المسألة الكردية في تركيا: من الإنكار إلى الاعتراف

المسألة الكردية في تركيا: من الإنكار إلى الاعتراف

403

الاكراد

د.معمر فيصل خولي*

اسهم متغير الرأي العام التركي في الانتخابات التشريعية التي جرت في الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر 2002م، في إزاحة الطبقة السياسية التقليدية عن المشهد السياسي التركي ووصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، واضعا ثقته به للخروج بتركيا من أزماتها الداخلية.

لتبدأ مسيرة الإصلاح الداخلي في تركيا، الذي شمل كافة المستويات غير المسبوق في الدولة والمجتمع منذ تولّى حزب العدالة والتنمية الحكم في العام 2002 م وحتى الآن، وقد وصف المراقبون المستقلون وتيرة الإصلاحات هذه ب”الثورة الصامتة”

وساهمت تلك الإصلاحات في زيادة الحضور الدبلوماسية التركية في العديد من القضايا المحوريّة في بيئتها الإقليمية، وعلى الرغم من تلك الإصلاحات التي أنجزتها حكومة العدالة والتنمية، فلا يزال ثمة مسائل تحاول حكومة العدالة والتنمية إيجاد حلول ملائمة لها، ولعل من أهمها، المسألة الكردية التي تعد من أكثر المشكلات المعقدة والتي ورثتها الجمهورية التركية الحديثة بعد تفكك الدولة العثمانية.

أهمية الدراسة

 تنبع هذه الدراسة من كون المسألة الكردية كانت- ولاتزال- من المسائل المستعصية  في الدولة التركية المعاصرة منذ نشأتها وحتى يومنا هذا، كما إنها تشكل في حال استمرارها ودون التوصل إلى حل لها، إحدى مصادر القلق الاجتماعي فيها.

فرضية الدراسة

قد تحتوي الدولة الواحدة كما في حالة الدولة التركية على عدد من الهويات الفرعية لمواطنيها والتي قد تتأسس على اعتبار الانتماء العرقي كما في الحالة الكردية، وعليه تبنى فرضية الدراسة على النحو الآتي:

كلما مكنت الدولة التركية الأكراد بممارسة حقوقهم وترجمتها سياسيًا واقتصاديا واجتماعيا وحرية التعبير في إطار الدولة، كلما زادت قوتهاـ، فعلى المستوى الداخلي تكون الدولة التركية في حالة مناعة داخلية تجاه أي محاولات لزعزعة استقرارها الداخلي، وأن أي نزاع قد يحدث يعالج في إطار الدستور والقانون أما على المستوى الخارجي يعد تمكينها للأكراد مصدر قوة لها ورصيدًا لها يخدم سياساتها الخارجية، ويساعد على تعظيم مصالحها الوطنية من جهة، ويعزز من مكانتها على الصعيد العلاقات الدولية من جهة أخرى. وفي هذه الحالة تطرح الدولة التركية ذاتها على الصعيد الخارجي باعتبارها دولة نموذجًا في مجال التعايش السلمي والتفاعل الإيجابي بين الهويات المختلفة، ومثالًا ناجحًا على حسن توظيف التنوع الثقافي بما يشكل عامل إثراء داخليًا وخارجيًا. وكلما تنكرت الدولة التركية للحقوق الكردية فسوف تبرز التناقضات، ويزداد التعبير عنها عبر أشكال تخرج عن الشرعية، بما في ذلك اللجوء إلى العنف. ويصاحب ذلك تعزز الهوية الخاصة بالقومية الكردية على حساب الهوية الجامعة للدولة التركية.

وبناء على ما سبق سنقوم بتقسيم هذه الدراسة إلى المحاور الآتية:

أولًا: من هم الأكراد.

ثانيًا: جذور المسألة الكردية.

ثالثًا: الثورات الكردية ضد الدولة التركية.

رابعًا: الواقع الكردي بعد رحيل كمال آتاتوورك.

خامسًا: حزب العمال الكردستاني.

 سادسًا: محاولات الدولة التركية في حل المسألة الكردية.

سابعًا: المسألة الكردية والبيئة الإقليمية.

ثامنًا: تكاليف المسألة الكردية على الأكراد والدولة التركية.

تاسعًا: حكومة العدالة والتنمية والمسألة الكردية.

خاتمة الدراسة.

أولًا: من هم الأكراد

الأكراد هم شعب هندوإيراني يتركزون في المناطق الجبلية وتخومها القريبة في جنوب غرب آسيا المعرفة بجبال كردستان، وتتوزع جغرافيتهم البشرية في تركيا والعراق وايران وسوريا وإلى حد ما في لبنان وأرمينيا وآسيا الوسطى. والأكراد هم واحدة من الجماعات الإثنية الرئيسة في تركيا.(1) حيث تحتل المرتبة الثانية فيها بعد القومية التركية، ويتركزون في الأقسام الوسطى والشرقية والجنوبية الشرقية من الأناضول، ويشكلون أكثرية السكان في كل من المحافظات التالية: “وان” و”حكاري” و”سيرة” و”ديار بكر” و”ماردين” و”الازغ” و”ارضروم” و”درسيم” و”بايزيد” و”بدليس” و”سعر”.(2)

وتقدر نسبة الأكراد في تركيا ما يقارب 20% من السكان، أي أنهم يزيدون على 12 مليونًا أو 13 مليونًا(3). ويتوزع الأكراد مذهبيًا بين سنّة(70%، ومعظمهم شافعيون) وبين علويين(30%) مع وجود  أقلية تقدر بما يقارب 10-20 ألفًا من اليزيديين (أو الأزيديين). ويتحدثون جميعًا اللغة القرمانية (أي الكردية المعروفة). وتنشط في صفوفهم الطرق التقليدية ، وفي مقدمتها النقشبندية والقادرية، فيما يسود مجتمعهم التنظيم العشائري. ويطلق تاريخيًا على المناطق التي يقطنونها اسم” كردستان”، لذا يعتبر أكراد تركيا بأنها ” كردستان الشمالية” فيما أراضي العراق الشمالية “كردستان الجنوبية” وأراضي إيران “كردستان الشرقية”. (4)

ثانيًا: جذور المسألة الكردية

المشكلة التي تحاول حكومة حزب العدالة والتنمية التصدي لها اليوم تعود لزمن بعيد، تحت الحكم العثماني، تعايشت جماعات ولغات وأديان مختلفة منظومة الملة، حيث تمتعت كل مجموعة بدرجة معينة من الحكم الذاتي، وكان لكل ملة من الملل قواعدها القانونية الخاصة بها في العديد من المناطق. ومع ذلك، اتخذت الإمبراطورية العثمانية عددًا من التدابير لتعزيز السلطة المركزية، عندما نشبت بعض التوترات بين الأكراد والدولة، ببساطة، كانت مجرد مسألة إدارية بين المركز الإمبراطوري والقوى المحلية في مواجهة مسألة الهوية.(5)

 وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، أملت دول الحلفاء المنتصرة على حكومة الدولة العثمانية المهزومة، التوقيع على معاهدة” سيفر” لتجزئتها، وبموجب هذه المعاهدة حصلت اليونان على تراسيا الغربية، وأعطيت فرنسا كيليكيا “كردستان الجنوبية”، وتصبح أرمينيا دولة مستقلة، ومنح الأكراد الحكم الذاتي حتى يتم لهم الاستقلال التام فيما بعد، أما مضيق البوسفور والدردنيل، فقد أخضعا لرقابة دولية تقرّر مصيرهما في حالتي الحرب والسلم.(6)

ومن المفيد الإشارة هنا بأن بريطانيا وفرنسا لم تكن مهتمتين بضمان حق تقرير المصير للشعب الكردي بل كان همهما الحقيقي الحيلولة دون انساع الأثر الذي أحدثته ثورة البلشفية في روسيا بتشرين الأول/ أكتوبر عام 1917م، حيث رأت الدولتان إقامة حكم ذاتي ومن ثم دولة للأكراد متخلفة إقطاعية، تكون بمثابة العازل بين تركيا وروسيا السوفيتية، وكنقطة استراتيجية محتملة ضد الاتحاد السوفييتي قريبة من حقول النفط في القوقاز، فرموا بهذه الخطة إلى فصل الأناضول الشرقي أي كردستان تركيا، فيضعفون بذلك موقف الكماليين.

وكان البريطانيون بوجه خاص يظنون بأن هذه الدولة لدى قيامها ستكون تحت نفوذهم في الوقت الذي كانت بريطانيا تسعى إلى انتزاع الموصل من تركيا بصفة نهائية.(7) فحقوق الاكراد في الفكر الاستعماري البريطاني والفرنسي لم يك أكثر من وسيلة لتحقيق مصالحهما، فإذا كان قيام الدولة الكردية يعزز من مصالحها الاستعمارية فهي معها والعكس صحيح، وهذا ما ستكشف عنه معاهدة لوزان فيما بعد.

