rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

الأبعاد الاستراتيجية للعلاقات الصينية-الباكستانية

تحالفت الصين مع باكستان تحقيقًا للتوازن مع الهند في منطقة جنوب آسيا، وحافظت على هذه السياسة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، رغم محاولة الصين والهند تحسين علاقاتهما وتعزيز مستوى الثقة. بالمقابل، رغم العلاقات التنافسية بين الصين والهند، فإن الصين تعتبر الهند السوق الخارجية للتوسع مستقبلًا.

رغم العلاقة المتطورة بين الصين وباكستان، إلا أنها لا تخلو من بعض الإشكالات (الأوروبية)

ملخص من بين كل الدول المجاورة للصين تعتبر علاقتها مع باكستان الأكثر ودية؛ حيث تطورت مع انطلاقة مقترح شين جين بينغ، “الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان”، من مستوى جديد من العلاقات السياسية والعسكرية رفيعة المستوى، إلى مجموعة كاملة من الاتصالات والعلاقات الشاملة. غير أن للصين بعض المخاوف بشأن باكستان، وخاصة المشاكل المرتبطة بالإرهاب الإسلامي، فضلًا عن الهوية الإسلامية الصاعدة لأقلية اليوغور في إقليم شينجيانغ. ولكن مع ذلك، فإن لكلٍّ من الولايات المتحدة والصين مصلحة مشتركة في السماح للصين بأداء دور أكبر في إعادة إعمار أفغانستان وتقييد التحركات الانتهازية لباكستان. وهذا التغيير السياسي يلقى ترحيبًا في الغالب من قبل اللاعبين الإقليميين الآخرين، بما في ذلك روسيا وإيران والمملكة العربية السعودية، ودول الخليج الأخرى.

مقدمة

من بين كل الدول المجاورة للصين تعتبر العلاقة مع باكستان هي الأكثر قربًا ودفئًا(1)؛ فقد أقامت الدولتان علاقات دبلوماسية عام 1951، وبهذا كانت باكستان الأولى من بين الدول الإسلامية وكذلك الثانية في جنوب آسيا بعد الهند، التي تقيم علاقات دبلوماسية مع بكين، وظلت الدولتان حليفتين قويتين منذ ذلك الحين. وتتجلى قوة هذه العلاقة من خلال التفاعل الإيجابي بينهما على مرِّ السنين؛ فعلى سبيل المثال، في الحروب الهنديةحالباكستانية عام 1965-1971، وقفت الصين إلى جانب باكستان ضد الهند، ودعمت التحالف بين باكستان والولايات المتحدة الأميركية ضد الغزو السوفيتي لأفغانستان عام 1979، وقدمت أيضًا المساعدة لباكستان لتصبح قوة نووية عام 1998، واستخدمت حقَّ النقض في مجلس الأمن الدولي لأول مرة عام 1972 لمنع قبول بنغلاديش في الأمم المتحدة. وفي المقابل، لعبت باكستان دورًا حاسمًا في الزيارة التي أذابت الجليد بين الصين والولايات المتحدة لمستشار الأمن القومي، هنري كيسنجر، إلى الصين عام 1971، وكانت باكستان واحدة من دولتين فقط من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (بجانب كوبا) التي دعمت الصين بعد حادثة ميدان تيانانمين عام 1989(2). وأضف إلى ذلك أن الدولتين تتمتعان بعلاقات تعاون وثيق في مجالات مثل التجارة، والحدود، والمجال العسكري؛ ما يعني حُكمًا أن باكستان لديها الأفضلية بين العديد من حلفاء الصين الدبلوماسيين(3).

 كيف يمكن فهم العلاقة الخاصة بين الصين وباكستان؟ ولماذا يتمتع البلدان بهذه العلاقات الدبلوماسية المستقرة التي تشمل مجموعة واسعة من المجالات على مدى السنوات الـ65 الماضية؟ إذا كان بوسعنا الإجابة بدقة عن هذين السؤالين، سنفهم بشكل كامل الأهمية الاستراتيجية لباكستان في المنطقة والعالم على حدٍّ سواء.

