واقع الحال ومآلات النصر

واقع الحال ومآلات النصر

ترامب والحرب على إيران

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فجر هذا اليوم 8 نيسان 2026 موافقته على على وقف المواجهة العسكرية والهجمات الجوية والصاروخية على إيران لمدة أسبوعين، على أن يكون وقف إطلاق النار مشروط بموافقة إيران على الفتح الكامل والفوري والآمن لمضيق هرمز.
وكان لهذا الاعلان وقعه الميداني داخل المؤسسة السياسية والعسكرية الإيرانية التي بادرت بإصدار بيان من المجلس الاعلى للأمن القومي، أعلنت فيه النصر الكبير على الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وعدم تمكنهما من تحقيق أهدافهما في إسقاط ( الجمهورية الإيرانية الإسلامية) وعدم الخضوع لشروطهما والحفاظ على منجزات و
شعبنا والحاق هزيمة ساحقة باعداءنا والاعتراف بقوة بلدنا وسيادته ومقاومة رجاله الشجعان والتفوق الكبير في الميدان، وتمكنا من تقديم خطة من عشر نقاط إلى الجانب الأمريكي عبر الوسيط الباكستاني، ومنها ما يمثل المرور المنظم عبر مضيق هرمز بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية، والذي سيمنح إيران موقعًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا.
أن إيران ومنظموماتها الحاكمة من قيادات الحرس الثوري الإيراني، تعمل على مخاطبة شعوبها والايحاء إليهم بأنها تمكنت من تحقيق (انتصارًا تاريخيًّا) وفق شروطها، وتناست ما الحقت ببلادها من خسائر كبيرة في جميع الأصعدة وعلى كافة مسارات الحياة، من استهداف لقيادتها العسكرية وكبار مسؤوليتها وعلمائها، وفي مقدمتهم المرشد الأعلى علي خامنئي، ولكن هذه هي سياسة الأنظمة الشمولية التي ترى في بقائها رغم ركام وحطام البلاد والخسائر البشرية والمادية نصرًا لها، وتناست أن هناك مفاوضات قادمة سيناقش فيها ما على إيران أن تقدمه وفق الشروط الأمريكية التي قدمتها إدارة الرئيس ترامب والتي تشمل تفكيك البرنامج النووي وعدم السعي لامتلاك أسلحة نووية ووقف تخصيب اليورانيوم وتسليم مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪ والبالغ (450) كغم إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومنحها صلاحيات كاملة في عمليات المتابعة والمراقبة وتفكيك المنشآت النووية في نطنز وفورد وأصفهان وتقييد برنامج الصواريخ والتخلي عن دعم وكلائها من الفصائل والمليشيات المسلحة في الإقليم ووقف تمويلهم وتسليحهم وضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحاً.
أن ما سيجري بعد اسبوعين في إمكانية التوصل إليه من نتائج من جولات المفاوضات، هي في واقع الحال تنازل إيراني واضح من خلال السماح بمرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز والعودة إلى التعامل الجدي مع دول العالم بعيدًا عن عمليات الابتزاز وارتهان المضيق لغايات سياسية وعسكرية، إضافة إلى خسائرها السياسية في توجيه ضرباتها إلى عواصم دول مجلس التعاون الخليجي العربي والأردن، كما أنها ضحت بكثير من علاقتها الدولية والإقليمية بسبب الحاقها الاذى بتلنصالخ والمنافع الاقتصادية لبلدان العالم.
وحتى بداية المفاوضات في 10 نيسان 2026 ،لن يتضح مدى اطلاع معظم المسؤولين الإيرانيين بشكل تام على ما تم الاتفاق عليه من خطة التفاوض التي وضعها الوسيط الباكستاني، وما إذا ستقبلها التيارات السياسية من المحافظين أو بعض من قيادات الحرس الثوري كأساس للحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية.
أن أقصى ما يمكن أن يقدمه الرئيس ترامب هو وقف إطلاق النار في حالة تقدم المفاوضات، وانتظار ما سيسفر عنه الموقف الإيراني من تجاوب في قبول الشروط الأمريكية، لأن إيران ليست لديها إمكانية تقديم أي نقاط تفرضها لأنها تدرك حجم الخسائر التي لحقت بها وليست بالمكان الذي تفرض بها أي من شروطها، وأن تدرك أن ورقة التفاوض ستفقدها أهم أدواتها في السعي للحفاظ على نفوذها الإقليمي، حيث أنها تبحث عن ضمانات ملموسة تشمل وقف الهجمات وعدم استئناف العمليات العسكرية مرة قادمة من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، والعمل على تخفيف العقوبات الاقتصادية التي أثقلت كاهل الاقتصاد الإيراني وادت إلى أزمات إجتماعية واقتصادية.