بالعودة إلى معاهدة سيفر، فقد أثارت هذه المعاهدة كما أثارت من قبلها هدنة مودروس في 30 تشرين الأول/أكتوبر عام 1918م، التي أطاحت بكل مظاهر السيادة للدولة العثمانية على أراضيها، ردود فعل قوية بين الأتراك وأدى إلى ظهور مقاومة شديدة سرعان ما تطورت إلى حركة تحرر وطني بقيادة مصطفى كمال “آتاتورك” والتي كان هدفها انهاء الاحتلال الأجنبي وتحقيق وحدة البلاد(8) وقد وصف مصطفى كمال” آتاتورك” معاهدة سيفر بأنها حكم بالإعدام على تركيا، ولذلك فقد رفضها، ولإبطال مفعولها، اعتمد على العامل الديني، حيث طلب ” آتاتورك” من الأكراد التعاون معه للتخلص من القوات المحتلة للبلاد وقد استجابوا له، ونتيجة الانتصارات العسكرية التي حققها ” آتاتورك” عقدت معاهدة لوزان بين دول الحلفاء وتركيا في 24 تموز/ يوليو عام 1923م.(9)

 فبموجب هذه المعاهدة تم استعادة جزء كبير من الأراضي التي طالب بها الميثاق الوطني (الحفاظ على وحدة تركيا، رفض معاهدة سيفر) عام 1920م. كما لم يعد مطروحًا في هذه المعاهدة أمر دولة أرمنية(حصل الأرمن واليونان واليهود على وضعية”أقليات”)، ولم يحصل الأكراد على حكم ذاتي كردي(10) وبذلك تم طمس الهوية الكردية وتذويبها في الهوية التركية.(11)

ولما كانت المصالح -ولاتزال- هي التي تحدد مواقف الدول الاستعمارية فقد تراجعت بريطانيا عن وعودها في تأييد حق تقرير المصير للشعب الكردي، من خلال خوفها من إمكانية تشكيل الأكراد في بيئتها الإقليمية خطرًا على مصالحها النفطية، بعد إعلان الزعيم الكردي العراقي الشيخ محمود الحفيد كونفدرالية في شمالي العراق للأكراد، وما تعنيه من مخاطر على النفوذ البريطاني واحتمال إعادة توحيد كردستان التركية والعراقية. وبذلك أضحت معاهدة سيفر من زاوية المصالح البريطانية في طي النسيان(12) هذا من جانب.

ومن جانب آخر، ففي 29 تشرين الأول/أكتوبر عام 1923م، أُعلنت الجمهورية التركية وأصبح مصطفى كمال أوّل رئيس لها، فسياسته القومية المعتمدة على شعار” أيها المواطن! تكلم التركية”(13) و”هنيئًا لمن يقول أنا تركي” عُدت سياسة إنكار واسعة للهوية الكردية بما تعنيه من ثقافة ولغة وحقوق مختلفة مؤسسًا، بذلك نهج دولة تعتبر الجميع فيها ينتمون للأمة التركية بمعناها العرقي وليس فقط بمعناها الجغرافي السياسي المتمثل بالجمهورية التركية.(14). ومما تقدم لم يك أمام تراجع بريطانيا وانكار تركيا للحقوق القومية للأكراد سوى الانتفاضة على الدولة التركية.

ثالثًا: الانتفاضات الكردية ضد الدولة التركية

لم يذعن الشعب الكردي لسياسات الدولة التركية المتمثلة في انكار هويته حيث قاموا بسبع عشر انتفاضة بين عامي”1925م-1938م” (15)، ولعل من أهم تلك الانتفاضات، انتفاضة الشيخ سعيد النورسي عام1925م، وانتفاضة آرارات عام 1930م، وانتفاضة ديرسيم ما بين عامي 1936م-1938م.(16) وقد كانت هذه الانتفاضات مزيجًا من الدوافع القومية وأخرى ذات طابع إسلامي ضد سياسات الدولة التركية العلمانية.(17)

وقد أحدثت هذه الانتفاضات حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني في البلاد ولمواجهتها حشد رئيس الأسبق لتركيا كمال مصطفى عشرات الألوف من الجنود، فقمع الانتفاضة الأولى، الذي تطلّب تعاونًا عسكريًا مع فرنسا، وأعدم الشيخ سعيد ورفاقه ليس فقط لأنهم تمردّوا وإنما أيضًا لأنه كان ينبغي عليهم أن يكفروا عن الذنوب” الانفصالية لسائر الشعوب الإسلامية، وسحقت الانتفاضة الثانية من خلال التدمير الواسع للقرى الكردية، وقد استند قمعه على تعاون نشيط بين تركيا وبريطانيا وإيران والاتحاد السوفييتي، ثم جرى قمع الانتفاضة الثالثة، وقد عدّ هذا القمع على أنه “حرب الاستقلال الداخلية”. أما السياسة التي اتبعت ما بعد قمع الانتفاضات الكردية هي سياسة صهر الأكراد وتتريك كردستان، حيث أفضت هذه السياسة إلى صدور قانون التوطين في 21 حزيران/ يونيو عام1934م، والرامي إلى زيادة عدد السكان من ذوي الثقافة التركية في المناطق الكردية. (18)

وكان من نتائج المباشرة لهذه السياسة تدهور العلاقة بين الدولة التركية والأكراد وبشكل مستمر، ووفقًا للدولة التركية، اعتبرت النخبة الكمالية الأكراد مجموعة من المتمردين وقطاع الطرق يحتاجون إلى العقاب والإصلاح والتهذيب، في المقابل، أصبحت الدولة مؤسسة قمعية للأكراد، بل أصبحت عدوًا ينكر هويتهم، ويخضعهم لشتى أنواع الأعمال الوحشية.(19)

رابعاً: الواقع الكردي بعد وفاة مصطفى كمال “آتاتورك

وفي الواقع، لم يفض وفاة الرئيس التركي الأسبق مصطفى كمال” أتاتورك”، في العام 1938م، الى انهاء التدابير التعسفية تجاه الأكراد، بل استمرت بأوجه مختلفة (20)، فعلى الرغم من انتقال نظام الحكم في تركيا من نظام الحزب الواحد إلى التعددية الحزبية في العام 1946م. وصعود الحزب الديمقراطي إلى الحكم إلا انه فشل في وضع نهج للتعامل المسألة الكردية، واقتصر سعيها إلى تطوير العلاقات مع الأكراد من خلال دمج الأعيان المحليين، مثل زعماء العائلات الكردية والجماعات الدينية، في المجموعة البرلمانية الخاصة بهم. هذا من جانب (21) ومن جانب أخر، شكّل عهد الانقلابات العسكرية، الذي بدأ في العام 1960م، بداية لمزيد من التضييق على الهوية الكردية، اذ شهدت ستينيات القرن المنقضي حملة تتريك واسعة لأسماء القرى والأماكن والأشخاص والأكراد، واستمرت سياسة نقل السكان والنفي والاعتقال للشخصيات الكردية (22) كما صيغت تعابير ملطفة “كالأتراك الجبليين”، ثم “المواطنين الشرقيين”، للإشارة إلى الأكراد(23). وهنا إنكار مأسس دستوريًا للحقوق الكردية.

 لا شك أن السبعينيات من القرن المنقضي كانت فترة انتقالية من حال إلى أخرى في الواقع الكردي؛ فقد نشطت الحركات اليسارية والماركسية، التي وجد فيها الشبان الأكراد ملاذًا للنضال والتحرك ضد الدولة التركية وأملًا في تحصيل الحقوق الثقافية والسياسية للأكراد، ولعل إنشاء حزب العمال الكردستاني في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر عام1978م، المحطة الأبرز في تاريخ الحركة الكردية منذ ثورة الشيخ سعيد العام 1925م(24)، حيث ظهر البعد القومي بشكل واضح في التمرد الكردي.(25)

 

 

خامساً:  حزب العمال الكردستاني

نشأ حزب العمال الكردستاني في مرحلة انتعاش اليسار الماركسي في تركيا، ولم يكن غريبًا أن يتبنى الحزب توجهًا اشتراكيًا ماركسيًا.(26) ولم يكن تأسيسه مجرد تأسيس حزب سياسي وكردي بل بداية مرحلة تعميق الوعي الكردي ومزيدًا من اكتشاف الأكراد لهويتهم،(27) ولضمان ديمومته كان لابد للحزب من دعم له، حيث جاء الدعم الجغرافي من الحاضنة الكردية في شمالي العراق، التي أفلتت من سيطرة الحكومة العراقية منذ ثمانينيات القرن المنقضي، والإقليمي من الرئيس السوري السابق حافظ الاسد، الذي اتسمت علاقته مع تركيا آنذاك بالتوتر(28). وإيران، واليونان، والاتحاد السوفييتي، وأرمينيا، ولم يك هذا الدعم مستند على اعتبارات اخلاقية، وإنما لدوافع سياسية فقد كانت تلك الدول راغبة في خلق الصعوبات لتركيا، وإغراقها في حالة من الارتباك(29) وبسبب هذا الدعم شابت علاقات تركيا مع تلك الدول شيء من التوتر، ولم يك ذلك التوتر على درجة واحدة، وإنما كان مرتبط بصعوده وهبوطه مع كل دولة على حدة، لأنها تدرك ليس بمقدورها معاداة الجوار الإقليمي بأكمله الأمر الذي قد يخلق لها الكثير من المتاعب.