الصين كواحدة من القوى الكبرى في العالم، تُعتبر فيها التنمية في شتى المجالات موضع اهتمام دولي متزايد في السنوات الأخيرة؛ إذ إنها “قوة صاعدة” قد تهدد الولايات المتحدة في المستقبل(4). لذلك، يجب أن تُفهم العلاقة الاستراتيجية بين الصين وباكستان من منظور استراتيجي دولي، وتحديدًا في العلاقات الجغرافية السياسية المتشابكة بين الصين والولايات المتحدة والهند وروسيا. بالإضافة إلى ذلك ، فإن من العوامل الحاسمة في العلاقات الباكستانية-الصينية الصراع بين الحضارتين الغربية والإسلامية في سياق تطورات الشرق الأوسط في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، وخاصة انتشار الإرهاب عالميًّا.

السياق الإقليمي واللاعبون

لعبت الصين والهند بعد الحرب العالمية الثانية، وفي سياق الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، دورًا بارزًا في شرق وجنوب آسيا. وعلى الرغم من أن الصين ليست عضوًا في “حركة عدم الانحياز”(5)، بينما الهند واحدة من الدول المؤسِّسة (بجانب مصر ويوغوسلافيا)، اتخذت كل من الصين والهند مواقف سياسية خارجية مستقلة، خارج الكتلتين السوفيتية والأميركية. ونتيجة لذلك، أثَّرت العلاقات الثنائية بين الصين والهند، فضلًا عن علاقاتهما الدبلوماسية مع الكتلتين السوفيتية والأميركية على العلاقات الاستراتيجية بين الصين وباكستان. بعبارات بسيطة، على الرغم من أن الهند انتهجت سياسة عدم الانحياز خلال الحرب الباردة، إلا أن علاقاتها العسكرية والدبلوماسية وثيقة مع الاتحاد السوفيتي(6). وشهدت العلاقة بين الصين والهند توترًا نتيجة النزاعات الإقليمية على المدى الطويل، وعلى امتداد الحدود المشتركة بين البلدين، وفي الوقت نفسه كانت العلاقات الودية بين الهند والاتحاد السوفيتي شوكة في خاصرة الصينيين الذين بدأت علاقاتهم الخاصة مع الاتحاد السوفيتي تتدهور منذ الستينات فصاعدًا(7). لذلك سعت الصين في منطقة جنوب آسيا إلى التحالف مع باكستان تحقيقًا للتوازن مع الهند، وحافظت على هذه السياسة حتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وذلك على الرغم من محاولة الصين والهند تحسين علاقاتهما وتعزيز مستوى الثقة المتبادلة بينهما.

وكانت العلاقة بين الاتحاد السوفيتي والهند، خلال الحرب الباردة ودية، وكذلك في أعقاب الغزو السوفيتي عام 1979 لأفغانستان، في حين اتبعت كل من الولايات المتحدة والصين -بعد تطبيع العلاقات بينهما- سياسات ثابتة تجاه باكستان؛ حيث قدمتا لها دعمًا سياسيًّا وعسكريًّا على أمل احتواء النفوذ السوفيتي في وسط وجنوب آسيا(8). وفي أثناء ذلك، مع صعود حركة طالبان إلى السُّلطة في أفغانستان عام 1996، وهجمات 11 سبتمبر/أيلول، حدث تغيير هيكلي في الوضع الاستراتيجي. وكان التأثير الرئيسي على ذلك أن سياسة الولايات المتحدة في آسيا الوسطى وجنوب آسيا تغيرت من دورها السابق الداعم إلى دور مهيمِن على النظام الإقليمي من أجل تنفيذ سياسة مكافحة الإرهاب العالمية في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر/أيلول(9). وقد شهدت السنوات الأخيرة تغييرًا جذريًّا في توجهات روسيا والهند من العداء سابقًا تجاه الولايات المتحدة والصين، إلى ما يشبه الشراكة مع الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب. وكان دور الصين أكثر قوة، ولاسيما بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008؛ حيث تنامت قوتها بشكل كبير وتمدَّد نفوذها السياسي والعسكري، والاقتصادي وحتى الثقافي؛ ما أدَّى بالتالي إلى تغيير علاقات القوة الإقليمية في وسط وجنوب آسيا(10).

ويمكن فهم هذه التغيرات من خلال الأبعاد الثلاثة التالية:

أولًا: رغم أن العلاقات بين الصين والهند لا تزال تتسم بالتنافس في سياق لعبة القوى العظمى، فإن الصين تعتبر الهند السوق الخارجية للتوسع المحتمل مستقبلًا، وبالتالي عادت العلاقات بين الصين والهند إلى طبيعتها بسرعة(11).

ثانيًا: لم تقوِّض التغييرات المذكورة أعلاه أهمية باكستان بالنسبة للصين، لأن لباكستان دورًا مهمًّا في ضمان نظام إقليمي مستقر في وسط وجنوب آسيا ومنع انتشار “الإرهاب” إلى الصين(12).

ثالثًا: وهو الأهم، بعد صعود شي جين بينغ إلى السلطة، اقترحت الصين الاستراتيجية الكبرى المعروفة باسم “حزام واحد وطريق واحد” ولم تُقدِم الهند على دعمها، في حين أعلنت الصين عن خطط لاستثمار 46 مليار دولار في باكستان، بالتركيز على المشاريع الأساسية في بناء السكك الحديدية، وبناء الطرق السريعة، والطاقة، والبنية التحتية بهدف الإسراع في تحديث الصناعة في باكستان، وربط إقليم شينجيانغ الصيني بميناء جوادر في باكستان. وبهذا سيستمر “الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني” في توسيع النفوذ السياسي والاقتصادي للصين في وسط وجنوب آسيا(13).

واقع العلاقات الصينية-الباكستانية الحالية

رغم أن العلاقات بين الصين وباكستان كانت دائمًا ودية؛ فقد انحصر التعاون بين البلدين سابقًا في غالبه في المستوى السياسي والعسكري، ولم تمتد العلاقات إلى التبادل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي الشامل كما هي عليه اليوم. فهذه المرحلة الجديدة من العلاقات بدأت في مايو/أيار 2013 مع زيارة رئيس مجلس الدولة الصيني، لي كه تشيانغ، إلى باكستان، والتي اقترح فيها رسميًّا فكرة “الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني”. ثم تبادل بعد ذلك القادة والمسؤولون من كلا البلدين، الزيارات بما في ذلك زيارة الرئيس الباكستاني، ممنون حسين، إلى الصين، في فبراير/شباط 2014، وزيارة رئيس الوزراء الباكستاني، نواز شريف، لاحقًا، في إبريل/نيسان 2014، والتي شملت مشاورات مكثفة بشأن المقترح. وأخيرًا، تم رسميًّا خلال زيارة الرئيس الصيني، شي جين بينغ، إلى باكستان، في إبريل/نيسان 2015، وضع اللمسات الأخيرة للمقترح، بما في ذلك توقيع 51 مذكرة تفاهم بين البلدين، وافتتاح ثمانية مشاريع، وإطلاق خمسة مشاريع مشتركة في مجال الطاقة(14). وبصرف النظر عن مشاريع البنية التحتية والطاقة، فقد شملت هذه المرحلة الجديدة من العلاقات بين البلدين أيضًا المجالات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية، وحتى التعاون الثقافي. فعلى سبيل المثال، نظَّم البلدان تبادلات ثنائية في مجال الإذاعة والتليفزيون، وافتتح البنك الصناعي والتجاري الصيني فرعًا له في لاهور، ثاني أكبر المدن الباكستانية، بينما أقامت وزارتا العلوم والتكنولوجيا في البلدين معًا مشروعًا مشتركًا لمختبر التكنولوجيا الحيوية للقطن. وقامت كل من جامعة باكستان للغات الحديثة وجامعة شينجيانغ بتأسيس مركز دولي للتعليم (NUML International Center of Education)، وتم كذلك تأسيس مركز للثقافة الصينية في باكستان(15). وإذا قُدِّر لهذه المبادرات النجاح، فإن العلاقات بين البلدين ستصبح متشابكة بشكل وثيق في جميع المستويات، السياسية والعسكرية رفيعة المستوى، وتمتد إلى مجموعة متكاملة من التواصل والترابط في كل مستوى من مستويات المجتمع.

ماذا سيكون التأثير النهائي للممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني البالغ تكلفته 46 مليار دولار؟

وفقًا لما صرَّح به السفير الصيني لدى باكستان، صن وي دونغ، في مقابلة، في 24 يونيو/حزيران 2016، مع وكالة أنباء (شينخوا)(16)؛ فإن الإنجازات الحالية لمشاريع التعاون بين الصين وباكستان تركِّز على أربعة مجالات، هي: مشاريع الطاقة والبنية التحتية، والنقل، وميناء جوادر، والتعاون الصناعي. وتشمل مشاريع الطاقة الكبرى بناء محطة للطاقة الشمسية بسعة 300 ميغاوات بواسطة الشركة الصينية زونيرجي؛ حيث بدأ العمل بالفعل على أكثر من نصف الستة عشر مشروعًا المتبقية من مشاريع الطاقة المخطط لها.

ومن حيث البنية التحتية للنقل، تجري إعادة بناء وتطوير أعمال الطريق السريع كراكورام (KKH) داخل باكستان، كما بدأ في شهر مارس/آذار بناء الطريق السريع بين كراتشي ولاهور. وفيما يخص تطوير ميناء جوادر، فقد سلَّمت باكستان، في 11 يناير/كانون الثاني 2015، أكثر من 280 هكتارًا من حقوق استخدام الأراضي لشركة صينية لمدة ثلاثة وأربعين عامًا، وبدأ بالفعل بناء مرافق جديدة.

وأخيرًا، فإن المشاريع الصينية في باكستان المقامة بموجب مبادرة الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني توظِّف بالفعل أكثر من 6000 من العمال الباكستانيين؛ ما يدل على أن العلاقة الوثيقة بين الصين وباكستان انتقلت فعلًا من إعلان السياسة إلى مرحلة تنفيذ المشروع؛ حيث إن حجم الأموال المصروفة وعمق التبادل، وعدد المشاركين شيء لم يسبق له مثيل في علاقات البلدين.

مشاكل الأقلية المسلمة في الصين

لا تخلو العلاقة بين الصين وباكستان من بعض الإشكالات: أولًا: انتابت الحكومة الصينية شكوك بأن من تصفهم بـ “الإرهابيين” الأويغور، كانوا ينطلقون من باكستان ويقومون بإدارة معسكرات تدريب لهم في البلاد، وأن هؤلاء كانت لهم علاقة مباشرة بحوادث “العنف” التي وقعت في شينجيانغ (تركستان الشرقية)(17). ثانيًا: انتشرت الأصولية في السنوات الأخيرة بسرعة في شينجيانغ؛ حيث وقع عدد كبير من الهجمات. ونتيجة لذلك، فإن الحكومة الصينية مهتمة للغاية باستعداد باكستان، وقدرتها، وعزمها على مكافحة ما تصفه بـ”الإرهاب الإسلامي”(18).

والصين قلقة أيضًا إزاء استمرار فشل الولايات المتحدة في إعادة بناء نظام سياسي ناجح في أفغانستان، وخاصة الدور الغامض الذي لعبته باكستان في البلاد؛ إذ إنها تدعم ظاهريًّا النظام السياسي الذي شيده التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، ولكنها أيضًا تدعم خلسة حركة طالبان الأفغانية والقاعدة. لذلك، أعربت الصين مؤخرًا عن رغبتها في المشاركة في محادثات السلام بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان، وهذا يعني أنه نظرًا لتأثيرها القوي على باكستان، قد تكون أفضل تأهيلًا من الولايات المتحدة للعب دور الوسيط في تحقيق السلام في أفغانستان(19).

كيف تنظر الصين إلى باكستان في السياق الدولي؟

لفهم رؤية الصين تجاه باكستان من وجهة نظر السياسة الدولية، يجب الأخذ بعين الاعتبار العلاقات المتشابكة بين باكستان والولايات المتحدة والصين نفسها، والعالم العربي. وفي أعقاب التدخل العسكري في أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003، تعرضت الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة لإعادة تأسيس نظام إقليمي في الشرق الأوسط لنكسة كبيرة. فالكلفة المالية والمادية، والإنسانية أدت إلى التآكل التدريجي للدعم المحلي للتدخل العسكري في المنطقة، وبعد صعود تنظيم الدولة الإسلامية عام 2014، كانت هناك موجة قوية من الرأي العام الداعم لدعوة انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط(20)، وتأتي هذه الدعوة مع تعرض جهود الولايات المتحدة لحفظ السلام في أفغانستان والدعم العسكري والسياسي لباكستان لتدقيق متزايد. لهذا السبب، فقد لعبت الولايات المتحدة دور الوسيط لإشراك الصينيين في أفغانستان، ورحبت عمومًا بتحسين الدور الصيني. ويعكس هذا الاتجاه القلق الأميركي، بسبب أنه إذا لم يتم الحفاظ على جهود إعادة بناء النظام في أفغانستان، فسوف يكون هنالك فراغ في السلطة في أفغانستان، قد يتسبَّب في استيلاء طالبان، أو تنظيم الدولة الإسلامية أو حتى المتشددين المؤيدين لباكستان على السلطة السياسية. لذلك، إذا كان بوسع الصين المشاركة بشكل فعَّال في تحمل العبء مع الولايات المتحدة وممارسة ضغط على باكستان، فقد يكون ذلك كافيًا لتحقيق استقرار الوضع السياسي الحالي في أفغانستان(21).

إن الصين والولايات المتحدة على علم بأن باكستان تأمل في أن يكون لها تأثير على النظام في أفغانستان على المدى الطويل، وتدركان أيضًا أن باكستان تسعى إلى استخدام نفوذها على طالبان والقاعدة وعلى متشددين إسلاميين آخرين لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية واقتصادية من الغرب. غير أن لكل من الصين والولايات المتحدة توقعات مختلفة تمامًا. ولهذا السبب الأخير، فإن الانسحاب من أفغانستان دون تهديد بالابتزاز الباكستاني، مع الحفاظ على الاستقرار في آسيا الوسطى واحتواء انتشار “التشدد الإسلامي” هو نتيجة مثالية .(22)ومن وجهة النظر الصينية، تعتبر كل من أفغانستان وباكستان بمثابة مركز جغرافي بين وسط وجنوب آسيا؛ مما يمثِّل موقعًا استراتيجيًّا لتطوير “حزام واحد طريق واحد”، فضلًا عن أنه الطريق إلى المحيط الهندي وبحر العرب بعيدًا عن الهند. والأهم من ذلك، بوسع الحكومة الصينية استخدام نفوذها لدى باكستان وأفغانستان لاحتواء انتشار ما تراه “تشددًا إسلاميًّا” في شينجيانغ(23). وهذا يوضح أن للصين والولايات المتحدة مصلحة في السماح للصين بالمشاركة في إعادة إعمار أفغانستان وتقييد مناورات باكستان.

تؤثِّر الحسابات الصينية والأميركية أيضًا على تفكير الدول المجاورة؛ فالصين مثلًا تتخذ دائمًا موقفًا داعمًا لإيران. وفي الواقع، بعد أن خضعت إيران لعقوبات دولية عام 2006 بسبب برنامجها النووي، كانت الصين الحليف الرئيسي لإيران في كسر العقوبات(24). وبالتالي، فإن إيران لا تنظر إلى النفوذ  الصيني في باكستان وأفغانستان بعين الريبة تمامًا.

وبالنسبة للدول العربية، وبخاصة دول الخليج بقيادة المملكة العربية السعودية، فإنها تنظر إلى باكستان كحليف سياسي مقرَّب، ولاسيما لدورها في النضال المشترك ضد التحالف بين الاتحاد السوفيتي والهند خلال الحرب الباردة. ونتيجة لذلك، عرضت دول الخليج على باكستان دعمًا سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا على المدى الطويل، غير أن هنالك شعورًا بأن باكستان لم تردَّ هذا الفضل(25). ويعكس هذا الشعور بعض التغييرات الطفيفة التي طرأت في السنوات الأخيرة على العلاقات بين باكستان والمملكة العربية السعودية؛ حيث تلكَّأت باكستان في تقديم دعم في العديد من القضايا الدولية لصالح الدول العربية. فعلى سبيل المثال، بعد اندلاع الحرب اليمنية في مارس/آذار 2015، رفضت باكستان الدعوة للانضمام إلى قوات التحالف التي تقودها السعودية للتدخل في الصراع. كما سعت السعودية أيضًا لتشكيل تحالف مع باكستان ضد إيران، غير أن هذا الطلب لم يجد استجابة إيجابية من باكستان. وفي سوريا، اتخذت باكستان موقفًا مغايرًا للدول العربية؛ إذ دعت إلى حل سياسي تفاوضي للحرب هناك خلافًا لموقف الدول العربية الداعم للمعارضة السورية(26).

وهذا ما يفسِّر أيضًا الجهود السابقة من الدول العربية لتعزيز التعاون مع الهند(27)، على أمل أن يكون ذلك تذكيرًا لباكستان التي لا ينبغي أن تعتبر الدعم العربي لها أمرًا مسلَّمًا به. وإذا اختارت باكستان الابتعاد عن الدول العربية، فإن هذه الأخيرة يمكن أن ترد من خلال سحب دعمها لباكستان وتحويله إلى عدوها القديم، الهند.

آفاق المستقبل

الصين منخرطة حاليًّا في تعاون ثنائي وثيق لم يسبق له مثيل مع باكستان في مختلف المجالات؛ فقد أبدت الصين من المنظور السياسي الداخلي أو الإقليمي، أو الدولي، استعدادها لمواصلة تعزيز العلاقات مع باكستان. وبخلاف الهند، تتخذ القوى الإقليمية مثل الولايات المتحدة والدول العربية وإيران، موقفًا إيجابيًّا إزاء تولي الصين مسؤولية الحفاظ على النظام الإقليمي في أفغانستان وباكستان. وبالتالي، فإن العلاقات الصينية-الباكستانية في المستقبل المنظور، فضلًا عن توسع النفوذ الصيني في آسيا الوسطى والجنوبية ستتطور أكثر مع اتباع الصين مبادرة “حزام واحد وطريق واحد”، لتحل تدريجيًّا محل الولايات المتحدة المهيمنة على الوضع الراهن.

وقد قام شي جين بينغ، بعد صعوده إلى السلطة، بتعديلات رئيسية لاستراتيجية الصين الدولية. ولم تعد الصين مستعدة للعب دور سلبي وعلى مستوى منخفض، بل سعت لتبوُّء موقع قوة عظمى بما يتناسب مع قوتها الذاتية التي يمكن أن تؤثِّر على النظام الدولي. ومع الوضع الحالي في أفغانستان وباكستان، بوسع الصين تحمل مسؤولية ملء فراغ السلطة بطريقة مقبولة لجميع الأطراف المعنية.

________________________________

د. رايموند لي – أستاذ مشارك في قسم العلوم السياسية في جامعة تايوان الوطنية، تايبيه، تايوان. حصل د. رايموند لي على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة ميشيغان في عام 2004. وهو متخصص في المواقف السياسية والدراسات المسحية في شرق آسيا.

مراجع

1.             Shen Yahsin (2015), “China-Pakistan Relations in Xin Jinping’s Eye”, People’s Daily Online, 2015-04-17. http://politics.people.com.cn/n/2015/0417/c1024-26862088.html [retrieved July 23, 2016]

2.             يمكن الاطلاع على كل الحقائق التاريخية المذكورة في كتاب تشي هسين تشانغ (2015), “An Observation of Xin Jinping’s Visit in Pakistan”, Liberty Time Net, 2015-05-10. http://talk.ltn.com.tw/article/breakingnews/1311022[retrieved July 23, 2016]

3.             Zhan Hao (2015), “Why Is the China-Pakistan Relation Unique in the World?” Beyondnewsnet, 2015-04-22. http://beyondnewsnet.com/20150422/16557/ [retrieved July 23, 2016]

4.             Zheng Bijian (2005), “China’s “Peaceful Rise” to Great-Power Status”, Foreign Affairs 84(5):18-24

5.             “حركة عدم الانحياز: معلومات أساسية”، وحكومة جمهورية جنوب إفريقيا، 21 سبتمبر/أيلول 2001.

http://www.nam.gov.za/background/background.htm [retrieved July 23, 2016]

6.             Dai Chaowu (2009), “India’s Foreign Policy and Great Power Relations During the Cold War”, NETEASE, 2009-06-26. http://history.news.163.com/09/0626/16/5COF89NQ00013FLN.html [retrieved July 23, 2016]

7.             Hu Zhiyong (2008), “The Relationship between India and Soviet Union and Its Influence in the Cold War Period”, Historical Review, 2008 (01): 168-189. (باللغة الصينية)

8.             Kuo Chung-lun (2014), “The Afghanistan Problem: The Feud Between US and China”, United Daily Net, 2014-12-17. http://udn.com/news/story/6816/533534-%E9%98%BF%E5%AF%8C%E6%B1%97%E5%95%8F%E9%A1%8C-%E4%B8%AD%E7%BE%8E%E6%83%85%E4%BB%87%E9%9B%A3%E8%A7%A3 [retrieved July 23, 2016]

9.             Eugene Rumer, Richard Sokolsky, and Paul Stronski (2016), “U.S. Policy Toward Central Asia 3.0”, Paper, Carnegie Endowment for International Peace, 2016-01-25. http://carnegieendowment.org/2016/01/25/u.s.-policy-toward-central-asia-3.0-pub-62556 [retrieved July 23, 2016]

10.           Wang Chung-Ping (2014), Harmonious World and the Balance of Power in Asia-Pacific Region (Tapei: Zhizhi Academic Press), pp. 346-353

11.           Lan Qianxue (2013), “New Thinking of China-India Relation and Re-balance”, International Studies 2013(3): 102-103

12.           Shi Yang and Ren Yuyang (2013), “The Heating-Up US-India Relation: China Factor,” China Secret Files 2013(11): 83-92

13.           “Xi Jinping’s Visit in Pakistan: Not Just to Balance India, but to Construct ‘China-Pakistan Economic Corridor’ for One Belt One Road”, TheNewsLens, 2016-05-15. http://www.thenewslens.com/article/16604 [retrieved July 23, 2016]

14.           Su Ping and Kao Yi (2015), “Intensive Talks between Chinese and Pakistani Business Communities,” BBC China, 2015-04-19. http://www.bbc.com/zhongwen/trad/world/2015/04/150419_china_pakistan_deals [retrieved July 23, 2016]

15.           Irfan Haider (2015), “Details of Agreements Signed During Xi’s Visit to Pakistan”, Dawn, 2015-04-20. http://www.dawn.com/news/1177129/details-of-agreements-signed-during-xis-visit-to-pakistan [retrieved July 23, 2016]

16.           Sun Weidong (2016), “Interview: The Progress of the China-Pakistan Economic Corridor Goes Well,” Xinhua News, 2016-06-24. http://news.xinhuanet.com/world/2016-06/24/c_1119108622.htm [retrieved July 23, 2016]

17.           “Pakistan Tells China that All Uyghur Terrorists were Annihilated,” Voice of America, 2015-09-02. http://www.voachinese.com/a/voa-news-pakistan-tells-china-20150902/2942296.html [retrieved July 23, 2016]

18.           “الولايات المتحدة أخبار وسائل الإعلام: مشكلة طريق الحرير الجديد: يحتاج إلى حل التهديد من الإرهاب” (2014)، Takungpao.com، 2014/05/05 http://finance.takungpao.com.hk/hgjj/q/2014/0505/2457376.html   [استرجاع 23 يوليو/تموز 2016]

19.           هوانغ Anwei (2016)، “الصين تحث أفغانستان على سير محادثات السلام مع طالبان”، نيويورك تايمز الصين، 28 يناير/كانون الثاني 2016.  http://cn.nytimes.com/china/20160128/c28chinaafghan/zh-hant/   [استرجاع 23 يوليو/تموز 2016]

20.           Yaroslav Trofimov (2015), “America’s Fading Footprint in the Middle East,” The Wall Street Journal, 2015-10-09. http://www.wsj.com/articles/americas-fading-footprint-in-the-middle-east-1444411954 [retrieved July 23, 2016]

21.           Dan Feldman (2015), “Successes and Challenges in Afghanistan and Pakistan,” Remarks, Special Representative for Afghanistan and Pakistan United States Institute of Peace, 2015-08-05. http://www.state.gov/p/sca/rls/rmks/2015/245767.htm [retrieved July 23, 2016]

22.           Mark Thompson (2011), “The Vexing U.S.-Pakistani Relationship Heads South, Post-bin Laden,” Times, 2011-05-10. http://nation.time.com/2011/05/10/the-vexing-u-s-pakistani-relationship-heads-south-post-bin-laden/ [retrieved July 23, 2016]

23.           Andi Zhou (2016), “Can China’s ‘One Belt, One Road’ Save the US in Afghanistan?” The Diplomat, 2016-03-11. http://thediplomat.com/2016/03/can-chinas-one-belt-one-road-save-the-us-in-afghanistan/  [retrieved July 23, 2016]

24.           John Garver (2016), “China and Iran: An Emerging Partnership Post-Sanctions,” Middle East Institue, 2016-02-08. http://www.mei.edu/content/china-and-iran-emerging-partnership-post-sanctions [retrieved July 23, 2016]

25.           Akhilesh Pillalamarri (2015), “Why Saudi Arabia Needs Pakistan,” The Diplomat, 2015-03-12. http://thediplomat.com/2015/03/why-saudi-arabia-needs-pakistan/ [retrieved July 23, 2016]

26.           “Pakistan Calls for Political Solution to Syria Crisis” (2013), Xinhua News Agency, 2013-09-27. http://news.xinhuanet.com/english/world/2013-09/28/c_125462504.htm [retrieved July 23, 2016]

27.           “India, Arab World Call for New Strategy to Combat Terror” (2016), The Tribute, 2016-01-24. http://www.tribuneindia.com/news/nation/india-

arab-world-call-for-new-strategy-to-combat-terror/187508.html [retrieved July 23, 2016]

رايموند لي

مركز الجزيرة للدراسات

Print Friendly