الباحثة شذا خليل*
لفهم الأزمة الاقتصادية الإيرانية الحالية، لا بد من العودة إلى جذورها التاريخية. فقبل الثورة الإيرانية عام 1979، كان الاقتصاد الإيراني يُعد من أسرع اقتصادات الشرق الأوسط نمواً بفضل عائدات النفط الضخمة والانفتاح النسبي على الاقتصاد العالمي. إلا أن الثورة الإسلامية غيّرت طبيعة النظام الاقتصادي والسياسي بشكل جذري، حيث توسع دور الدولة والمؤسسات الدينية والأمنية في إدارة الاقتصاد.
ثم جاءت الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988 لتستنزف جزءاً كبيراً من الموارد المالية والبشرية للبلاد. وبعد انتهاء الحرب، حاولت الحكومات الإيرانية إعادة بناء الاقتصاد، لكن العقوبات الدولية المتتالية، خاصة منذ الملف النووي في بداية الألفية الجديدة، حدّت من قدرة إيران على جذب الاستثمارات الأجنبية ونقل التكنولوجيا الحديثة.
ومع مرور الوقت، أصبح الاقتصاد الإيراني يعاني من مجموعة من المشكلات الهيكلية، أبرزها الاعتماد المفرط على النفط، وضعف القطاع الخاص، وتوسع نفوذ المؤسسات شبه الحكومية، إضافة إلى العقوبات المالية والمصرفية التي عزلت إيران جزئياً عن النظام المالي العالمي.
واليوم يمكن قراءة مستقبل الاقتصاد الإيراني من خلال ثلاثة سيناريوهات رئيسية.
السيناريو الأول هو سيناريو الإصلاح والانفتاح، وهو الأكثر إيجابية. ففي حال التوصل إلى تفاهمات سياسية مع الغرب وتخفيف العقوبات، قد تتمكن إيران من استعادة جزء كبير من صادراتها النفطية، وجذب استثمارات أجنبية جديدة، وتحقيق معدلات نمو مرتفعة خلال السنوات المقبلة. وتمتلك إيران بالفعل مقومات قوية لتحقيق ذلك، فهي تضم أكثر من 90 مليون نسمة، وتملك احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، وقاعدة صناعية وبشرية مهمة.
أما السيناريو الثاني فهو استمرار الوضع الحالي. وفي هذا السيناريو تستمر العقوبات والضغوط الاقتصادية دون تصعيد كبير أو انفراج حقيقي. وهنا سيبقى الاقتصاد الإيراني قادراً على الاستمرار، لكنه سيواجه نمواً ضعيفاً، وتضخماً مرتفعاً، وتراجعاً مستمراً في مستوى معيشة المواطنين. وهذا السيناريو هو الأقرب إلى الواقع إذا لم تحدث تغييرات سياسية جوهرية.
أما السيناريو الثالث فهو سيناريو التصعيد والصدام الإقليمي الواسع. وفي هذه الحالة قد تتعرض البنية التحتية الاقتصادية ومرافق الطاقة والموانئ والمصانع لمزيد من الضغوط أو الأضرار، ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة والتضخم وتراجع قيمة العملة بشكل أكبر. كما أن هروب رؤوس الأموال وتراجع الاستثمارات قد يدفع الاقتصاد إلى مرحلة أكثر صعوبة.
ومن منظور اقتصادي بحت، فإن التحدي الأكبر الذي يواجه إيران لا يتعلق فقط بالعقوبات أو الصراعات العسكرية، بل بقدرتها على التحول من اقتصاد يعتمد على النفط والإنفاق الحكومي إلى اقتصاد أكثر تنوعاً يعتمد على الصناعة والتكنولوجيا والاستثمار والإنتاج الحقيقي. فالتجارب الاقتصادية الناجحة حول العالم أثبتت أن النمو المستدام لا يتحقق من خلال الموارد الطبيعية وحدها، بل من خلال بناء مؤسسات قوية، وتشجيع القطاع الخاص، وخلق بيئة مستقرة للاستثمار.
وفي النهاية، فإن مستقبل الاقتصاد الإيراني لن يتحدد فقط بنتائج الصراعات السياسية والعسكرية، بل بقدرة صناع القرار على إجراء إصلاحات اقتصادية عميقة وإعادة دمج البلاد في الاقتصاد العالمي. فإيران تمتلك إمكانات اقتصادية كبيرة، لكن تحويل هذه الإمكانات إلى نمو وازدهار يتطلب استقراراً سياسياً، وإدارة اقتصادية فعالة، وعلاقات أكثر توازناً مع المجتمع الدولي.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