  أما عن تكوين الحزب، فبينما كان العصيان المدني المسلح الكردي السابق في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي قد نشأ بين طبقة أصحاب الأملاك وعلماء الدين، فقد تأصل حزب العمال الكردستاني بين طبقة الفلاحين الفقراء(30)، محددًا هدفه في السعي لاستقلال المناطق الكردية، وفي 15 آب/ أغسطس عام 1984م (31) شن الحزب حرب شرسة في مناطق الأغلبية الكردية، جنوبي وجنوبي شرقي تركيا، ضد قوات الجيش والأمن التركية وضد الجماعات الإسلامية المعارضة له في الوسط الكردي، وضد عموم السكان في المدن التركية الكبرى(32) وما العملية التي نفذها حزب العمال الكردستاني ضد الجيش التركي في قضاء ” أروح” في محافظة “سعرت” إلا ايذانًا في بدء الصراع المسلح ضد الدولة التركية (33) وبهذا ظهر الحزب كتهديد أمني للأتراك يجب معالجته.(34) ومن جانبها، اعتبرت الدولة التركية حزب العمال الكردستاني” منظمة إرهابية انفصالية” واعتمدت القوة العسكرية للتعامل مع تمرده في جنوبي الدولة وجنوبيها الشرقي(35)، وللتصدي له اتخذت الدولة عدة إجراءات من أهمها:

  • تشكيل ما سُمي “حراس القرى” لحماية القرى التي تتعرض لهجمات عناصر الحزب، وأفراد الحرس جميعهم من العشائر الكردية، الموالية للدولة.
  • فرض حالة طوارئ على المناطق الكردية الأكثر تعرضًا للنشاطات العسكرية لحزب العمال الكردستاني.
  • اللجوء إلى الأسلوب العسكري لقمعه، وذلك من خلال إرسال عشرات الألوف من الجنود والطائرات والدبابات والصواريخ لمهاجمة معاقل المقاتلين الأكراد في الجبال الوعرة.
  • اعتماد سياسة تفريغ القرى الكردية من سكانها، وصولًا إلى تدميرها إذا تطلب الأمر، وذلك لمنع استخدامها مأوى يختفي فيه المقاتلون الأكراد.
  • اتهام السكان الأكراد دائمًا بمساعدة حزب العمال.(36)

وعلى الرغم من المواجهة المسلحة بين حزب العمال الكردستاني والدولة التركية في ثمانينيات القرن المنقضي اتسمت بقدر متفاقم من البشاعة، سيما على صعيد تدمير القرى الكردية وتهجير سكانها وقيام الوحدات العسكرية التركية الخاصة بقتل المشبوهين من الأكراد بلا محاكمة، فإن محاولات الدولة التركية للتوصل إلى حل تفاوضي دبلوماسي للسياسة الكردية لم تتوقف.(37) فهل هذه المحاولات أفضت إلى نتائج انعكست بشكل ايجابي على الطرفين.؟

سادساً: محاولات الدولة التركية في حل المسألة الكردية

 على الرغم من المقاربة العسكرية الأمنية هي الأسلوب الوحيد في التعامل مع المسألة الكردية، إلا أن كانت هناك محاولات دبلوماسية من قبل الدولة التركية لمعالجتها في عقد التسعينيات من القرن المنقضي، ولعل من أبرزها:

 1-محاولة الرئيس الأسبق تورجت أوزال: استمرت سياسة تجاهل الحقوق الكردية في تركيا حتى وصوله لرئاسة الجمهورية التركية، حيث ألغى الحظر الكامل المفروض على استخدام اللغة الكردية في المدارس الحكومية ودوائر الدولة، وجرى تحويله إلى حظر جزئي، وقد حاول أوزال إطلاق مفاوضات غير مباشرة مع حزب العمال الكردستاني. داعيا إلى مناقشة كل المسائل الحساسة في تركية علانية، ومنها مسألة فيدرالية بين الأتراك والأكراد(38) وبالمثل أعلن عبدالله أوجلان وقف إطلاق النار، والتخلي عن مطالبة بكردستان مستقلة، مطالبًا بدلا من ذلك بالحرية الثقافية والحرية السياسية(39) غير أن هذه المبادرات الواعدة تلاشت بوفاة تورجت أوزال في 17 نيسان/ابريل 1993م.(40)

2-محاولة رئيس الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان(28 حزيران/يونيو1996م- 30 حزيران/يونيو 1997م): حيث حاول من جديد، فتح قنوات تفاوض مع حزب العمال الكردستاني، ولكن سلطة نجم الدين أربكان على المؤسسة العسكرية والأمنية لم تكن بالقوة التي تسمح له بإحراز تقدم سريع في المسار السلمي؛ كما أن حكومته لم تستمر لأكثر من عام.(41)

3- محاولة رئيس الوزراء الأسبق مسعود يلماز(30 حزيران/يونيو1996م-11 كانون الثاني/يناير1999م): لمعالجة المسألة الكردية نابعة من الواقعية السياسية المرتبطة بالمصالح، وليس إيمانه بالحقوق الكردية، فهو كان يرى بمعالجتها وسيلة للانضمام للاتحاد الأوروبي، وهذا ما صرح به بقوله “الطريق إلى الاتحاد الأوروبي يمر بديار بكر”.(42)

4-محاولة رئيس الوزراء الأسبق بولنت أجاويد(11كانون الثاني/يناير-18تشرين الثاني/نوفمبر 2002م: بعد أن أُلقي القبض على عبدالله أوجلان في نيروبي، ونقله من ثم إلى تركيا؛ حيث حوكم ووضع في سجن انفرادي في جزيرة إيمريلي، حيث لم يزل مسجونًا بحكم مؤبد. بدأت حكومة بولنت أجاويد في مفاوضات مع معتقلها الأبرز، مباشرة بعد محاكمته.

أخفقت تلك المرحلة من التفاوض في محاولة ايجاد حل لسبيين أولهما: أن الدولة التركية لم تمثل دائمًا بإرادة سياسية واحدة؛ فإلى جانب معارضة قطاع شعبي لم يزل متأثرًا بالتصور القومي-التركي للجمهورية الكمالية، فقد تواجدت في أوساط الجيش والجندرمة وأجهزة الأمن مجموعات قومية متطرفة بالغة التأثير، لم تكن على استعداد للاعتراف بالهوية الكردية(43) فالمركب العسكري الأمني للدولة التركية، عوّل على القوة في حسم حالة الحرب مع حزب العمال الكردستاني.(44) ثانيهما: عانى الأخير من حالة التشظي الداخلية، مما مهد من وجود تيارات متضاربة ومصالح ذات ارتباطات خارجية أعاقت أي محاولة تقارب مع الدولة التركية.

سابعاً: المسألة الكردية والبيئة الإقليمية

 تأثرت العلاقات ما بين تركيا وكل من إيران، والعراق، وسوريا، باختلاف الاهتمامات العقائدية ومتطلبات الحرب الباردة، وبالنسبة لتركيا فان تأثير المسألة الكردية على هذه العلاقات كان اكثر وضوحاً وقوة، بالنظر فتعداد السكان من الأكراد فيها يفوق تعدادهم السكاني في أي دولة في الإقليم.

زادت خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن المنقضي المخاوف التركية من انفصال كردي داخل الدولة، وخاصة بعد أن قادت سياساتها السلبية إزاء الأكراد داخل الدولة إلى خلق حركة انفصالية مسلحة. وقد تشكلت سياسات تركيا تجاه إيران وسوريا، والعراق على وجه الخصوص، تبعًا للمسألة الكردية داخل تركيا، أضف إلى ذلك أن كل دولة أرادت زعزعة استقرار، وإضعاف تركيا. ويمكن القول ببساطة إن شعور ديار بكر العاصمة غير الرسمية لأكراد تركيا، بعدم السعادة يمثل تهديدًا مستمرًا لاستقرار تركيا وسط بيئة إقليمية بالغة الحساسية إزاء المناورات الخارجية. ان احتواء ديار بكر، في اندماج سعيد للأكراد مع تركيا، والتمتع بمزايا للدولة، صورة تقلب ديناميكية المعادلة: كردستان تركية. هذا الاحتمال يشكل تهديدًا للدول الثلاث الأخرى الأقل احتواء للأقليات الكردية، هذا المشهد يجعل من تركيا القوة الجاذبة لكل الأكراد داخل إطار من التقدم والتعددية الثقافية والحياة الديمقراطية المرتبطة بأوروبا، الدول الأخرى. في المشهد نفسه تصبح تحت الضغط: أي أن تقدم لأكرادها ما تستطيع تركيا أن تقدمه أو تتصاعد الروح الانفصالية بين سكانها الأكراد.(45)

ثامناً: تكاليف المسألة الكردية على الأكراد والدولة التركية

أما عن تكاليف المواجهة المسلحة بين الدولة التركية والأكراد، فبينما لا تزال الأعداد الدقيقة للقتلى غير معروفة، إلا أن هناك تناقضًا بين حسابات المؤرخين الأكراد والأرقام الرسمية. ومع ذلك، تشير التقارير إلى أن أكثر من 45 أف شخص لقوا حتفهم خلال ثوراتهم على مدى 14 عامًا الأولى التي أعقبت تأسيس الجمهورية. وبالمثل، يعتقد أن أكثر من 45 ألف شخص لقوا حتفهم في سياق حملة تركيا ضد حزب العمال الكردستاني. في المقابل، تزعم الدولة أنها أنفقت ما يقرب من 150 إلى 450 مليار دولار أمريكي لمكافحة الإرهاب. لكن الإحصاءات تشير إلى أن الأموال التي أنفقتها الدولة بلغت نحو 300 مليار دولار أمريكي.

وبعبارة أخرى، خصصت تركيا 15 مليار دولار سنويًا على مدى العشر السنوات العشرين الماضية، لجهود مكافحة حزب العمال الكردستاني، فالعبء المالي الذي سببته حملة مكافحته أوقع أضرارًا بالغة في الاقتصاد التركي.(46) ومع أن كلمة “لَو” لا معنى لها في التاريخ فإننا نُجيز استعمالها هنا- لأن الهدف هو التوضيح لاغير- فلو تلك المبالغ التي صرفت في مواجهة حزب العمال الكردستاني، وتلك الأرواح التي زهقت استثمرت في تنمية المستدامة للمناطق الكردية لاستطاعت الدولة التركية تحقيق الاستقرار فيها عبر مدخل الاقتصاد، وتجنبت تلك الخسائر المالية والبشرية التي لم تعد عليها وعلى الحزب بأي فائدة تذكر.

تاسعاً: حكومة حزب العدالة والتنمية والمسألة الكردية

 بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2002م، لم يتغير التعاطي الأمني العسكري مع المسألة الكردية؛ وتحديداً في الدورة البرلمانية 2002م-2007 وذلك للأسباب الآتية:

أولًا: فضلت حكومة العدالة والتنمية تجنب صدام مبكر مع المؤسسة العسكرية وبعض الأحزاب المعارضة، ولا سيما حزب الحركة القومية المعروف بتطرفه وتصلبه تجاه المسألة الكردية.

ثانيًا: لم تك حكومة العدالة والتنمية تمتلك أغلبية برلمانية كافية لتشكيل الحكومة بمفردها.(47)

ثالثًا: الخلاف المستمر مع رئاسة الجمهورية ممثلة برئيس الجمهورية السابق أحمد نجدت سيزار، المعروف بأفكاره ” الكمالية” خلال المدة الممتدة من 2002م إلى 2007م، حيث أضحت الرئاسة، بالنسبة إلى العلمانيين، سورًا منيعًا في وجه حكومة العدالة والتنمية.( 48)

رابعًا: تداعيات العدوان ثم الاحتلال الأمريكي للعراق في 9 نيسان/ إبريل عام 2003م، وانتقال العراق من الصيغة الوحدوية إلى الصيغة الفيدرالية، وظهور كيان كردي في شمالي العراق (كردستان العراق)، وتمركز مقاتلي حزب العمال الكردستاني فيه، وهي تطورات سلبية رأت حكومة العدالة والتنمية أنّها تهدد أمنها القومي.(49)

وعلى الرغم من تلك الأسباب لم تمنع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان من عرض موقف حكومته لحل المسألة الكردية ففي عام 2005م، ففي ديار بكر التي تقطنها أغلبية كردية صرّح من هناك قائلًا: “بكل صراحة أن الرد على المظالم المستمرة التي يتعرض لها الأكراد منذ مدة طويلة ليس بالقمع ولكن المزيد من الديمقراطية”(50) كما أعلن أيضًا أن”المسألة الكردية هي مشكلته”، وقال إن “تجاهل أخطاء الماضي ليس من سلوك الدول الكبرى” وبالتالي أكد على لأنه عازم على إعادة حل القضية بالمزيد من حقوق المواطنة، والمزيد من الرفاهية. فقد كان خطابه بمثابة اعتراف رسمي من الدولة التركية بالمسألة الكردية.(51)

 ومع ذلك قوبلت تصريحاته بالشك والريبة من المعارضة التركية والأكراد، فالأولى اتهمته بالرضوخ لمطالب “الإرهابيين”، أما الثانية فرأت في تصريحاته مجرد كلام وخطب دون أي فعل على الأرض(52) ولهذه الأسباب، فشلت الحكومة في اتخاذ أية خطوات لتعزيز خطاب رئيس الوزراء التركي في ديار بكر.

مبادرة الحكومة التركية عام 2009 للمسألة الكردية

شكّلت المنجزات الاقتصادية التي حققتها حكومة العدالة والتنمية في الدورة البرلمانية السابقة(2002م-2007م) عند الناخبين الأتراك، الدافع الرئيس في إعادة انتخاب حزب العدالة والتنمية، ففي 22 تموز/يوليو عام 2007، حصد الحزب 64.4 % من الأصوات، متخطيًا بهذه النتيجة تلك التي حققها في الانتخابات البرلمانية عام 2002م، مما مهد له تشكيل الحكومة التركية بمفرده.(53)

وبهذا الفوز الانتخابي الثاني، أصبح عبدالله غول، الشخصية الثانية في حزب العدالة والتنمية، رئيسًا للجمهورية التركية(54) وبذلك سيطر حزب العدالة والتنمية على رئاسات الدولة الثلاث، وهي رئاسة الجمهورية، ورئاسة الحكومة، ورئاسة البرلمان، هذه السيطرة دفعت حكومة العدالة والتنمية إلى فتح تحقيق قضائي في محاولة انقلاب عسكري عليها، عرفت بقضية” أرغينيكيون”، ما مثّل سابقة في الحياة السياسية التركية من حيث تجرؤ حزب سياسي على الحد من تدخلات المؤسسة العسكرية في شؤون الحكم خارج مهامها الدستورية(55) وإلى توظيف ترشحها للانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبي الاقتراب من المسألة الكردية من خلال تنفيذ معايير كوبنهاجن السياسية المؤهلة لذلك الانضمام، المعنية باحترام حقوق الأقليات ومنحها حرية الممارسة الثقافية وحق التعبير عن هويتها داخل إطار الدولة.(56)

وقد منحت هذه العوامل حكومة العدالة والتنمية زخمًا شعبيًا وسياسيًا للانفتاح على الاكراد وقد تمثل ذلك في: الرفع التدريجي لنظام الطوارئ المعمول به في مناطقهم، والسماح باللغة الكردية كلغة تعليم وإعلام ضمن ضوابط محددة، وزيادة الاهتمام بتنمية المناطق الكردية.(57) واستمرارًا بهذا النهج أطلقت حكومة العدالة والتنمية في عام 2009م، مبادرة لمعالجة المسألة الكردية. وقد شددت هذه المبادرة على إجراء مناقشة متعمقة بشأنها وعرضها على الرأي العام. في البداية عرفت المبادرة باسم” الانفتاح الكردي”، ثم ما لبثت أن عرفت بمسميات عدة؛ كالانفتاح الديمقراطي، ومشروع الوحدة الوطنية، والمبادرة الديمقراطية فضلًا عن مسّميات أخرى.

ولهذه المبادرة غايتين من وجهة نظر الحكومة التركية، أولهما: التحويل الجذري للنظام السياسي التركي الذي تشكّل بعد الانقلاب العسكري عام1980م، من خلال توسيع فهم المواطنة، الأمر الذي من شأنه إعادة تعريف المجتمع السياسي، وتعزيز مشاركة المجتمع المدني، والانخراط في لا مركزية الدولة مع الحكومات على المستويات المحلية للتكامل مع العاصمة السياسية.(58)

ثانيهما: هو وضع حد للصراع المسلح من خلال نزع سلاح وتسريح حزب العمال الكردستاني. أما عن العوامل التي ساهمت في صياغة تلك المبادرة، يمكن إجمالها بخمسة عوامل رئيسة، وهي: الأول، أنها تكمل إحدى مبادئ الحكومة التركية” تصفير المشكلات مع الجيران” وتمنحها مصداقية داخليًا وخارجيًا. وأنها تعد استجابة لانعدام الأمن داخليًا. بسبب إنشاء حكومة إقليم كردستان في العراق عام 2004م.

ثانيًا، حزب المجتمع الديمقراطي (الذي تم اغلاقه في كانون الثاني/ديسمبر عام 2009م من قبل المحكمة الدستورية في تركيا) كان قد حصل على نسبة تصويت غير مسبوقة في جنوبي شرق الدولة في الانتخابات البلدية التي أجريت في آذار/ مارس عام2009م، لذا حاولت الحكومة استمالة الهيئة الانتخابية الكردية للحصول على أصواتهم وكسب المقاعد التي خسرتها من خلال هذه المبادرة الجديدة.

ثالثًا، بعد فشل محاولات القضاء على قواعد حزب العمال الكردستاني في إقليم كردستان العراق، واقتراب ” انسحاب” قوات الاحتلال الأمريكي من العراق، اضطرت حكومة العدالة والتنمية إلى ايجاد حل جديد للوضع في جنوبي شرق الدولة الذي أصبح صعبًا، ولا سيما مع التغيرات التي طرأت على ميزان القوى عبر الحدود مع العراق. رابعًا، ما يسمى بقضية أرغينكيون، التي حققت في أنشطة “الدولة العميقة” داخل تركيا وتحييد دور المؤسسة العسكرية، أصبحت آفاق حل المسألة الكردية من خلال وسائل غير عسكرية أكثر سهولة.

خامسًا، شجع الانتعاش الاقتصادي الذي شهدته تركيا في ظل حكومة العدالة والتنمية على حل المسألة الكردية بطرق سلمية، بالنظر إلى الحاجة الماسة لخفض النفقات العسكرية المبالغ فيها، وكان دور تركيا كمركز للطاقة ومفترق خطوط أنابيب جزءًا من المعادلة. فعندما تحل حكومة العدالة والتنمية المسألة الكردية، فإنها ستكون قادرة على تأمين المناطق المحيطة بها لتحقيق مشاريع نقل الطاقة الجديدة بمت في ذلك خط” نابوكو”.(59)

موقف المعارضة التركية والأكراد والأوربيين من المبادرة

على الرغم من الترحيب الذي حظيت به المبادرة داخل الأوساط الكردية المعتدلة، والأوساط السياسية والليبرالية واليسارية والأكاديمية وكذلك الأوربيين. إلا أنها جوبهت بالرفض من قبل حزبي المعارضة الرئيسين (حزب الشعب الجمهوري، وحزب الحركة القومية) متذرعين أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، يغامر بالأمن القومي التركي من أجل تحقيق مكاسب سياسية. والشك من قبل الأكراد من أن المبادرة لن تغير أو تصلح الأوضاع في تركيا(60) أما المفوضية الأوربية فقد أشارت في تقريرها المرحلي لعام 2010م، إلى أن “التدابير التي تم الإعلان عنها في إطار الانفتاح الديمقراطي لم ترق إلى التوقعات ولم يتم تنفيذها” وردًا على هذه الانتقادات، أكد رئيس الوزراء التركي أن الانفتاح قائم وأن الحكومة تقف بحزم وراءه، وأن” أولئك الذين يدعون أن الانفتاح الديمقراطي خال من أي محتوى… يمكن أن يملؤوه بأنفسهم. ونحن مستعدون لهذا”. (61) وقد كانت هذه الانتقادات كفيلة بإفشال المبادرة.

مفاوضات “أوسلو

على الرغم من الانتقادات التي وجهت لمبادرة الحكومة التركية للمسألة الكردية، أوعز رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لرئيس المخابرات التركي حقان فيدان، للتفاوض مع عبدالله أوجلان وحزب العمال الكردستاني وقد جرت هذه المفاوضات برعاية نرويجية، وقد استطاعت هذه المفاوضات بالقضاء على التصور بأن المحادثات المباشرة بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني أمر مستحيل، وأتاحت الفرصة لكلا المتفاوضين للتعرف إلى بعضهم البعض ومطالب كل طرف.(62) واستمرت مفاوضات” أوسلو” حتى يوليو/ تموز2011م،عندما قطع حزب العمال الكردستاني الهدنة مع الدولة، وشنّ هجومًا على هدف عسكري تركي، وبالمثل ردت الدولة على تصاعد عنف الحزب، بالمزيد من العمليات العسكرية، وبهذا العنف المتبادل انتهت مفاوضات أوسلو.

مفاوضات” إيمريلي

على الرغم من تجدد المواجهات العسكرية والتي بلغت ذروتها في منتصف عام 2011م-2012م، والتي أسفرت عن فشل حزب العمال الكردستاني في بدء” الحرب الثورة الشعبية”، وعجز الدولة التركية عن القضاء على ذلك الحزب.(63) ووصول محادثات أوسلو إلى طريق مسدود. بدرت بارقة أمل جديدة، وأطلق عليها هذه المرة اسم عملية إيمريلي. وبدا المشهد السياسي مختلفًا مقارنة بعام 2009م عندما تم إطلاق المبادرة السابقة.(64)

ويمكن النظر الى هذه المبادرة الجديدة على أنها جزء من عملية التقارب التي بدأت في عام 2005م (65) فقد دخلت الحكومة التركية في نهاية عام 2012م، في عملية تفاوضية مع الأكراد، ولكن بأسلوب جديد، وهو التفاوض المباشر مع عبدالله أوجلان، ومن دون وساطات أجنبية، كما أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان كلّف جهاز المخابرات العامة إجراء المفاوضات لإظهار أنها تجري نيابة عن الدولة، وليست نيابة عن حكومته، وهو ما يمنحها شرعية أكبر، وفي الوقت نفسه يجنب حزبه انتقادات المعارضة. (66)

وأظهرت هذه المفاوضات مؤشرات ايجابية منها، هو أنه للمرة الأولى تعترف الحكومة التركية صراحة بأن عبدالله أوجلان المفاوض في محادثات السلام يعد شخصية مركزية لملايين الأكراد في تركيا، في مثل هذا الصراع المتعلق بالهوية الكردية، يلعب الاعتراف العلني دورًا مهمًا. فبالنسبة لكثير من الأكراد، بغض النظر عن قبول أو رفض الكفاح المسلح، فإن عبدالله أوجلان يرمز للهوية الكردية والمقاومة، وبالإضافة إلى الأهمية الرمزية، فإن أي نهج واقعي لديناميات السلطة والصراع، لابد أن يتضمن التعامل معه من أجل إنهاء العنف.(67) ومما لا شك فيه، أن هناك أسباب داخليّة وخارجيّة ساهمت في إطلاق الحوار وتسريع المفاوضات بين الدولة التركيّة وحزب العمال الكردستاني لحل المسألة الكرديّة، ويمكن توضيحها بالآتي:

أولًا: الأسباب الداخليّة

-مشروع 2023: يمثّل هذا المشروع الرؤية المستقبلية لحزب العدالة والتنمية؛ إذ يهدف إلى إحداث نهضة اقتصاديّة في تركيّا تجعلها ضمن الدول العشر الأولى من حيث الناتج القومي الإجمالي، ويتطلب ذلك – بحسب أهداف المشروع – إزالة العوائق الداخليّة والخارجيّة، ومن بينها حل المسألة الكرديّة.

-رغبة أردوغان في تغيير نظام الحكم من نظام برلمانيّ إلى نظام رئاسيّ، ما يتيح له الترشّح لانتخابات الرئاسة عام 2014، واحتمال فوزه بمنصب رئاسي ذي سلطات وصلاحيات أوسع من تلك التي يتولاها الرئيس حاليًا، ومن ثمّ، تمكينه من قيادة تركيّا حتى عام 2022م. وتواجه رغبته هذه معارضة حزبَي الشعب الجمهوري والحركة القوميّة، وهو ما أدى إلى فشل لجنة التوافق الدستوري التي تضم جميع الكتل الحزبيّة في البرلمان في الاتفاق على مشروع دستور جديد يُفترض إقراره خريف هذه السنة. وفي حال فشل اللجنة في إتمام مهمتها قبل حزيران/ يونيو القادم، فإنّ حزب العدالة والتنمية سيجد نفسه أمام مسارين أولهما، إقرار الدستور في البرلمان، وهذا يتطلب: ضمان تأييد 367 نائبًا من أصل 550 نائبًا، وهو عدد يصعب توافره في ظل التوازنات الحزبية داخل البرلمان. ثم الحصول على موافقة البرلمان من أجل عرض مشروع الدستور على الاستفتاء الشعبي. وهذا المسار يتطلب تأييد 330 نائبًا؛ أي أكثر من عدد نواب كتلة حزب العدالة والتنمية في البرلمان (325 نائبًا) بخمسة أصوات. انطلاقًا من ذلك يسعى حزب العدالة والتنمية إلى ضمان تأييد حزب السلام والديمقراطية الكردي الذي يمثله 29 نائبًا، لتحقيق هذا الهدف.

في المقابل، يتعهد أردوغان بالاستجابة لمطالب هذا الحزب، ومنها إجراء تغييرات في تعريف الأمة والمواطنة في الدستور التركي الجديد، من أجل فتح الباب أمام حل مستقبلي للمسألة الكرديّة. وبهذا، فهناك دافع شخصي لدى أردوغان يتعلق باستمرار زعامته.                                     _تداعيات مشهد التغيير العربي: فرضت ثورات التغيير العربي على قيادة حزب العمال الكردستاني مراجعة حساباتها وخياراتها في ما يتعلق باعتمادها “الكفاح المسلح” نهجًا وحيدًا للضغط على الدولة التركيّة. وفي ضوء ذلك، كانت هذه القيادة، والمنظمات التابعة لها، ولا سيما اتحاد أهالي كردستان المحظور وحزب السلام والديمقراطيّة، تستعد لإعلان يوم النوروز في 21 آذار/مارس 2013 تاريخ انطلاقة الربيع الكردي في تركيّا.

ويمكن لمتابعي الشأن التركي أن يلاحظوا محاولة أردوغان قطع الطريق أمام هذا التوجه من خلال قيامه بجولة في المناطق ذات الأغلبيّة الكرديّة في جنوب تركيّا في 16 شباط / فبراير الماضي؛ إذ حاول فيها الترويج لخطة السلام مع الأكراد. وقد نجح أردوغان في تحقيق هدفه، عندما أعلن حزب السلام والديمقراطية أنّه سيكتفي بتجمع مركزي في مدينة ديار بكر، وهذا ما حصل.

     ثانيًا: الأسباب الخارجيّة

-تداعيات الثورة السوريّة: انسحب الجيش السوري النظامي في بداية آب/أغسطس 2012 من المناطق التي تقطنها أغلبيّة كرديّة في المنطقة الشماليّة من سوريا (عفرين وقراها)، والشماليّة الشرقيّة (منطقة الجزيرة) المحاذية لتركيّا. ومع انسحابه، أصبحت هذه المناطق تخضع لإشراف الهيئة الكرديّة المشتركة التي تضم (المجلس الوطني الكردي، ومجلس شعب كردستان، وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني في سوريا التابع لحزب العمال الكردستاني). وقد خشيت تركيّا أن يُسهم هذا التطور في قيام إقليم كردي على حدودها مع سوريا يتصل جغرافيًا وبشريًا بالمناطق الكرديّة في تركيّا والعراق، وأن يشكّل هذا الإقليم حاضنة لمقاتلي حزب العمال الكردستاني في صراعه المسلح معها؛ فجاء التفاوض المباشر مع قيادة هذا الحزب خطوة استباقية لأي تداعيات مستقبلية محتملة قد تترتب عن سقوط النظام السوري.

-التنافس مع إيران بشأن سوريا: قطعت تركيّا علاقاتها السياسيّة والدبلوماسيّة مع النظام السوري منذ أيلول/ سبتمبر 2011، وطالبت بتنحي الرئيس بشار الأسد. كما دعمت تركيّا المعارضة السوريّة، وفتحت حدودها لإمدادات السلاح أمامها، وكذلك للمساعدات الإغاثيّة القادمة إلى سوريا. بالمقابل وقفت إيران إلى جانب النظام ودعمته ماديًا ولوجستيًا لمواجهة الضغوط والعقوبات الدولية المفروضة عليه. وفي 24 كانون الأول/ديسمبر 2012، اتهم وزير الداخليّة التركي إدريس نعيم شاهين إيران بدعم مقاتلي حزب العمال الكردستاني من أجل الضغط على تركيّا في الملف السوري. ومن ثمّ، ترى أنقرة أنّ التفاوض المباشر مع أوجلان من شأنه سحب الورقة الكرديّة من توظيفها السياسي من قبل قوى إقليميّة.                                       _التحالف مع مسعود البرزاني لمواجهة نوري المالكي: تنظر تركيّا إلى الحكومة العراقيّة برئاسة نوري المالكي على أنّها “حكومة تابعة لإيران”، وأنّها حكومة معادية لها. وفي الوقت ذاته، تتهم حكومة المالكي تركيّا بالتدخل في الشؤون الداخليّة العراقيّة، وبأنّها تؤدي دورًا مشبوهًا في إذكاء الفتنة الطائفية في العراق. ونتيجة للعداء والخصام مع المالكي، اتجهت تركيّا، ومنذ عام 2010، إلى تطوير علاقاتها مع رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني في ظل حاجة الأخير إليها من أجل تصدير النفط المنتج في الإقليم عبر الأنابيب التركيّة، ما انعكس سلبيًا على علاقة البرزاني مع حكومة المالكي. لقد عملت تركيّا على توظيف علاقاتها الجيدة مع البرزاني من أجل القيام بدور وسيط في المفاوضات بينها وقيادات حزب العمال الكردستاني العسكريّة التي تتخذ من شمال العراق مقرًا لها.(68)

مسار المفاوضات

تشتمل مفاوضات إمريلي على إجراء مفاوضات بين الاستخبارات الوطنية التركية وزعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان، لإنهاء الأعمال العنف بين الجانبين ونزع سلاحه في مقابل إجراء إصلاحات ومنح المزيد من الحقوق للأكراد في تركيا، ولتعزيز تدابير بناء الثقة بين الجانبين. (69) ففي 3 كانون الثاني/ يناير عام 2013م، قام نائبين كرديين، أيلا كتا عطا، عن حزب السلام والديمقراطية، وأحمج ترك، النائب المستقل وأحد أبرز الشخصيات الكردية في الدولة التركية، بزيارة عبدالله أوجلان في سجنه ب إيمريلي. (70)

وخلال نفس المدة، أفرجت الحكومة التركية عن مجموعة من رؤساء البلديات السابقين من الأكراد الذين قضوا أكثر من ثلاث سنوات في سجن ديار بكر لصلاتهم المزعومة بمنظومة المجتمع الكردستاني التابعة لحزب العمال الكردستاني، وموافقة البرلمان التركي على قانون يسمح للأكراد باستخدام لغتهم الأم، وهو مطلب كردي قديم.(71)

أما على المستوى الكردي وجه عبدالله أوجلان دعوة تاريخية لصمت السلاح وانسحاب حزب العمال الكردستاني خارج حدود تركيا، خلال الاحتفالات بعيد النيروز عام 2013م وقد استجابت قيادة حزب العمال الكردستاني في جبل قنديل بشكل إيجابي لدعوته، وأعلنت وقف إطلاق النار بعد أيام من إعلان ولائهم له. واستكمالًا لمسار المفاوضات، ففي 23 شباط/ فبراير عام2013م، قامت مجموعة ثانية من النواب الأكراد، ضمت بيرفين بولدان، وألتان تان، وسيري سوريا أوندر بزيارة عبدالله أوجلان في السجن.(72)

أفصح عبدالله أوجلان بعدها عن خارطة طريقه للسلام والتي تتضمن ثلاث مراحل: الأولى، وقف إطلاق النار فورًا، وثانيًا، انسحاب حزب العمال الكردستاني من تركيا، وثالثًا: نزع السلاح(73) وبموازاة خطته، تقدمت الحكومة التركية بمجموعة التعديلات القضائية الرابعة، التي يعتقد بأنها تمهد الطريق، عند إقرارها لتغيير جوهري في إجراءات الاتهام والتقاضي، وتفسح المجال للإفراج عن الآلاف من مساجين اتحاد أهالي كردستان، التابعة لحزب العمال الكردستاني وغير القانونية، التي طالما استهدفتها الأجهزة الأمنية والقضائية التركية.(74)

 وقد ساعدت هذه الخطوة في إفراج حزب العمال الكردستاني عن الموظفين العموميين الأتراك الثمانية في 12آذار / مارس 2013م، بناء على تعليمات من عبدالله أوجلان إلى قيادات حزبه العسكرية في جبال قنديل شمالي العراق، نقلها وفد حزب السلام والديمقراطية الذي زاره في 9آذار/ مارس 2013م.(75)

وفي تطور إيجابي لافت أقر البرلمان التركي في 11 تموز/يوليو2014م مشروع قانون قدمته الحكومة يعطي دفعا لعملية السلام مع حزب العمال الكردستاني، ويهدف القانون إلى ضمان حماية قانونية لأبرز المسؤولين المشاركين في المفاوضات مع حزب العمال الكردستاني الذي تعتبره تركيا منظمة إرهابية على غرار العديد من الدول الأخرى.

ويساهم القانون أيضا في إعادة دمج المقاتلين المتمردين، الذين يسلمون سلاحهم، ويعطي الحكومة سلطة تعيين أشخاص وهيئات تقود المفاوضات المتصلة بـ “المسألة الكردية”(76). ومما لا شك فيه يعد هذا قانون خطوة إيجابية في مسار عملية الحل السلمي للمسألة الكردية، كما أنه سيساهم في كسب رجب طيب أردوغان أصوات الأكراد في الانتخابات الرئاسية التي ستجري في 10 آب/ أغسطس 2014م. وعلى الرغم ذلك لم ولن يخل مسار التفاوض من الصعوبات والتحديات.

الصعوبات والتحديات لمسار المفاوضات

لم يخل مسار المفاوضات بين الدولة التركية ممثلة برئيس جهاز مخابراتها فيدان حقان والحركة الكردية ممثلة بزعيمها عبدالله أوجلان، والتي اتسمت بشيء من التفاؤل، من بعض الصعوبات التي تعرقل من مسارها، ولعل من أهمها، هجوم حزب العمال الكردستاني على ثكنة عسكرية تركية في تشوركاجي، وهو حي في محافظة هكاري، ومقتل ثلاث نساء كرديات من اعضاء حزب العمال الكردستاني في المعهد الكردي في باريس، من بينهّن سكينة جانسيز، أحد مؤسسيه القلائل.(77)

وتشير حادثة الاغتيال في 9كانون الأول/ يناير عام 2013م، إلى حجم الخلافات داخل الحزب بشأن التفاوض الجاري مع الدولة التركية، والمدى الذي يمكن أن تصله هذه الخلافات. أما عن التحديات الآنية والمستقبلية في عملية التفاوض للوصول للحل المنشود فلا بد لكلا الطرفين: الدولة التركية والحركة الكردية من التعامل معها، فبالنسبة للتحديات الآنية فعلى الدولة التركية تحديات قانونية ودستورية لا بد من تجاوزها(78) منها معالجة المسألة الكردية بشكل جذري، كالاعتراف الرسمي بالهوية الكردية، والتعليم باللغة الكردية، وتعزيز دور الحكومات المحلية.(79)

أما على الجانب الكردي، بالرغم من قوة ورمزية قيادة عبدالله أوجلان، فإن الحزب أصبح أقرب إلى إطار منه إلى الحزب المتماسك. وعليه، هل سيستطيع عبدالله أن يضمن ولاء الأغلبية في الحزب واصطفافها بشأن الحل الذي سيتوصل إليه؟(80) إذا أصر الأكراد على الصفة الرسمية بدلًا من الإصلاحات الديمقراطية التي تحافظ على الهوية الكردية(81) وإلى حد يمكنه أن يحيّد نفوذ الدول الإقليمية، التي لا تريد حلًا تركيا للمسألة الكردية، داخل صفوف حزب العمال الكردستاني؟(82)

أما عن التحديات المستقبلية، فتدور حول استمرارية الدولة التركية في خيار التفاوض الجدي مع الحركة الكردية، حتى في حال مغادرة حزب العدالة والتنمية حكم تركيا، واذا ما فضل الحاكم الجديد الركون الى البعد الأمني- الذي برهن عن فشله في عبر عقود من الزمن- معالجة المسألة الكردية.

أما التحدي المستقبلي للحركة الكردية فانه تتعلق بشأن مدى تأثير التطورات المستقبلية في البيئة الإقليمية بما في ذلك الوضع الكردي في سوريا وإيران في عملية التفاوض مع تركيا، آخذين بعين الاعتبار طبيعة منظومة المجتمع الكردستاني العابر للحدود، والمجموعات التابعة لها في سوريا والعراق وإيران، والولاء لعبدالله أوجلان، والأصول المختلطة للمقاتلين المسلحين من مختلف الجماعات المسلحة الكردية، واستعدادهم للقتال عبر الحدود. وبالتالي، قد تكون هناك مخاوف بشأن الكيفية التي سيتم بها تناول هذا البعد العابر للحدود أو تأثيره على المدى المتوسط أو الطويل على تركيا والبيئة الإقليمية. ( 83)

موقف الداخل( المعارضة التركية) والخارج من مفاوضات إيمريلي

لم تتخذ المعارضة التركية من محادثات إيمريلي ذات الموقف الذي اتخذته من مبادرة الحكومة التركية عام 2009، إذ تباين موقفها بشأنها، فقد منح حزب الشعب الجمهوري، أكبر قوى المعارضة في تركيا، دعمه المشروط للمحادثات الجارية بين الحكومة التركية وعبد الله أوجلان بهدف إيجاد حل للقضية الكردية. وأكد الحزب على مواصلة  دعم الحكومة بشرط أن تكون خطوات الحكومة مخلصة وشفافة، أمام الرأي العام التركي والأحزاب السياسية، دون إخفاء أي معلومة عن الشعب التركي(84). وهنا نتساءل عن هذا الموقف المؤيد للحكومة، فهل مرده نابعًا من موقف استراتيجي للحزب، آخذًا بعين الاعتبار ما يحدث في البيئة الإقليمية ولاسيما العربية، لإيجاد حل للمسألة الكردية في إطار الدولة التركية، أم أنه مرحلي، بمعنى أنه يدرك في نهاية المطاف ستفشل تلك المحادثات بسبب التيارات المتشددة داخل كل من الدولة التركية والحركة الكردية في رؤيتهما لحلها، وعليه يحاول أن يظهر أمام الرأي العام التركي والكردي بأنه كان داعمًا للحل.

أما الحركة القومية فقد رفضت محادثات إيمريلي، انطلاقًا من قناعتها بأن أي اعتراف بالمسألة الكردية يعد خيانة للقومية التركية ويفتح الباب أمام تقسيم تركيا، وعليه بدأت الأوساط الحركة القومية تشن حملة غير مسبوقة ضد رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان وتدعو إلى محاكمته بتهمة الخيانة والعمل على تقسيم تركيا(85).

أما على المستوى الخارجي، فقد أعلن مسعود البرزاني رئيس إقليم كردستان العراق، عن دعمه الكامل لمحادثات إيمريلي، أما الاتحاد الأوروبي الذي تحفظ على مبادرة الحكومة التركية في العام 2009م، اعتبر محادثات إيمريلي تطورًا ايجابيًا(86). وقد يفسر تأييد مسعود البرزاني لعملية للتفاوض للعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية الإيجابية التي شهدها إقليمه في ظل حكومة العدالة والتنمية، كما أن الوصول لحل للمسألة الكردية في تركيا ينعكس بشكل ايجابي ويعزز من مكاسب أكراد الإقليم في العراق وسوريا وإيران.

أما عن الاتحاد الاوروبي فمرد موقفه نابع من مصلحته في المقام الأول التي انصبت أيضَا في مصلحة حكومة العدالة والتنمية في المقام الثاني، فالاتحاد بحاجة إلى تركيا مستقرة داخليًا هذا الاستقرار الذي ينعكس بشكل إيجابي على استقرار الجوار المباشر، خاصة بعد أن أدرك الاتحاد الأوروبي أن نفوذه في البيئة العربية والإقليمية آخذة في التراجع، نتيجة لسياسته الأحادية الاتجاه نحو دول البحر المتوسط، في أعقاب مشهد التغيير العربي الذي بات يعرف إعلاميًا” بالربيع العربي”(87) أما عن مصلحة حكومة العدالة والتنمية فهذا الموقف الداعم للمحادثات يعزز من أوربة تركيا من خلال تقويض الأسس التي وضعها كمال أتاتورك للجمهورية التركية(88) الذي أعاق التحول الديمقراطي في تركيا.(89)

الخاتمة:

لكي تتجاوز تركيا الدولة والمجتمع حالة القلق الاجتماعي الذي انتابهما منذ نشوء المسألة الكردية، وتستمر حكومة العدالة والتنمية في تصاعد وتيرة تنميتها الاقتصادية، والحفاظ على تماسكها الاجتماعي، وتتمتع سياستها الخارجية على المستوى الإقليمي والعالمي بمصداقية أكثر، وتستقبل الذكرى المئوية الأولى للجمهورية التركية في العام 2023م وهي تحتل الترتيب العاشر على مستوى الاقتصاد العالمي، كما تحتل أيضًا مدينة إسطنبول الترتيب العاشر  على مستوى أفضل المدن في العالم، لا بد لها من اغتنام الفرصة التاريخية الراهنة، وتوظيف سلبيات المشهد الإقليمي الحالي بشكل إيجابي لحل المسألة الكردية بالطرق السلمية، من خلال صياغة دستور جديد للدولة التركية مقطوع الصلة مع الدساتير السابقة التي أنكرت الحقوق القومية للشعب، وإقرار دستور يعترف بتلك الحقوق وينظم العلاقة بين الدولة والأكراد كمنحهم الحكم الذاتي في إطار الدولة التركية، وبذلك ستنضم تركيا إلى تلك الدول القادرة على حل مشكلات طويلة الأمد بطرق سلمية وديمقراطية، فهي ليست بحاجة فقط إلى مبدأ “تصفير المشكلات”- على الرغم من هذا المبدأ لا يخل من الانتقادات ليس هنا مقام بحثها- مع الجوار الإقليمي وإنما أيضًا مع الداخل التركي. وإن لم يتحقق هذا الاحتمال فسيتم العودة إلى دائرة العنف، واستثماره من قبل دول الجوار له، مما سينتج عنه حالة من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي في تركيا، والذي سيؤثر حتمًا على مشروع قوتها العالمية.

الهوامش:

1-عقيل سعيد محفوض، جدليات المجتمع والدولة في تركيا: المؤسسة العسكرية والسياسة العامة، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتجية، أبو ظبي، 2008م، ص78.

2 -خليل حامد محمود عيسى، القضية الكردية في تركيا، مكتبة مدبولي، القاهرة،2002م، ص253.

3-عقيل سعيد محفوظ، مصدر سابق، ص79.

4-محمد نور الدين، تركيا الجمهورية الحائرة: مقاربات في الدين والسياسة والعلاقات الخارجية، مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق، بيروت، 1998م،71.

5-يلماز أنصار أوغلو، مسألة تركيا الكردية وعملية السلام، رؤية تركية، ستا للدراسات والأبحاث، العدد3، خريف2013م، ص8.

6-ينظر: محمد ياس خضير الغريري، الدور الأمريكي في سياسة تركيا حيال الاتحاد الأوروبي(1993م-2010م)، سلسلة أطروحات الدكتوراه(92)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، تشرين الأول/نوفمبر2010م، ص9، تهاني شوقي عبدالرحمن، نشأة دولة تركيا الحديثة1918م-1938م، دار العالم العربي، القاهرة، كانون الثاني/ يناير2011م، 156. حميد بوزرسلان، تاريخ تركيا المعاصرة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء- المغرب، الطبعة الثانية 2010م، ص38، حامد محمود عيسى، مصدر سابق، ص111.

7-المصدر نفسه، ص166.

8-إحسان محمد الحسن، القلق الاجتماعي في تركيا، سلسلة الدراسات التركية رقم(7)، معهد الدراسات الاسيوية والافريقية، الجامعة المستنصرية، بغداد، 1984م، ص4.

9-حامد محمود عيسى، مصدر سابق، ص ص 167-177.

10-حميد بوزرسلان، مصدر سابق،43.

11-جوهانا نيكانين، الهوية والسرد والأطر: تقييم المبادرات الكردية في تركيا، رؤية تركية، ستا للدراسات والأبحاث، العدد3، خريف2013م، ص 29.

12-محمد نور الدين، الأقليات في تركيا في ظل حزب العدالة والتنمية، في: تركي الدخيل، الأقليات الدينية والإثنية، مركز المسبار للدراسات والبحوث، شباط/ فبراير2013م، ص270.

13-حميد بوزرسلان، مصدر سابق، ص55.

14-محمد نور الدين، الأقليات في تركيا، مصدر سابق، ص271.

15-محمد ثلجي، أزمة الهوية في تركيا: طرق جديدة للمعالجة، في: محمد عبدالعاطي: تركيا بين تحديات الداخل ورهانات الخارج، مركز الجزيرة للدراسات، الدار العربية للعلوم ناشرون، مكتبة مدبولي،2010م، ص 97.

16-حميد بوزرسلان، مصدر سابق، ص58.

17-تركيا وأكرادها: فرصة سانحة للحل التفاوضي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ينظر الرابط الآتي:

http://www.dohainstitute.org/release/cfcc62a3-a5f7-4b9c-86be-8e0f99a1a9c7

18-حميد بوزرسلان، مصدر سابق، ص58.

19-يلماز أنصار أوغلو، مصدر سابق، ص ص8-9.

20-محمد نور الدين، الأقليات في تركيا، مصدر سابق، ص273.

21-يلماز أنصار أوغلو، مصدر سابق، ص11.

22-محمد نور الدين، الأقليات في تركيا، مصدر سابق، ص273.

23-فيليب روبنسن، تركيا والشرق الأوسط، ترجمة ميخائيل نجم خوري، مكتبة مدبولي، 1993م، ص12.

24-محمد نور الدين، الأقليات في تركيا، مصدر سابق، ص273.

25-تركيا وأكرادها، مصدر سابق.

26-فرصة أردوغان: الربط بين التعديل الدستوري وحل المسألة الكردية، تقدير موقف، مركز الجزيرة للدراسات، ص3، ينظر: http://studies.aljazeera.net/positionestimate/2013/02/20132289337283483.htm

27-محمد نور الدين، الأقليات في تركيا، مصدر سابق، ص ص 273-274.

28-فرصة أردوغان، مصدر سابق،ص3.

29-هاينتس كرامر، تركيا المتغيرة تبحث عن ثوب جديد، ترجمة فاضل جتكر، مكتبة العبيكان،2001م، ص ص 96-97.

30-تشاغلار كيدير، تركيا من قيود العسكر إلى قيود بروكسل: صعود تركيا الجديدة، وجهات نظر، القاهرة، العدد70، ص 17.

31-محمد نور الدين، تركيا في الزمن المتحول: قلق الهوية وصراع الحضارات، رياض الريس للكتب والنشر، كانون الثاني/يناير 1997م، ص96.

32-فرصة أردوغان، مصدر سابق، ص3.

33-محمد نور الدين، تركيا في الزمن المتحول، مصدر سابق، ص95.

34-يلماز أنصار أوغلو، مصدر سابق، ص7.

35-تركيا واكرادها، مصدر سابق.

36-محمد نور الدين، تركيا الجمهورية الحائرة، مصدر سابق، ص ص73-74.

37-فرصة أردوغان، مصدر سابق، ص3.

38-ينظر: محمد نور الدين، تركيا في الزمن المتحول، مصدر سابق، ص97.، تركيا وأكرادها، مصدر سابق.

39-يلماز أنصار أوغلو، مصدر سابق، ص11.

40-محمد نور الدين، تركيا في الزمن المتحول، مصدر سابق، ص97.

41-ينظر: فرصة أردوغان، مصدر سابق، ص3، تركيا وأكرادها، مصدر سابق.

42-يلماز أنصار أوغلو، مصدر سابق، ص ص11-12.

43-فرصة أردوغان، مصدر سابق، ص ص3-4.

44-تشاغلار كيدير، مصدر سابق، ص ص 16-17.

45-ينظر: جراهام فولر، تركيا: النموذج،وجهات نظر، القاهرة، العدد70، تشرين الثاني/نوفمبر 2004م، ص23.، هاينتس كرامر، مصدر سابق، ص ص96-97.

46-ينظر: يلماز أنصار أوغلو، مصدر سابق، ص10.، فرصة أردوغان، مصدر سابق، ص3.

47-ينظر: تركيا وأكرادها، مصدر سابق، فرصة أردوغان، مصدر سابق، ص3.

48-جان ماركو، زمن ما بعد الإسلام السياسي في تركيا،في: تركي الدخيل،عودة العثمانيين الإسلامية التركية، مركز المسبار للدراسات والبحوث، الطبعة الثانية، كانون الثاني/ يناير، 2011م، ص19.

49-تركيا وأكرادها، مصدر سابق.

50-جوهانا نيكانين، مصدر سابق، ص29.

51-يلماز أنصار أوغلو، مصدر سابق، ص ص12-13.

52-جوهانا نيكانين، مصدر سابق، ص30.

53-جان ماركو، مصدر سابق، ص ص22-24.

54-فرصة أردوغان، مصدر سابق، ص4.

55-ينظر: جان ماركو، مصدر سابق ص ص29-30، تركيا وأكرادها، مصدر سابق.

56-إبراهيم البيومي غانم، تركيا وأوروبا.. جدلية الاستيعاب والاستبعاد، في: محمد عبدالعاطي، تركيا بين تحديات الداخل ورهانات الخارج، الدار العربية للعلوم ناشرون، مركز الجزيرة للدراسات، مكتبة مدبولي، 2010م، ص 177.

57-خورشيد دلي، المشكلة الكردية في تركيا: تجدد العنف ومخاطر التصعيد، ينظر الرابط الآتي:

http://www.wahdaislamyia.org/.issues/104/kdalli.htm

58-ينظر: يلماز أنصار أوغلو، مصدر سابق، ص14.، جوهانا نيكانين، مصدر سابق، ص30.

59-جوهانا نيكانين، ص ص 30-31.

60-المصدر نفسه، ص ص32-33.

61-المصدر نفسه، ص33.

62-يلماز أنصار أوغلو، مصدر سابق، ص14.

63-المصدر نفسه، ص15.

64-جوهانا نيكانين، مصدر سابق، ص30.

65-أنا فيلالا، محادثات السلام الجديدة في تركيا: الفرص والتحديات في حل النزاع: رؤية تركية، ستا للدراسات والأبحاث، العدد3، خريف2013م،ص 20.

66-تركيا وأكرادها، مصدر سابق.

67-أنا فيلالا، مصدر سابق، ص22.

68-تركيا وأكرادها، مصدر سابق.

69-جوهانا نيكانين، مصدر سابق، ص34.

70-تركيا وأكرادها، مصدر سابق.

71-جوهانا نيكانين، مصدر سابق، ص34.

72-يلماز أنصار أوغلو، مصدر سابق، ص ص15-16.

73-جوهانا نيكانين، مصدر سابق، ص34.

74-فرصة أردوغان، مصدر سابق،ص6.

75-تركيا وأكرادها، مصدر سابق.

76-إقرار قانون بتركيا لدفع السلام مع المتمردين الأكراد، ينظر الرابط الآتي: http://www.aljazeera.net/news/international/2014/7/10/%D8%A5%D9%82%D

77-جوهانا نيكانين، مصدر سابق، ص34.

78-فرصة أردوغان، مصدر سابق، ص8.

79-يلماز أنصار أوغلو، مصدر سابق،18.

80-فرصة أردوغان، مصدر سابق، ص8.

81-يلماز أنصار أوغلو، مصدر سابق،18.

82-فرصة أردوغان، مصدر سابق، ص8.

83-أنا فيلالا، مصدر سابق، ص28.

84-جوهانا نيكانين، مصدر سابق، ص ص35-36.

85-خورشيد دلي، القضية الكردية في تركيا من أتاتورك إلى أردوغان، مجلة الوحدة الإسلامية، العدد 133، كانون الأول/ ديسمبر2012م، ص7، ينظر الرابط الآتي:

http://www.wahdaislamyia.org/issues/136/kdali.htm

86-جوهانا نيكانين، مصدر سابق، ص 34.

87-جاكوب ودكا- سارة كوسميس، الاتحاد الأوروبي في عصر ما بعد الربيع العربي: رسم خريطة المصالح الإستراتيجية في الجوار المضطرب، رؤية تركية، ستا للدراسات والأبحاث، العدد1، ربيع 2014م، ص136.

88-المصدر نفسه، ص 149.

89-ديفيد لوفيل، تركيا في أوروبا: السجل التاريخي والتحديات والمستقبل، رؤية تركية، مركز ستا للدراسات والأبحاث، العدد2، صيف 2013م، ص55.

Print Friendly, PDF & Email