الباحثة شذا خليل*
من السهل النظر إلى قمم حلف الناتو على أنها اجتماعات سياسية وعسكرية تهدف إلى تعزيز الأمن الجماعي، لكن هذه القراءة قد تخفي جانباً آخر لا يقل أهمية، وهو الجانب الاقتصادي. فخلف بيانات القمة وتصريحات القادة، تتحرك أسواق المال، وتُوقَّع عقود بمليارات الدولارات، وتُعاد صياغة أولويات الإنفاق العام في الدول الغربية.
ما يلفت الانتباه في القمة الأخيرة ليس فقط الحديث عن مواجهة التهديدات الأمنية، بل إدراج منتدى الصناعات الدفاعية ضمن البرنامج الرسمي للقمة، والإعلان عن صفقات تسليح ضخمة، إضافة إلى استمرار الضغط لرفع الإنفاق الدفاعي إلى مستويات غير مسبوقة. وهذه ليست مجرد قرارات عسكرية، بل مؤشرات على تحول اقتصادي واسع قد يمتد لعقد أو أكثر.
اقتصادياً، يعني رفع الإنفاق الدفاعي أن مئات المليارات من الدولارات ستتدفق نحو شركات تصنيع الطائرات، والصواريخ، وأنظمة الدفاع الجوي، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي العسكري. وفي المقابل، يبرز سؤال مشروع: من سيدفع ثمن هذا التحول؟ ففي كثير من الدول الأوروبية، تأتي ميزانيات الدفاع من الموازنة العامة، ما قد يفرض ضغوطاً على قطاعات مثل الصحة، والتعليم، والإسكان، والبنية التحتية.
كما أن الضغوط الأمريكية على الحلفاء الأوروبيين لا يمكن قراءتها من زاوية أمنية فقط. فالولايات المتحدة تمتلك أكبر شركات الصناعات العسكرية في العالم، وأي زيادة في مشتريات السلاح الأوروبية قد تعني زيادة مباشرة في مبيعات هذه الشركات، ودعماً للاقتصاد الأمريكي، وخلق وظائف جديدة داخل الولايات المتحدة.
ومن جهة أخرى، تحاول أوروبا استثمار هذه المرحلة لتعزيز صناعاتها الدفاعية وتقليل اعتمادها على الموردين الخارجيين، وهو ما قد يؤدي إلى سباق استثماري بين الشركات الأمريكية والأوروبية للفوز بالعقود العسكرية الجديدة.
ولا يقتصر تأثير هذا التحول على قطاع الدفاع فقط، بل يمتد إلى أسواق الطاقة والسلع والأسواق المالية. فكل تصعيد جيوسياسي يرفع من احتمالات تقلب أسعار النفط والغاز، ويؤثر في قرارات المستثمرين، ويزيد الإقبال على أسهم شركات الدفاع والأمن، بينما تتراجع شهية الاستثمار في بعض القطاعات المدنية.
لكن السؤال الأكثر إثارة للجدل يبقى: هل أصبح الأمن اليوم صناعة اقتصادية بحد ذاته؟ فعندما تتحول التهديدات الجيوسياسية إلى عقود إنتاج واستثمارات طويلة الأجل، تصبح الحروب والتوترات عاملاً يحرك قطاعات اقتصادية كاملة، حتى وإن لم يكن ذلك هو الهدف المعلن.
هذا لا يعني أن المخاطر الأمنية غير حقيقية، ولا أن زيادة الإنفاق الدفاعي غير مبررة في ظل البيئة الدولية الحالية. لكنه يطرح تساؤلاً مهماً حول التوازن بين متطلبات الأمن واحتياجات التنمية، وبين حماية الدول وحماية اقتصاداتها من أعباء الإنفاق العسكري المتزايد.
في النهاية، قد لا تُذكر قمة الناتو الحالية مستقبلاً بسبب بياناتها السياسية فقط، بل لأنها قد تمثل نقطة تحول نحو مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ*”اقتصاد إعادة التسلح”*؛ مرحلة تصبح فيها الصناعات العسكرية أحد أبرز محركات النمو والاستثمار في الاقتصادات الغربية، مع ما يرافق ذلك من فرص اقتصادية كبيرة، وتحديات مالية واجتماعية لا تقل أهمية.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