أن الأوضاع الداخلية التي يعيشها النظام الإيراني بعد وقف إطلاق النار، يتمثل في أوضاع ميدانية مأزومة واقتصاد منهار وسوء في الأحوال المعيشية وانخفاض شديد في العملة المحلية ازدياد كبير في التضخم المالي، وهو ما يمكن أن ينذر بثورة شعبية وتحرك ميداني، بعد أن يطلع أبناء الشعوب الإيرانية على حجم الدمار الشامل الذي لحق ببلدهم ومشاهدة عمليات الهدم والتحطيم الذي لحق بمؤسساته الاقتصادية والعسكرية وما آلت إليه أوضاع البلاد من مآسي حقيقية، سيراه بعينه بعدما اخفت عليه من قبل الأجهزة الأمنية والاستخبارية التي منعت عنه شبكات الانترنت والتواصل الاجتماعي ولم يكن يسمع إلا الخطاب الرسمي والأخبار التي تبثها قنوات بلاده وما تدلي به من بيانات صادرة عن الحرس الثوري الإيراني وبخطابات ثورية شعبوية بعيدة عن حقيقة ما حدث وجرى.
أن عملية وقف القتال ستشكل للنظام الإيراني واجهزته الأمنية ودوائره الاستخبارية أخطر مرحلة يمر بها في حماية النظام والدفاع عن وجوده، وسيكون أمام مواجهة حقيقة ومباشرة من قبل أبناء الشعوب الإيرانية بكافة انتماءاتهم القومية والمذهبية، وأن التحدي سيكون واضحاً في التعامل معهم، ولهذا عمل مسؤولي النظام على استقدام مليشيات ( فاطميون وزينبيون) إلى الداخل الإيراني لمواجهة أي محاولات التظاهر والاحتجاج الشعبي والاستعانة بهم بعد الخسائر التي ألمت عناصر الباسيج والحرس الثوري.
ستظهر نتائج القصف والتدمير وما آلت إليه أوضاع البلد بتدمير المصانع والمعامل ( البتروكيماويات والالمنيوم والحديد والصلب) والجسور والطرق الرئيسية وبعض من وسائل النقل، والتي سيكون لها تأثيرها المباشر في إمكانية مزاولة الناس اعمالهم والعودة لدوائرهم وحقولهم الزراعية وأسواقهم التجارية، وهل ستتمكن دوائر النظام الخدمبة من ممارسة أعمالها وتوفير احتياجات الشعب المعيشية وتقديم خدماتها الصحية والتربوية لهم؟
أن البلاد بحاجة إلى ورشة عمل واسعة وأدوات فاعلة وإعادة لفهم واضح لواقع الحال الذي تمر به إيران، مع العمل بصورة واضحة والتزام دقيق بما ستؤول إليه المفاوضات وما سيطرحه الجانب الأمريكي لكي تصل إيران إلى هدفها في رفع الحصار الاقتصادي أو تخفيف العقوبات الأميركية وإطلاق الأموال المجمدة لتتمكن من إعادة البناء والإعمار وعودة الحياة لمواطنيها.
سيكون من المفيد النظر إلى نتائج المفاوضات الأمريكية الإيرانية في جمهورية باكستان وكيفية إدارتها والنقاط الرئيسية فيها لأن أي اتفاق يعتبر غير ملزم إذا ما لم يتم التوقيع عليه، وهل سيكون هناك ضغطًا سياسيًا امريكيًا على إيران في حالة تعثر المفاوضات أو اتباع سياسة والمطاولة والوقت، بتحشيد عسكري أمريكي في المنطقة، أو أن تعمل إيران على إعادة تأهيل خططها العسكرية وتموضع صواريخها البالستية ومنصات إطلاقها ونشر عناصرها من الحرس الثوري الباسيج الإيراني، في محاولة متها لإظهار قوتها وقدرتها للعودة للمواجهة العسكرية، وستنظر الإدارة الأمريكية إلى حقيقة التغيير الجاد في العقلية السياسية الحاكمة من عدمها.
أن إعلان الرئيس ترامب عن تلقى إدارته مقترحًا من عشر نقاط من إيران، معتبراً اياه أساس عملي للتفاوض وأنه يشكل عمليًا الاتفاق على جميع الخلافات السابقة، يعني مناقشة تامة ودائمة للبرنامج النووي والصاروخي وما يتعلق بنشاط إيران السياسي الإقليمي تخصيب اليورانيوم وتسليم المخزون منه..
ستكون الايام القادمة حافلة بالمتغيرات السياسية والاوضاع الميدانية..
نتابع ونرى…

وحدة الدراسات الإيرانية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة