الحرب تقترب من جيوب العراقيين.. هل تستطيع الدولة حماية الرواتب والدينار؟

الحرب تقترب من جيوب العراقيين.. هل تستطيع الدولة حماية الرواتب والدينار؟


الباحثة شذا خليل*

العراق لا يخشى الحرب فقط، بل يخشى اليوم الذي قد تتحول فيه الرواتب إلى أزمة وطنية. فالمعركة الدائرة حول إيران والخليج لا تضرب الصواريخ وحدها، بل تضرب شريان الاقتصاد العراقي: النفط، الدولار، والإنفاق الحكومي.

الخطر الحقيقي لا يبدأ من ساحة الحرب، بل من الميناء. لأن العراق يبيع النفط بالدولار، ويدفع الرواتب بالدينار، ويستورد أغلب غذائه ودوائه وسلعه من الخارج. لذلك فإن أي اضطراب في صادرات النفط يتحول سريعًا إلى ضغط على الدولار، ثم إلى ارتفاع في الأسعار، ثم إلى قلق شعبي حول الرواتب.

في عام 2025، اعتمدت الموازنة العراقية بشكل كبير على النفط، إذ شكلت الإيرادات النفطية نحو 88% من الإيرادات الاتحادية، بحسب بيانات وزارة المالية العراقية المنشورة في آذار 2026. وهذا يعني أن الدولة لا تملك هامشًا واسعًا إذا تعرضت الصادرات النفطية لصدمة كبيرة.

المشكلة ليست في سعر النفط فقط، بل في القدرة على تصديره. فقد كانت صادرات العراق في أواخر 2025 تدور حول 3.4 إلى 3.45 مليون برميل يوميًا، بحسب تصريحات سومو ووزارة النفط. لكن مع اضطراب مضيق هرمز، يصبح هذا الرقم مهددًا، لأن الطريق البحري هو الرئة الأساسية لصادرات الجنوب العراقي.

وهنا يظهر الخطر الأكبر: الرواتب. فالدولة العراقية لا تمول فقط الوزارات، بل تمول حياة ملايين الموظفين والمتقاعدين والمشمولين بالحماية الاجتماعية. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن العراق ينفق عشرات المليارات سنويًا على الرواتب والتقاعد والتحويلات الاجتماعية، ما يجعل أي تراجع في النفط يتحول إلى أزمة مالية داخلية، لا مجرد أزمة تجارية.

إذا انخفضت الصادرات، يقل دخول الدولار إلى الدولة. وإذا قل الدولار، يزداد الضغط على الدينار. وإذا ضعف الدينار، ترتفع أسعار الغذاء والدواء والمواد المستوردة. عندها لا تكون الأزمة في وزارة النفط فقط، بل في السوق، وفي بيت الموظف، وفي راتب المتقاعد، وفي قدرة المواطن على شراء احتياجاته.

السيناريو الأخطر هو استمرار التوتر لعدة أشهر. في هذه الحالة قد تضطر الحكومة إلى استخدام الاحتياطي، أو الاقتراض، أو تأجيل المشاريع، أو خفض الإنفاق الاستثماري. وقد تحاول حماية الرواتب أولًا، لكن حماية الرواتب وحدها لا تكفي إذا ارتفعت الأسعار وفقد الراتب جزءًا كبيرًا من قيمته الشرائية.

أما إذا حدث اضطراب طويل في الممرات البحرية، فقد تصبح الأزمة أعمق. تقارير حديثة تحدثت عن تراجع حاد في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز وارتفاع مخاطر المرور البحري، ما يوضح أن المشكلة لم تعد نظرية بل مرتبطة بأمن الطاقة العالمي كله.

الدرس الاقتصادي واضح: العراق لا يحتاج فقط إلى نفط أكثر، بل يحتاج إلى اقتصاد أقل خوفًا من الحرب. فالدولة التي تعتمد على النفط وحده تبقى معلقة بقرار عسكري، أو مضيق بحري، أو أزمة إقليمية.

لذلك، فإن الحل الحقيقي ليس انتظار انتهاء الحرب فقط، بل بناء حماية داخلية للاقتصاد: تنويع منافذ التصدير، تشغيل الصناعة، دعم الزراعة، تقليل الاستيراد، محاربة الفساد، وتوسيع الإيرادات غير النفطية.

الخلاصة: أخطر ما في الحرب ليس صوت الصواريخ، بل السؤال الذي بدأ يقترب من الشارع العراقي: إذا تعطل النفط، فمن يحمي الرواتب؟

وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبجوث والدراسات الاستراتيجية