحديات التي تمر بها وتتسم المرحلة الحالية بها، لأن طبيعة التهديدات تغيرت من تهديدات أمنية خارجية إلى ضغوط اقتصادية واجتماعية وديموغرافية داخلية.
والتكيف في المفهوم السياسي الإيراني لا يعني تغيير هوية النظام، بل إعادة ترتيب أولوياته للحفاظ على بقائه، عبر التكيف السياسي والتعامل مع الأحداث برؤية واقعية وإعادة توزيع الصلاحيات والمسؤوليات داخل النخبة السياسية التي تحظى باهتمام ورعاية المرشد وقيادات الحرس الثوري مع إعطاء صورة موجهة للخارج بتجديد بعض النخب السياسية دون المساس بجوهر النظام بتوسيع المشاركة السياسية بصورة دقيقة ومحسوبة، وإعطاء ملامح لمفهوم التكيف الاقتصادي بتنويع الشركاء الاقتصاديين مع دول الجوار وآسيا الوسطى والهند والاحتفاظ بعلاقات ثابتة مع الصين وروسيا، لمعالجة الأزمات الاجتماعية وتخفيف الضغوط المعيشية التي يعانيها المواطن الإيراني..
ومحاولة العودة للانفتاح على اقطار مجلس التعاون الخليجي العربي واعتماد المصالح المشتركة أساسًا قائمًا عند توفر الامكانيات وتحسن الظروف السياسية، واستمرار إيران في الحفاظ على قوة الردع التي تمتلكها بتطوير قدراتها الصاروخية والسيبرانية وتقليل كلفة المواجهة عبر الاعتماد على الردع غير المباشر بتحقيق التكيف الأمني.
وأما حالة التآكل السياسي في إيران لن يكون انهياراً سريعًا بل مسارًا تدريجيًا يبدأ بمراحل متعددة اهمها التآكل الاقتصادي بضعف الإنتاج وارتفاع التضخم واتساع الفجوة المجتمعية، مع انخفاض واضح بالمؤسسات الحكومية، وتباطؤ في عملية اتخاذ القرارالسياسي وصعوبة التنسيق والاتفاق بين أعضاء مراكز القرار وامتداد حالة الصراع بينهم، وهنا تبدأ أولى مراحل التآكل الشرعية للنظام وديمومته ولا تكفي الشرعية الثورية وحدها لتعويض اخفاقاتها في معالجة الأزمات التي يعيشها المجتمع الإيراني.
وعندما تشعر القوى السياسية والأمنية التي تتحكم بالسيطرة على مقدرات الحياة في إيران بأن توجهاتها وادواتها في قيادة الدولة بدأت تهدد استمرارها، تبدأ بعملية الإصلاح والتغيير من داخل النظام وتبتعد عن اسلوب تأجيل الأزمة بدلًا من حلها والتعامل مع سياسة واقع الحال، والتصرف وفق منطق حمابة أمن النظام وتقديمه على أي اعتبار آخر، فكلما ارتفع مستوى التهديد الخارجي ازدادت قوة التوجه والتمسك بالأدوات الأمنية، وكلما انخفض مستوى التأثيرات والتوترات الإقليمية، ازدادت فرصة التيار البراغماتي المعتدل في تحقيق غاياته باصلاحات داخلية جذرية، ويبقى للبيئة الإقليمية تأثيرها المباشر في ميزان القوى داخل إيران، حيث القرار الإيراني موزع بين مؤسسات متعددة لكن الكلمة النهائية في الملفات الاستراتيجية تبقى للقيادات العسكرية والأمنية في فيلق القدس والحرس الثوري الإيراني، وأي تغيير في السياسات الإيرانية يتطلب تغيرًا في موازين القوى داخل النظام.

وحدة الدراسات الإيرانية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة